من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟

روايتان تتناولان حياة شخصيتين نسويتين مشهورتين

من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟
TT

من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟

من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟

تعد السيرة شكلاً من أشكال كتابة التاريخ، ونظراً لأهمية دورها في توثيق حياة المشاهير، غدت من الأدب الشخصي. وتتنوع صيغ كتابة السير الروائية، فمن الترجمة التي تعد أكثر تلك الصيغ قدماً، إلى السيرة الذاتية، والسيرة الغيرية، والسيرة النسوية، وغيرها. وعادة ما تسمى الرواية التي موضوعها شخصية حقيقية مشهورة بـ«رواية السيرة»، وهي تختلف عن الرواية التي موضوعها شخصية متخيلة، تتمركز حولها البطولة، وتلتقي عندها خيوط الحبكة تأزماً وانفراجاً.
ولأن رواية السيرة نمط من أنماط كتابة التاريخ، يغدو التطابق الزماني مع الماضي، - كما يذهب ميشال بوتور - طريقاً لإلقاء نظرة على المستقبل. ووصف فيليب لوجون هذا التطابق بالميثاق السيري الذي بسببه تغدو الحياة منتجة للنص السردي، وليس العكس. وتساءل لوجون، وهو بصدد الضمائر السردية، ما المانع من كتابة المرء سيرته بضمير الغائب؟
وهذا التساؤل يُخفي وراءه إشكالية كبيرة لم يستطع لوجون حلها، وتتعلق بالذي يسرد السيرة الذاتية، أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟ وهل يختلف الأمر مع كل واحد منهما، فيما إذا كان السرد بضمير المتكلم أو كان بضمير الغائب؟
عموماً تظل الإشكالية مع السيرة الذاتية أكبر منها مع السيرة الغيرية أو الترجمية، لأن في الأخيرة يكون السارد ذا هيئة واضحة مستقلة عن هيئة الشخصية صاحبة السيرة. وتختلف رواية السيرة عن الرواية التسجيلية أو الوثائقية، لأن الأخريين تتعلقان بفترة زمنية محددة أو قضية عامة، بها ترتبط مجموعة من الشخصيات، وإليها تعود الوثائق المدمجة في النص السردي. وعادة ما تستعين الرواية التسجيلية بالكولاج والمونتاج لأجل إعطاء النص سمة وقائعية، وفي الوقت نفسه يتخفى السارد عن أعين القراء.
وأياً كانت السيرة، فإن أهميتها اليوم واضحة، بما صارت تحرزه من تقدم على سائر الأنواع السردية المنضوية في جنس الرواية، فضلاً عن تصدرها عالم الإنتاج الروائي عربياً وعالمياً.
وتتعدد الأسباب وراء هذا الاهتمام الكبير بالكتابة السيرية، منها ما تؤديه من دور تاريخي في توثيق حياة الأشخاص المشهورين وتعريف الناس بها؛ فالسيرة بمثابة وثيقة من وثائق التاريخ. ومنها أيضاً أسباب تزينية تتعلق بالمجتمع الاستهلاكي، في ظل النظام الرأسمالي الجديد، حيث الفرد مستقل بشروط اقتصادية، فيكون من حقه إشهار سيرته أو سيرة أي مشهور من المشاهير، وفي الوقت نفسه يساهم في كتابة تاريخ شخصية، لها حقها في أن توثق مراحل حياتها. وهذه الملكية الخاصة للتاريخ الشخصي يعارضها النظام الاشتراكي الذي يتجنب النظر إلى التاريخ الشخصي ملكية خاصة، كما لا يرى الفرد مستقلاً اقتصادياً ولا المجتمع مستهلكاً وباذخاً.
ولا مجال لتعداد الروايات السيرية، الذاتية منها والغيرية، وهي تتفاوت في الأهمية، لا بحسب طبيعة الرجال والنساء ذوي السير، وإنما أيضاً بحسب فنية الاشتغال السردي وطبيعة التفنن في توظيف فكرة التطابق الزماني وفاعلية السارد فيما يقوم به من مهام السرد والتوثيق التي بها يتحقق الميثاق السردي.
وسنمثل على ذلك بروايتين سيريتين تقاربتا في أنهما اتخذتا موضوعيهما من الأيام الأخيرة في حياة شخصيتين نسويتين مشهورتين، الأولى هي مي زيادة في رواية «مي - ليالي إيزيس كوبيا – ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية» 2018، لواسيني الأعرج، والمرأة الثانية هي معمارية عالمية في رواية «عمتي زهاوي» 2020 لخضير فليح الزيدي.
الرواية الأولى بلا شك وثيقة تاريخية، تضاف إلى سردية التاريخ النسوي، وما في هذا التاريخ من نواقص ومخبوءات مطمورة ومنسية، يمكن للروائي أن يظهرها للعيان، موجهاً معاوله السردية حفراً وتنقيباً في المغيبات والمفقودات.
وإذا كان واسيني الأعرج قد اتخذ من التنقيب في التاريخ طريقاً لبناء روايته، فلأنه أراد من السرد أن يكون غايته، ولتكون روايته من ثم وثيقة من وثائق التاريخ النسوي. وهو ما عبّر عنه المؤلف في ختام الرواية: «ما زلت أؤمن وأنا أنهي ليالي إيزيس كوبيا بأن الرواية أصبحت اليوم أهم سلاح في وجه طغيان النسيان وهزيمة الذاكرة لتحرير التمثال العالق منذ قرون بأعماق الصخرة الصماء» (الرواية، ص350).
