مها بيرقدار ويوسف الخال: بيت زوجي بمنزلين متباعدين وجدران كثيرة

هل كان «بطريرك الحداثة» بطريركياً في سلوكه مع النساء؟

مها بيرقدار
مها بيرقدار
TT

مها بيرقدار ويوسف الخال: بيت زوجي بمنزلين متباعدين وجدران كثيرة

مها بيرقدار
مها بيرقدار

حين وفدت مها بيرقدار إلى بيروت، ربيع العام 1970، لم تكن لتفكر وهي تقطع الطريق الفاصل بين العاصمتين السورية واللبنانية، سوى بالعثور على دار للنشر تتبنى إصدار قصائدها المبكرة في كتاب مستقل. ذلك أن الصورة التي ارتسمت لبيروت في مخيلة الصبية الطافحة بالنضارة، لم تكن تنحصر في كونها مدينة الصخب اللاهي والانفتاح على العالم، بل هي قبل كل شيء عاصمة الثقافة والتنوير، والمنصة المثلى للطباعة والنشر وتشجيع المواهب، التي سبق أن وفّرت لعشرات المبدعين السوريين السبل المثلى لبلورة تجاربهم وتوسيع رقعة انتشارهم وتطورهم الإبداعي. لذلك، فهي حين طرقت باب يوسف الخال، فليس لأنه «بطريرك الحداثة»، أو الأب المؤسس لمجلة «شعر» فحسب، بل بوصفه مسؤولاً عن «دار النهار» للنشر، والقادر بالتالي على الأخذ بيدها لقطع المسافة الطويلة والشائكة التي تفصلها عن تحقيق الأحلام.
لم يكن في وارد الصبية اليافعة يومها أن القدر سيضع حياتها أمام منعطف حاسم وغير متوقع، وأن الشاعر الشهير، الذي تجلس قبالته بتهيب وحذر شديدين، سيصبح زوجها فيما بعد. صحيح أنها تتقاسم مع يوسف الخال شغفه بالشعر والرسم، وهي التي تربت في كنف أب عسكري لم تمنعه رتبته العالية من الإدمان على القراءة ومزاولة الرسم، وأم منفتحة ومولعة كزوجها بفنون التشكيل، وصحيح أن موهبتها في الرسم دفعتها للالتحاق بمعهد الفنون التشكيلية في دمشق، وأن افتتانها بالشعر جعلها تقدم بصوتها وأدائها المميزين برامج إذاعية لاقت كثيراً من الاستحسان، ولكن ما يفصلها عن عراب الحداثة الثانية ليست العقود الثلاثة من الزمن فحسب، بل ثمة فوارق أخرى على مستويات الخبرة والنضج والطباع والاندفاع العاصف والمتهور نحو الحياة. فقد كان الخال يستند إلى إرث طويل من التجارب والمغامرات العاطفية، إضافة إلى دوره التنويري في العقدين اللذين سبقا لقاءها به. وهو منذ أن غادر طفلاً بلدته السورية «عمار الحصن»، بدا أشبه بعاصفة لا تهدأ من المغامرات؛ حيث انخرط شاباً في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي، قبل أن «يتلبنن» بتأثير من شارل مالك. كما أنه شغل غير منصب ثقافي ودبلوماسي، أثناء إقامته في الولايات المتحدة مع زوجته الأولى هيلين، الأميركية من أصل لبناني. وحين عاد أدراجه إلى بيروت بادر إلى تأسيس مجلة «شعر»، جامعاً من حوله ثلة من شعراء التمرد الحداثي، قبل أن يقفلها في وقت لاحق، معلناً اصطدامه بجدارين؛ جدار اللغة الفصحى التي تم استنفادها في رأيه، بما يوجب اعتماد المحكية بديلاً عنها، وجدار المؤسسة الزوجية الذي قاده إلى الانفصال عن هيلين، الرسامة المعروفة التي أسس معها «غاليري وان»، وأنجبت منه طفلين اثنين، توفيا بشكل مأساوي بُعيد رحيل الأب.
