حراك واسع لصندوق النقد... من لبنان إلى الأرجنتين مروراً بباكستان

غورغييفا: من السابق لأوانه القول إن العالم يواجه تضخماً مستداماً

كريستالينا غورغييفا تؤكد أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان العالم يواجه فترة تضخم مستدام (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا تؤكد أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان العالم يواجه فترة تضخم مستدام (أ.ف.ب)
TT

حراك واسع لصندوق النقد... من لبنان إلى الأرجنتين مروراً بباكستان

كريستالينا غورغييفا تؤكد أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان العالم يواجه فترة تضخم مستدام (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا تؤكد أنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان العالم يواجه فترة تضخم مستدام (أ.ف.ب)

قالت كريستالينا غورغييفا، المدير العام لصندوق النقد الدولي، إن من «السابق لأوانه» القول ما إذا كان العالم يواجه فترة تضخم مستدام، لكنها حذرت من أن عدم قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات في المستقبل قد يؤدي إلى مشاكل كبيرة.
وقالت غورغييفا للصحافيين مساء الخميس إن صانعي السياسات على مستوى العالم بحاجة إلى تقدير سياساتهم المالية والنقدية بعناية في عام 2022 لضمان أن إنهاء برامج الدعم المالي لمواجهة كوفيد - 19 وارتفاع أسعار الفائدة لن يقوضا الانتعاش.
وخفض صندوق النقد الأسبوع الماضي توقعاته الاقتصادية للولايات المتحدة والصين والاقتصاد العالمي، وقال إن الضبابية بشأن الجائحة والتضخم واضطراب الإمدادات وتشديد السياسة النقدية الأميركية كلها عوامل تشكل المزيد من المخاطر.
وقالت غورغييفا إنه على عكس العام الأول للجائحة في 2020، عندما نسق وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية إجراءاتهم، اختلفت الظروف الآن على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم وهذا يتطلب مزيدا من «التحديد» في أساليب التعامل.
وأضافت أن جائحة كوفيد - 19 ما زالت تمثل الخطر الأكبر الذي يواجه الاقتصاد العالمي، وأنه كان من الضروري تكثيف الجهود لزيادة معدلات التطعيم في البلدان منخفضة الدخل وتحقيق الهدف العالمي المتمثل في تطعيم 70 في المائة من السكان في البلدان حول العالم بحلول منتصف عام 2022.
• اشتراط «برنامج لبناني شامل»
وتأتي تصريحات غورغييفا متزامنة مع حراك واسع النطاق للصندوق لمحاولة إنقاذ عدد من الدول. وفي شأن ذي صلة، أعلنت غورغييفا الخميس أن المؤسسة ستدعم فقط «برنامجا شاملا» للبنان يعالج جميع مشاكل البلاد بما فيها الفساد.
وقالت غورغييفا في مقابلة مع عدد من وسائل الإعلام بينها وكالة الصحافة الفرنسية: «ليس لدي ما أتشاركه حتى الآن سوى القول إن فريقنا يعمل عن كثب مع نظرائه اللبنانيين».
وأضافت «نصر على ضرورة أن يكون الأمر متعلقا ببرنامج شامل».
وبدأ مسؤولون لبنانيون في 24 يناير (كانون الثاني) محادثات مع الصندوق بشأن إجراءات دعم تهدف إلى إخراج البلاد من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها. وتابعت مديرة المؤسسة: «نعلم جميعا أن الوضع في البلاد خطير جدا، وأنه كان كذلك منذ فترة طويلة، وأنه من دون التزام قوي من الحكومة لتغيير مسار البلد، ستستمر معاناة الشعب اللبناني». ورحبت بأن فرق الصندوق بات لديها الآن «شريك».
وقالت إن المناقشات حاليا تركز على اقتراح للموازنة من شأنه معالجة مشاكل القطاع المصرفي في لبنان، وعلى «الإصلاحات التي يحتاجها البلد، بما في ذلك المزيد من الشفافية فيما تفعله الحكومة». وأردفت أنه رغم ذلك، فإنه «ليست لدينا نتائج دقيقة حتى الآن».
وقالت غورغييفا «أنا سعيدة جدا برؤية هذا الالتزام. دعونا نر إلى أي مدى وبأي سرعة يمكننا أن نمضي قدما، لنكون قادرين على دعم البرنامج». وردا على سؤال حول مشاكل الفساد المستشرية في لبنان والمخاطر التي تهدد سمعة صندوق النقد الدولي، أشارت غورغييفا إلى أن صندوق النقد الدولي «على علم بذلك». وشددت على الحاجة إلى الحصول على دعم الجميع للبرنامج، بما في ذلك دعم «المجتمع» و«الناس العاديين».
وتخلفت الدولة اللبنانية عن سداد مستحقات ديونها السيادية عام 2020، للمرة الأولى في تاريخها. وفقدت العملة اللبنانية حوالي 90 في المائة من قيمتها في السوق السوداء، في وقت بات أربعة من كل خمسة لبنانيين يعيشون الآن تحت خط الفقر وفقاً للأمم المتحدة.
ورغم التدهور الاجتماعي والاقتصادي في البلاد واصلت الطبقة الحاكمة عرقلة الإصلاحات التي اشترطها المانحون الأجانب لتقديم المساعدة.
وفي تحرك مواز، وافق صندوق النقد على صرف شريحة قيمتها مليار دولار لباكستان، مرحباً بالإعلانات الأخيرة من جانب الحكومة في شأن الإصلاح. وتمنح هذه المساعدة بموجب اتفاقية تمت الموافقة عليها في يوليو (تموز) 2019 تتعلق بقرض بقيمة ستة مليارات دولار على مدى أكثر من ثلاث سنوات (39 شهراً) في إطار «آلية تمويل موسعة».
ولكن تم دفع ثلث المبلغ فقط حتى الآن. وأوقف صندوق النقد الدولي دفع باقي المبلغ في انتظار تنفيذ الحكومة الباكستانية الإصلاحات التي التزمت بها.
وللحصول على هذه الشريحة الجديدة البالغة مليار دولار، قدمت الحكومة الشهر الماضي إلى صندوق النقد ميزانية تقشفية تشمل إنهاء إعفاءات ضريبية على منتجات أساسية ومواد غذائية. وقال الصندوق في بيان إن «النشاط الاقتصادي انتعش بقوة بعد أولى موجات جائحة كوفيد - 19 لكن الضغوط بدأت أيضاً في التراكم».
غير أن الصندوق رحب «بجهود السلطات الأخيرة في السياسة الاقتصادية والمالية» التي يعتبرها «مناسبة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي والقدرة على تحمل الديون». ويتوقع أن يصل النمو في باكستان إلى 4 في المائة هذا العام، لكن اقتصادها لا يزال ضعيفا وخاضعا لتقلبات الجائحة والتوترات الجيوسياسية.
وقالت أنطوانيت ساييه نائبة مدير الصندوق: «واصل الاقتصاد الباكستاني التعافي رغم تحديات الجائحة، لكن الاختلالات اتسعت والمخاطر لا تزال مرتفعة». وأضافت أن «التنفيذ السريع والمتسق للسياسات والإصلاحات يظل ضروريا لإرساء أسس نمو أقوى وأكثر استدامة».
وفي شأن ثالث، قالت غورغييفا الخميس إنه لا يوجد بديل للاتفاق المعلق الذي توصل إليه المقرض الدولي مع الأرجنتين لإخراجها من دوامة التضخم والفقر، و«تركيزنا الأساس هو على إخراج الأرجنتين من هذا المسار الخطير من التضخم المفرط».
وأعلنت الأرجنتين وصندوق النقد الأسبوع الماضي أنهما توصلا إلى اتفاق لإعادة التفاوض بشأن قرض بقيمة 44 مليار دولار مقابل إصلاحات اقتصادية، رغم توقع الحاجة إلى مزيد من المفاوضات. وقالت غورغييفا إن هذه المحادثات مهدت الطريق للأرجنتين للمضي قدما، وإنه من دون اتفاق مع الصندوق سيرتفع مستوى الفقر، لا سيما بين الأطفال. وتساءلت «ما هو البديل؟ البديل هو لا شيء»، مضيفة «فريقنا يركز بشدة للتوصل إلى ما هو أفضل للبلاد»، ورفضت التكهن بما سيحدث في حال رفض الكونغرس الأرجنتيني الاتفاق.


