الرئيس الفرنسي يحصد «نجاحاً أولياً» في روسيا

مساعي ماكرون لنزع فتيل التوتر مع موسكو تدفع للاعتقاد بأنه بصدد كسب رهانه

الرئيس الأوكراني زيلينسكي (يمين) مع نظيره الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني زيلينسكي (يمين) مع نظيره الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الفرنسي يحصد «نجاحاً أولياً» في روسيا

الرئيس الأوكراني زيلينسكي (يمين) مع نظيره الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني زيلينسكي (يمين) مع نظيره الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)

إذا كانت مبادرة الرئيس الفرنسي الدبلوماسية لنزع فتيل التوتر بين روسيا وأوكرانيا من جهة، وبين موسكو والغرب من جهة ثانية، رهانا غير مضمون النتائج، فإن ما جرى في قمة الساعات الخمس يوم الاثنين بينه ونظيره الروسي، ثم قمة الأمس مع الأوكراني في كييف تدفع إلى الاعتقاد بأن إيمانويل ماكرون بصدد كسب رهانه. ورغم أن الوعود شيء وتنفيذها ميدانيا شيء آخر، فثمة دلائل تؤشر إلى أن الرئيس الفرنسي قد حصد نجاحا أوليا هو كسب الوقت، وإفساح المجال أمام المزيد من المبادرات والوساطات، والأهم من ذلك كله إقناع الرئيس بوتين بإعطائه الضوء الأخضر للاستمرار في مبادرته والثناء عليها، رغم المواقف السابقة المبدئية المتشددة بشأن الملفين المتلازمين «أوكرانيا والعلاقة المتوترة مع الحلف الأطلسي». وثمة من يذهب في العواصم الغربية إلى اعتبار أن بوتين ربما وجد في مبادرة ماكرون السبيل للخروج من الطريق المسدودة التي أوصل روسيا إليها بعد الرفض القطعي الذي واجهه بخصوص المطالب التي تضمنتها الرسالتان الموجهتان منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى واشنطن والحلف الأطلسي.
تفيد محصلة القمة مع الرئيس بوتين بأن ماكرون نجح في انتزاع مجموعة وعود أو تعهدات من سيد الكرملين لم يتم التطرق إليها في المؤتمر الصحافي المشترك مع بوتين ليل الاثنين - الثلاثاء. ولخص ماكرون ذلك في الطائرة التي نقلته صباح أمس من العاصمة الروسية إلى كييف، حيث أفاد بأنه حصل على «تأكيد «من بوتين» بعدم حصول تدهور أو تصعيد في الأزمة الناشبة مع أوكرانيا والغرب. وقال ماكرون: «كان الهدف بالنسبة إلي وقف اللعبة لمنع حصول تصعيد (إضافي) وفتح احتمالات جديدة... تحقق هذا الهدف بالنسبة إلي». كذلك، نوه في المؤتمر الصحافي المشترك مع زيلينسكي بإمكانية إحراز تقدم على الجبهتين المشار إليهما. ويقوم صلب الخطة الفرنسية على الفصل بين النزاع في أوكرانيا بين كييف والانفصاليين شرق البلاد من جهة، وبين الخلاف بين روسيا والغرب بشأن مستقبل الأمن في القارة الأوروبية، والمطالب التي تتمسك بها موسكو. وتعتبر باريس أن إحراز تقدم في الملف الأول يفتح الباب «لتبريد» الجبهة بين الغرب وروسيا، ويفتح الباب لمناقشة «الأفكار والمقترحات» التي عرضها ماكرون على بوتين. وفي السياق الأول، أفاد ماكرون بأن اجتماعا لمستشاري قادة «صيغة نورماندي» «فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا» سيجتمعون في برلين غدا الخميس بعد اجتماع أول استضافته باريس قبل أسبوعين. وبحسب ماكرون، فإن بوتين وزيلينسكي أكدا التزامهما باتفاقيات مينسك للسلام المبرمة عام 2015 بشأن النزاع بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين الموالين لموسكو. وسبق لمصادر فرنسية أن أشارت إلى أن قمة كهذه يفترض أن تلتئم في باريس علما بأن آخر قمة تعود للعام 2019، وقد حصلت في العاصمة الفرنسية. وما يدفع الجانب الفرنسي إلى التفاؤل أن موسكو لم تبد، في العامين الأخيرين، اهتماما بـ«صيغة نورماندي» التي بقيت قراراتها حبرا على ورق. وفي المؤتمر الصحافي المشترك مع ماكرون انتقد بوتين بشدة الرئيس الأوكراني بحجة أن كييف ترفض التفاوض المباشر مع الانفصاليين في منطقة الدونباس، كما أنها تسعى لفرض سلطتها عليها بالقوة. ويحظى الانفصاليون منذ العام 2014 بدعم موسكو المادي والعسكري.