«لكننا لا نطبع إلا للمشاهير، وإذا فعلنا فمقابل مبلغ مالي لدعم إمكانات الدار المتواضعة»، قال الخال لمها، التي كانت تنتظر قراره بشأن ديوانها بفارغ الصبر. ثم أردف قائلاً، وقد لفته جمالها الشامي الياسميني: «ثم لماذا على صبية مثلك، لها مثل هذه الفتنة، أن تكتب الشعر؟». ومع أن في سؤال الخال ما يوجب أن يصيبها بالإحباط، فإن بيرقدار أقرت في حوار لي معها: «رغم أن تجاهله لي ككاتبة أصابني بالصدمة والإحباط، فإن تغزله الصريح بجمالي أيقظ مشاعري كأنثى، فلم يتملكني الغضب، بل طلبت إليه أن يقرأ كتاباتي بإمعان. ولم يفته بالطبع أن يطلب رقم هاتفي في دمشق، لكي يضعني في صورة القرار الذي سيتخذه بشأن النشر أو عدمه».
لم يمر على ذلك اللقاء أكثر من أسبوع واحد، حتى كان صاحب «البئر المهجورة» يتصل ببيرقدار طالباً إليها بلهجة شبه آمرة أن تأتي إلى بيروت بغية التحدث وجهاً لوجه، والوقوف عن كثب على أفكارها ووضعها العائلي والاجتماعي. ورغم صعوبة ظروفها، كمقدمة برامج إذاعية، وجدت مها طريقة للمغادرة، حتى إذا التقت بالخال نقل إليها اعتذار المؤسسة لأسباب مالية عن نشر باكورتها الشعرية. لكنه أبدى رغبته في العثور على عمل دائم لها في بيروت، مقترحاً أن يتبادلا الرسائل ليتعرف أحدهما على الآخر بصورة أفضل. وإذ تقر مها، التي وافقت على الاقتراح، بأنها بدأت تقع بالتدريج في شرك الحضور المغوي للشاعر الوسيم، فإنها لم تتوقع أبداً أن يكتب لها على ظهر ورقة رثة: «تعالي حين ينتصف تموز، فقد أعددت لك مكاناً على شاطئ البحر أو فوق إحدى القمم، وإلا فغيبي إلى الأبد!».
«كانت الرسالة بالنسبة لي صدمة أخرى تضاف إلى الصدمات السابقة»، قالت مها. وحين أبلغت الخال بصعوبة الإقامة بمفردها في بيروت، أجابها بنبرة احتجاج ساخرة: «وهل الإقامة في بيروت أكثر خطورة من الإقامة في ميونيخ!»، ملمحاً إلى إقامتها في ألمانيا لسنتين متتاليتين، وبضيافة أخيها أسامة، بهدف دراسة الترجمة. إلا أنها ما لبثت أن انتقلت إلى بيروت، رغم معارضة الأهل ومخاوفهم، حين وفر لها الخال فرصتين اثنتين للعمل، أولاهما في جريدة «النهار»، والأخرى في الغاليري الذي يملكه.
أما حين طلب يوسف الخال من مها بيرقدار، بعد شهور قليلة، أن تكون زوجة له، فقد أُسقط في يدها تماماً، لا لأنها ترفض الفكرة من الأصل، وهي التي عاينت بشكل مباشر ما يمتلكه يوسف من مكانة مرموقة في الأوساط الثقافية اللبنانية، بل بسبب تباينات عدة لا تتعلق بفارق العمر وحده، ولكنها تتعداه إلى اختلاف الطباع ونمط الحياة، فضلاً عن انتمائهما إلى ديانتين مختلفتين، الأمر الذي سيتسبب في معارضة الأهل الشديدة لمثل هذا المشروع. ومع ذلك فقد قررت بيرقدار أن تقبل التحدي، وأن تذهب في المجازفة حتى نهاياتها، منتقلة مع الخال إلى قبرص، لينجزا بلا مشاركة من أحد ولا مراسم زفاف، عقد زواجهما المدني.