وقد تحقق له ذلك بفنية اشتغاله الكتابي على بعدين؛ الأول سردي تمثل في مخطوطة «ليالي العصفورية» التي سمع بها، فراح يبحث عنها حتى وجدها، وبعد ثانٍ ميتاسردي تمثل في لقاء المؤلف بالباحثة روز الخليل، الشغوف بقصة مي زيادة، والأستاذة الجامعية التي ساعدته في العثور على مخطوطة كتبتها مي في أواخر حياتها وأودعتها لدى ممرضتها التي ماتت بعد وفاة مي مباشرة، لتُفقد تلك المخطوطة إلى الأبد.
وقد استغرق أمر العثور على المخطوطة ما يقارب ربع الرواية الأول، لتأتي بعده مي زيادة ساردة سيرتها بلسانها، وكيف قضت أيامها المريرة في مستشفى الأمراض العقلية المسمى بالعصفورية، ثم تنتهي السيرة بعودة المؤلف في الربع الأخير من الرواية إلى الميتاسرد تحت عنوان «هي لم تمت، لكنها شُبهت لهم، ليلة أيلول 2017 وما تلاها»، متخذاً من نفسه سارداً ذاتياً ومعه مي زيادة شخصية مسرودة في صورة روح شفيفة ترافقه وتهمس إليه بالأسرار.
وهذا التلاقي الفني للسرد بالميتاسرد حقق للرواية تطابقاً زمانياً هو بمثابة ميثاق سيري أعطى للرواية سمة وثائقية بـ3 أشكال من التطابق؛ الأول تطابق السارد ياسين الأبيض مع المؤلف واسيني الأعرج، والثاني تطابق مي زيادة الحقيقية مع مي زيادة المسرودة، والثالث تطابق سيميائية الأسماء والأماكن مع المتعالقات النصية، وخارج النصية كالإهداء والشكر.
وكان وراء حرص الكاتب على جعل الشخصيات النسوية هي الغالبة في الرواية دور مهم في اصطباغ السرد بالصبغة النسوية خارقاً في الآن نفسه أهم مواضعة من مواضعات كتابة السيرة الذاتية النسوية من خلال عدم التطابق بين صوتي الساردة والمؤلف اللذين اعتيد أن يكونا متطابقين. وهو ما خلخل الهيمنة الذكورية وقطع الطريق عليها في مزاحمة النسوية حتى محاولة التناصف معها على السيادة السردية. ولو ترك الكاتب الشخصية مي زيادة تدلي بسيرتها من دون توظيف الميتاسرد، ولا الاستعانة بالمخطوطة، لكان أكثر قمعاً للذكورية وأكثر انتصاراً للنسوية، لكنه عند ذاك لن يتمكن من جعل روايته وثيقة تاريخية من وثائق التاريخ النسوي، ومندرجة أيضاً في خانة الأدب النسوي، كما فعل باستعمال المخطوطة، وكان موفقاً بشكل كبير.
أما رواية «عمتي زهاوي» فلم تضف إلى التاريخ النسوي أي إضافة، أولاً لأن المؤلف لم يترك العمة تتحدث بصوتها، بل قمعها حين قدّم صفتها الخصوصية عمةً على صفتها العمومية مهندسةً عالميةً، ليس لها نظير في العمارة ما بعد الحداثية.
وإذا كان العنوان والاستهلال يوحيان بأن الرواية ستتمحور حول هذه الشخصية المشهورة، فإن المتحصل هو اقتصار كتابة سيرتها على الفصل الأول المعنون «حسن العمة» الذي فيه يسرد حسن ابن أخيها قصة أيامها الأخيرة قبل موتها الغامض في إحدى مشافي أميركا، ومن بعدها تغيب الشخصية عن السرد مع انتهاء دور السارد حسن، لتقوم شخصيات أُخر بتولي السرد في الفصول اللاحقة من الرواية.
وأما ما ركز عليه الفصل الأول من ناحية المشروع الهندسي العجائبي، فاضمحل تدريجياً مع الأصوات السردية الثلاثة؛ لحسن رضا غناوي، ولميس الحموي، والحاج صبري الكرخي، وصار المشروع في الفصل الأخير موضوعاً من موضوعات تعج بها الساحة العراقية، مما يتعلق بالمشروعات الوهمية وغسيل الأموال وشراء الذمم والفساد المالي، ناهيك عن مسائل الواقع المعاش من قبيل الإرهاب الذي عبّر عنه السارد بتنظيم أهل الجنة على غرار «تنظيم داعش».
وبدلاً من أن يجعل الكاتب من روايته طريقاً جمالياً للبحث عن الحقيقة في ظل عالم منحط، فإنه سلك أقصر ما يمكن من هذا الطريق، تاركاً أشواطاً أخرى تقاعس عن إكمالها؛ إما لأنه كان على عجلة من أمره، أو ليأس خامره من بلوغ الحقيقة. فختم روايته بسارد موضوعي، ما أضاع على الرواية فنية التعدد في الأصوات السردية، كما أن تعدد الساردين حال دون أن تكون رواية سيرة نسوية، فضلاً عما ترشح في آخر فصل حمل عنوان «هذه ليلتي» من وجهة نظر آيديولوجية، كشف عنها زواج حسن غناوي من لميس الحموي بعد موت الحاج صبري.
أما ما يوحي بها عنوان الرواية مع استهلالها وفصلها الكولاجي، تحت عنوان «كلام جرائد»، وإشارة المؤلف الافتتاحية: «التقريران الصحافيان كانا السبب في إلهامي نسيج حكاية الرواية...».
وزاد في توكيد هذا التقاطع تقسيم الرواية إلى 5 فصول، أربعة منها تسرد بلسان سارد ذاتي، والفصل الأخير يسرده سارد موضوعي، وما أراد السارد الأول توكيده، وهو سرد سيرة نسوية، خيّب الساردون الثلاثة أفق التوقع فيه بتركيزهم على المشروع الهندسي الذي حلّ محل الشخصية، وغدت الرواية واقعية تقليدية. وكان بإمكان المؤلف أن يجعلها رواية سيرة، ويتخذ من هذه الشخصية المشهورة هدفاً، لا مجرد وسيلة لهدف هو في الحقيقة لم يقدم ولم يؤخر فيما نعرفه.



منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».


«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه
TT

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً للكتابة، كاشفاً عن معاناته، وتحولاته النفسية والاجتماعية داخل فضاءات مختلفة. وقد تنوعت موضوعات الرواية التونسية بين قضايا الهوية، والعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مع اعتمادها على تقنيات سردية تعكس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، كما برز الاهتمام بالشخصيات الهامشية التي تعيش حالة من الضياع، والتنقل، مما منح الرواية بعداً إنسانياً واقعياً مميزاً.

وفي هذا السياق تندرج رواية «زمن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حمودة، ذلك الشيخ الذي يجد نفسه في رحلة تيه وترحال بين أمكنة متعددة، فيعيش تجارب مختلفة تكشف هشاشة الإنسان، ووحدته في مواجهة الحياة.

تجليات التيه

يتجلى التيه في رواية «زمن حمودة الأخير» من خلال شخصية حمودة التي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فقد أصبح يتنقل بين الأمكنة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكاناً نحو آخر مدفوعاً بذاكرة متآكلة لم تعد قادرة على حفظ تفاصيل حياته، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حالة نفسية إلى تجربة وجودية يعيشها الجسد، والوعي معاً.

جاء في النص: «خرج مثل هبة الهواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصوات. ثم عبر زقاقاً طويلاً لا تذكره إلا قدماه. وكان ذلك الزقاق ينتهي عند محطة سيارات الأجرة، وهي محطة واسعة لا تفصلها عن داره غير مئات الأمتار». ص10.

كان حمودة يتحرك بلا هدف واضح، مدفوعاً بذاكرة متآكلة أفقدته القدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يسير داخل عالم غامض لا يعرف ملامحه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن.

صور الكاتب حمودة بوصفه شخصية ضائعة فقدت صلتها بالعالم، وبذاتها، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم ما يجري حولها، الأمر الذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحداً واحداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي من ذاكرته. تمنى لو عرف واحداً منهم. أعاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمه. حتى الأبدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند إليها». ص56.

وهكذا أصبح التيه جزءاً من تكوينه الداخلي، لا يقتصر على ضياعه في المكان فحسب، وإنما يمتد إلى ضياع الوعي، والهوية، والذاكرة. ومن هنا تحولت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هشاشة الإنسان حين يفقد ذاكرته، وقدرته على الإمساك بحقائق حياته.