يرى ماكرون أن هناك «حلولا ملموسة وعملية» من شأنها خفض التوتر بين موسكو والغرب. والقناعة الفرنسية أن الأساس في الوضع الحالي ليس أوكرانيا بل الرغبة الروسية في إعادة صياغة العلاقة مع الحلف الأطلسي. وما يشجع باريس أن «الأفكار والمقترحات» التي عرضها ماكرون لاقت تجاوبا من بوتين الذي وصفها بأنها «يمكن أن تشكل أساسا لمزيد من الخطوات المشتركة». وأضاف بوتين أن بعض ما طرحه ماكرون بخصوص الأمن في أوروبا «واقعي»، الأمر الذي من شأنه إراحة الرئيس الفرنسي الذي يرى أن هناك «حلولا ملموسة وعملية» يمكن أن تسهل خفض التوتر بين موسكو والغرب. وذهب بوتين أبعد من ذلك بقوله: «سوف نقوم بكل ما هو مطلوب للتوصل إلى تسويات تريح جميع الأطراف»، لأنه يعتبر أن أي حرب قد تنشب «لن يكون فيها فائز». بيد أن ماكرون يرى أن تحقيق اختراقات في هذه المسائل الشائكة لا يمكن أن يتحقق «عبر عقد محادثات لعدة ساعات»، مضيفا «ستسمح لنا الأيام والأسابيع والشهور المقبلة بتحقيق تقدم».
ما الذي حصل عليه ماكرون عمليا من نظيره الروسي؟ الأمر الثابت والمؤكد من الجانبين أن بوتين وعد ماكرون بأن يسحب قواته من بيلاروسيا المجاورة بعد انتهاء المناورات العسكرية التي ستقوم بها مع القوات البيلاروسية. وهذا الأمر أكده الناطق باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف الذي نقلت عنه وكالة «إنترفاكس» أمس أن القوات الروسية سوف تغادر بيلاروسيا بمجرد انتهاء التدريبات العسكرية التي تشارك فيها، مضيفا «لا أحد قال أبدا إن القوات الروسية ستبقى على الأراضي البيلاروسية». وتنظر باريس إلى هذا الوعد الروسي على أنه خطوة تشي بالرغبة في خفض التصعيد وهو ما تسعى إليه. يضاف إلى ما سبق ما تنظر إليه باريس على أنه التزام من جانب روسيا بـ«الامتناع عن القيام بأي بادرة عسكرية إضافية»، الأمر الذي من شأنه أن يساهم أيضا في خفض التصعيد. وهذا الالتزام يصح، وفق المصادر الفرنسية على الأطراف الأخرى ما يعني أن المطلوب «تجميد» الوضع العسكري، حيث يصعب اليوم الحصول على تراجع فيه. وقال ماكرون أمس، في الطائرة التي نقلته إلى كييف، إنه حصل من نظيره الروسي على وعد بالامتناع عن كل ما من شأنه أن يدفع باتجاه التصعيد على الجبهة الروسية - الغربية المتصلة بأوكرانيا. وبرأيه، فإن تنفيذ وعد كهذا سيمنع التوتر ويفتح آفاقا جديدة بين الطرفين. ومن جانبها، قالت مصادر الرئاسة الفرنسية إن بوتين تعهد أيضا بالامتناع عن قيام قواته بأي مناورات عسكرية جديدة قريبا من الحدود الأوكرانية قد تعيق التوصل إلى تهدئة بين الطرفين. إلا أن الناطق باسم الكرملين نفى أن يكون بوتين قد قدم وعدا كهذا لماكرون، لا بل إنه ذهب أبعد من ذلك بتأكيده أن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق على تخفيف التوتر حول أوكرانيا. ولم تعلق باريس، حتى مساء أمس، على النفي الروسي.
كذلك لم يصدر أي تعليق لا من الجانب الروسي ولا من الجانب الفرنسي على ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» في عددها ليوم أمس من أن ماكرون قال لصحافيين خلال الرحلة بين باريس وموسكو إن إحدى الأفكار المطروحة هي أن تكون أوكرانيا في حالة تشبه فنلندا. ونقل عن الرئيس الفرنسي ما حرفيته أن بوتين «يريد تغييرا عميقا لسياسة الأطلسي، ولذا يتعين إيجاد حل لتسهيل التعايش بينه وبين روسيا، وأحد العناصر المطروحة هو عدم انضمام أوكرانيا لحلف الأطلسي».
واللافت أن طرح ماكرون يتناقض مع ما يتمسك به أعضاء الحلف من العمل بمبدأ «الأبواب المفتوحة»، ورفض أي وصاية روسية على قرار أي بلد أوروبي بما في ذلك أوكرانيا يبدي رغبة بالانضمام إليه. يبقى أن الطروحات الفرنسية تحتاج لموافقات أميركية. واجتماع ماكرون مساء مع المستشار الألماني العائد من واشنطن يمكن أن يوفر بعض الأدلة على المسار الذي ستسلكه مبادرة ماكرون في الأيام والأسابيع القادمة.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».