«ومتى بدأ شهر عسلكما الزوجي بالانقضاء»، سألتُ مها، التي تلازم سريرها منذ أشهر لأسباب صحية. «منذ الليلة الأولى»، أجابت. ثم تابعت بنبرة تأثر واضحة: «لم يكن يوسف حنوناً ورقيقاً كما ينبغي لرجل أن يفعل مع صبية رقيقة، تركت كل شيء وراءها وانتقلت إلى بلد غريب لتكون شريكته من دون سائر الخلق. لقد جسد في سلوكه معي كل صور القسوة والاستحواذ والتسلط الذكوري على المرأة. فبعد ساعات من عودتنا إلى بيروت تركني وحيدة على امتداد الليل، ليوافي صديقين له أثيرين إلى ما أطلق عليه (لقاء 104) الدوري». بعد ذلك تتحدث مها عن العلاقة غير المتكافئة بين الزوجة الشابة التي كانتها، وبين الرجل الكهل الذي كانت ترى فيه صورة الأب، وتخجل من مواجهته أو معاندته. كما تحدثت إسهاب عن إدمان زوجها على التدخين وتناول الكحول والسهر المتأخر، فضلاً عن عدم اكتراثه بوحدتها المتنامية، الأمر الذي حدا بها إلى اختيار النوم في غرفة منفصلة، في وقت لاحق. وعما إذا كان الخال قد لجأ في بعض المواقف المحتدمة إلى مبادرتها بالعنف الكلامي والجسدي، قالت بتأثر بالغ: «إن سلوكه معها اتسم بالقسوة على وجه الإجمال، ولم يخلُ من التعنيف الكلامي، لكنه لم يصل إلى العنف الجسدي إلا مرات قليلة، وبخاصة حين تثبتّ مرة من خيانته لي، حتى إذا ما فاتحته بهذا الشأن بادر إلى دفعي بقوة، معتبراً أن ما أقوله هو من بنات وساوسي المرضية». وكيف تعاطى يوسف مع موهبتك الإبداعية المنقسمة بين الرسم والشعر؟ سألتها. «لم يكترث لكل ما أفعله»، أجابت: «مع أن لوحاتي كانت تباع بما يكفي لأساعده في إتمام منزلنا في غزير. ولم أصدر أثناء حياته سوى مجموعتي الأولى «عشبة الملح»، ودون حماس منه، أما المجموعات الثلاث الأخرى «رحيل العناصر»، و«الصمت»، و«دواة الروح»، فكان على إصدارها أن ينتظر، بكل أسف، إلى ما بعد رحيله عن هذا العالم.
لم يتح لمها بيرقدار أن تواكب المغامرة الفريدة والرائدة التي خاضها يوسف الخال عبر مجلة «شعر»، إذ كان عقد المجلة قد انفرط قبل سنوات من زواجها بصاحب «قصائد في الأربعين». وبسؤالها عمن كان يتردد على منزلهما العائلي عشية الحرب الأهلية، اختارت أن تخص بالذكر ليلى بعلبكي وفؤاد رفقة، ذا الحضور الدافئ، وأدونيس، الذي تكن له، شاعراً وإنساناً، قدراً عالياً من الإعجاب. وحين انتقل الزوجان مع بداية الحرب إلى بلدة غزير، عمدا إلى تأسيس «صالون الجمعة» الثقافي، بمشاركة كثير من أهل الفكر والفن، من أمثال منير معاصري وريمون جبارة وموريس عواد وميشال معيكي وآخرين. إلا أن الخال لم يستجب لرغبات الذين طالبوه بإلحاح أن يعاود إصدار مجلته، ولو بحلّة ونفَس جديدين، مرة بدعوى أن زمنها قد انتهى، ومرة أخرى بأنه لم يعد الشاب الطافح بالحيوية الذي كانه عند صدورها الأول في الخمسينات.