ويظهر التيه المكاني من خلال تنقل الشخصية المستمر بين الفضاءات، إذ تبدو الأمكنة غريبة، ومشوشة، ولا تمنحه الإحساس بالأمان، والاستقرار، فالمكان في الرواية صار انعكاساً لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لذلك بدا حمودة كأنه يعيش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل.

كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعاً داخلياً بين بقايا الماضي، وضبابية الحاضر، الأمر الذي عمّق شعوره بالوحدة، والانفصال عن العالم: «مر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصم. لم يلتقط الكلمة كاملة، بل التقط منها هوية فقط. عندها ارتج شيء في صدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة بقيت له حين ضاع الاسم». ص 96.

لقد أصبح عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، واستيعاب حقيقة وضعه، الأمر الذي ولد داخله إحساساً بالعجز، والانكسار، كما بدت الشخصية مثقلة بالحيرة، والارتباك، وتتأرجح بين لحظات من التذكر الخافت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مع الواقع، وقد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعي متشتت متشظٍ، حتى غدا أسير ذاكرة تتلاشى شيئاً فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات.

البعد الإنساني

يتمثل البعد الإنساني في شخصية حمودة من خلال المعاناة العميقة التي يعيشها إثر تشظي ذاكرته، وفقدانه التدريجي لقدرته على إدراك العالم من حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنساناً هشاً يواجه قسوة المرض والعجز في صمت مؤلم. فقد تحولت حياة حمودة إلى رحلة شاقة داخل متاهة النسيان، حيث يبحث فيها عن ذاته، وعن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على استرجاعها. تكشف الرواية من خلال هذه الشخصية حجم الألم النفسي الذي يرافق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات.

يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف التي تطغى على الشخصية، إذ لم يعد حمودة قادراً على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمر الذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كذلك حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان، والاحتواء، فحمودة لم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كان يبحث بصورة غير واعية عن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية.

ومن خلال هذه التجربة قدمت الرواية صورة إنسانية مؤلمة عن الشيخوخة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجاً للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عاجزاً عن التواصل مع الآخرين، أو الحفاظ على توازنه النفسي، والاجتماعي. وقد منح الكاتب الشخصية أبعاداً إنسانية عميقة جعلتها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتعبر عن مأساة إنسانية عامة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة.

حمودة شخصية تحمل انكسارات داخلية، وأحلاماً مؤجلة، وصراعاً دائماً مع واقع يزداد قسوة. وهو يبدو إنساناً مثقلاً بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثقلت نظرته إلى العالم، فيتحرك داخل الرواية محاولاً التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه.

تتجلى رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان بوصفها نصاً إنسانياً استطاع أن يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الذاكرة، وقسوة الزمن، من خلال شخصية حمودة التي تحولت إلى صورة حية للضياع النفسي، والوجودي. فقد نجح الكاتب في تصوير معاناة الإنسان حين يفقد ارتباطه بالأمكنة، والوجوه، والذكريات، فيصبح أسير عالم مضطرب تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويتحول الماضي إلى شظايا متناثرة يعجز الوعي عن الإمساك بها. وقد أبرزت الرواية حالة التيه التي عاشتها الشخصية عبر تنقلاتها المستمرة، وبحثها الدائم عن مكان يحتويها، أو يمنحها الإحساس بالأمان، غير أن هذا البحث ظل مفتوحاً على الفراغ، والقلق، والانكسار.

كما كشفت الرواية أبعاداً إنسانية مؤثرة من خلال تصوير العزلة التي يعيشها الإنسان عندما يتآكل وعيه، وتضعف قدرته على التواصل مع العالم، فتغدو الحياة سلسلة من اللحظات المشوشة التي تفقد معناها تدريجياً. وقد استطاع الكاتب عباس سليمان أن يمنح الشخصية عمقاً نفسياً جعل القارئ يلامس حجم الألم الداخلي الذي يرافق فقدان الذاكرة، فحمودة لم يكن مجرد شخصية روائية تعاني مرضاً عضوياً، وإنما كان تجسيد إنسان أنهكه الزمن، وأفقده توازنه النفسي، والاجتماعي، والوجودي.

اعتمد الكاتب على لغة تأملية، وسرد وصفي دقيق مكنه من نقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من توتر، وحزن، وقلق، فبدت الرواية فضاء للكشف عن هشاشة الإنسان أمام التحولات القاسية التي قد تسلبه ذاكرته، وهويته، وإحساسه بالحياة. ومن هنا اكتسب النص قيمته الفنية، والفكرية، إذ تجاوز حدود الحكاية الفردية ليعبر عن معاناة إنسانية شاملة ترتبط بالخوف من الفقد، والنسيان، والوحدة.

*كاتبة جزائرية.