مقالات ذات صلة

باكستان وصندوق النقد الدولي يحققان تقدماً في مراجعة برنامج الإنقاذ المالي

الاقتصاد فتى يمر بجوار كشك صرافة مزين بصور الأوراق النقدية في كراتشي (رويترز)

باكستان وصندوق النقد الدولي يحققان تقدماً في مراجعة برنامج الإنقاذ المالي

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الأربعاء، أن باكستان والصندوق أحرزا «تقدماً ملحوظاً» في المحادثات المتعلقة بأحدث مراجعات برنامج الإنقاذ المالي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كراتشي )
تحليل إخباري رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)

تحليل إخباري هل أحبطت الحرب الإيرانية وعود الحكومة المصرية بتحسن الأوضاع؟

طبقت الحكومة المصرية خلال السنوات العشر الماضية إصلاحات اقتصادية وُصفت بـ«القاسية»، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تضمنت رفع الدعم عن المحروقات.

أحمد عدلي (القاهرة)
الاقتصاد غورغييفا تتحدث في ندوة «مستقبل الاقتصاد العالمي» في طوكيو (إكس)

غورغييفا تُحذِّر: الصراع في الشرق الأوسط قد يشعل التضخم العالمي

حذَّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، يوم الاثنين، من مخاطر التضخم الناجمة عن الصراع بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «صندوق النقد الدولي» (رويترز)

«صندوق النقد الدولي»: الحرب في إيران قد تعصف بمؤشرات الاقتصاد العالمي

حذر نائب المدير العام لـ«صندوق النقد الدولي»، ديفيد كاتز، بأن صراع إيران يحمل في طياته إمكانات «عالية التأثير» على مجموعة واسعة من مؤشرات الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد الدولي: نراقب تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي

قال صندوق النقد الدولي الثلاثاء إنه يراقب من كثب التطورات في الشرق الأوسط مشيراً إلى اضطرابات بالتجارة والنشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).