ومع أن الخال لا يقدم لنا من جهته كثيراً من وقائع حياته العائلية وتفاصيلها، سواء في الجانب المتعلق بزواجه الأول من هيلين، أو بزواجه الثاني من مها بيرقدار، فإن ما رشح عنه من مواقف وتصريحات، يُكسب اعترافات مها كثيراً من المصداقية، ويكشف عن موقفه السلبي والمستغرب من النساء، وهو الذي طالما رأى في صورة المسيح قدوته ومثاله. فحين تسأله أمل جراح، في حوار مطول، عن السبب الذي دفعه إلى عدم إيلاء المرأة في شعره أي اهتمام يُذكر، يجيبها بالقول: «فيما خصني، لا أعتقد أن أي امرأة بالذات لعبت دوراً رئيسياً في حياتي، فأنا أحب عِشرة النساء، لكنني لا أحب النساء، لا أحب جنسهن، أتعب وأضجر منهن. بيني وبينهن جدار لا يُخرق، ولا أذكر أنني استسلمت في حياتي لحب امرأة».
«ما قاله يوسف هو ليس حقيقة ما اعتنقه وآمن به فحسب، بل ما مارسه وطبّقه في حياته الفعلية أيضاً»، علقت مها بيرقدار على آرائه تلك، حين سألتها مستوضحاً، مضيفة بأنه أبدى تعلقاً خاصاً بابنه الأصغر يوسف، إلى حد منحه اسمه وقلبه واهتمامه، بعد أن رأى فيه شبيهه وامتداده الذكوري. ولكنه لم يكن يعطي الاهتمام نفسه لابنته «ورد»، بل كان شديد الخشية من أن تتسبب له حين بلوغها المراهقة بكثير من المتاعب و«أوجاع الرأس».
في بداية ثمانينات القرن المنصرم، بدأ الورم السرطاني الذي أصاب جسد يوسف الخال بمثابة طعنة قاصمة للشاعر، الذي لم يكن تقادم السنين لينال من ولعه الأبيقوري بالحياة. وبسؤال مها عن طريقة تعاطيها معه في تلك المرحلة، أجابت بأن أخلاقياتها الشخصية وواجبها كزوجة وأم لطفلين، أمليا عليها الوقوف إلى جانبه والتخفيف من آلامه، سواء في بيروت أو أثناء إقامته بهدف العلاج في باريس. «ألم يشكرك يوسف على رعايتك له أثناء مرضه؟» سألت مها. وبعد أن صمتت قليلاً أجابت بأنه لم يفعل أبداً، بل قال لها مرة بالمحكية اللبنانية: «يا مرا، صار لازم تنتحري». وحين سألته عن السبب، قال: «لأنك طيبة القلب أكثر من اللازم».
ومع ذلك، فإن تجربة يوسف الخال مع الزواج لم تختلف كثيراً عن تجارب من سبقه من فناني العالم وكتّابه ومفكريه، ممن شكّل مزاجهم الشخصي وسلوكهم المتعالي ونرجسيتهم الفاقعة، الوجه الآخر لملكاتهم الإبداعية.
إن فيه شيئاً من التسلط الاستحواذي لبيكاسو، الذي كان يكبر زوجته الرسامة بـ40 عاماً، ومن الجاذبية القاسية لتيد هيوز، الذي دفع بزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث دفعاً إلى الانتحار، ومن كرم تولستوي المليء بالفارقات، وهو الذي خص أصدقاءه وفلاحيه بقدْر من السخاء والرعاية الأبوية، لم يخصّ به زوجته وأولاده. أما مها بيرقدار فقد بدت من بعض وجوه تجربتها القاسية مزيجاً من شخصيات فرنسوا جيلو وسيلفيا بلاث وصوفيا تولستايا، مع تعديلات متفاوتة في التفاصيل والوقائع والمآلات.



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»