أميركا تتهم روسيا بتعزيز حشودها العسكرية على الحدود الأوكرانية

بايدن يتحرك لتأمين إمدادات الطاقة لأوروبا... و«البنتاغون» يضع المزيد من الجنود في حال تأهب

بايدن يتحدث مع قادة أوروبيين حول الأزمة الأوكرانية الاثنين الماضي (رويترز)
بايدن يتحدث مع قادة أوروبيين حول الأزمة الأوكرانية الاثنين الماضي (رويترز)
TT

أميركا تتهم روسيا بتعزيز حشودها العسكرية على الحدود الأوكرانية

بايدن يتحدث مع قادة أوروبيين حول الأزمة الأوكرانية الاثنين الماضي (رويترز)
بايدن يتحدث مع قادة أوروبيين حول الأزمة الأوكرانية الاثنين الماضي (رويترز)

وسط تحذيرات من وزارة الدفاع الأميركية من أن روسيا نقلت المزيد من التعزيزات العسكرية إلى الحدود القريبة مع أوكرانيا، استعدَّت إدارة الرئيس جو بايدن لنقل ملف الأزمة، الاثنين المقبل، إلى مجلس الأمن، في محاولة محمومة لضم أرفع محفل دولي لاتخاذ القرارات في شأن السلم والأمن الدوليين، إلى ترسانتها الدبلوماسية في الضغوط المتزايدة لثني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تحريك حشوده العسكرية الضخمة لغزو أوكرانيا. ونشرت روسيا قواتها قرب حدودها مع أوكرانيا، ونقلت قوات وصواريخ للدفاع الجوي إلى بيلاروسيا، كجزء من مناورة عسكرية مقررة الشهر المقبل، وأرسلت دبابات وغيرها من المعدات الثقيلة غرباً من قواعد في الشرق الأقصى. ويعتقد مسؤولون دفاعيون غربيون أن «الكرملين» أمر بما يبدو أنه استعدادات نهائية لغزو أوكرانيا، عبر إرسال وحدات طبية إلى الجبهة، والانتقال إلى مستوى جديد من الجهوزية العسكرية التي لم تُلحظ في التعزيزات السابقة. غير أن موسكو تنفي نية الغزو، مؤكدة أن لها الحق في نقل القوات ضمن أراضيها وحماية أمنها. لكنها حذرت من «إجراءات انتقامية»، إذا لم تتجاوب الولايات المتحدة والدول الغربية مع مطالبها بالأمن الإقليمي، بما في ذلك الحصول على ضمانات تكفل عدم توسع حلف شمال الأطلسي، «الناتو»، شرقاً، وعدم قبول عضوية أوكرانيا فيه، بالإضافة إلى سحب الوحدات والأسلحة الأطلسية من دول أوروبا الشرقية التي انضمت إلى الحلف العسكري الغربي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظماته الاشتراكية. ورفضت الولايات المتحدة وأعضاء آخرون في «الناتو» مطالب روسيا، عارضة اتخاذ إجراءات «متبادلة» لمعالجة الهواجس الأمنية الروسية والأوروبية والأميركية، في محاولة لتجنُّب النزاع.

- التعزيزات متواصلة
أفاد الناطق باسم «البنتاغون»، جون كيربي، بأن بلاده «تراقب التعزيزات العسكرية الروسية عن كثب»، مضيفاً أن وزير الدفاع لويد أوستن طلب وضع وحدات إضافية من القوات الأميركية «في حالة تأهب قصوى»، إضافة إلى 8500 جندي وُضِعوا في حال تأهب، لتكون أولى الوحدات الجاهزة للتوجه إلى أوروبا فور تلقيها الأوامر. وأوضح أن الوحدات الجديدة التي طلبها أوستن منتشرة في قواعد في كل أنحاء البلاد، وهي تضم قوات دعم طبي ولوجستي وقوات قتالية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة يمكنها تغيير مواقع أكثر من 60 ألف جندي أميركي يتمركزون في أوروبا. ونقلت صحيفة أميركية عن مسؤول في وزارة الدفاع أن «البنتاغون» أصبح أكثر حذراً بشأن المعلومات التي ينشرها حول القوات الأميركية في أوروبا، حيث تسعى الإدارة الأميركية للتأكيد على أن الدبلوماسية «لا تزال خياراً مطروحاً»، وهو ما أكده كيربي بقوله: «لا نزال نعتقد أن هناك وقتاً ومساحة للدبلوماسية»، مضيفاً أن التعزيزات الروسية متواصلة، بما في ذلك خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، حيث لاحظنا مزيداً من القوات القتالية نشرتها روسيا في الجزء الغربي من حدودها، وفي بيلاروسيا.

- مجلس الأمن
وبعد الجهود الدبلوماسية المكثفة التي قادتها الولايات المتحدة مع دول كل من الاتحاد الأوروبي، ومجلس التعاون في أوروبا، بمشاركة روسيا وأوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك اجتماع مجلس «الناتو» - روسيا وغيرها من الاتصالات، ضمن صيغة النورماندي بين كل من فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا، فضلاً عن الاتصالات الثنائية بين رؤساء الدول والحكومات، وعبر وزراء الخارجية والدبلوماسيين الكبار، وسيكون اجتماع مجلس الأمن فرصة نادرة للولايات المتحدة وحلفائها لمناقشة تصرفات عضو دائم آخر في المجلس، روسيا، التي تحظى بامتياز النقض (الفيتو) على الساحة العالمية، قبل يوم واحد فقط من تولي موسكو الرئاسة الدورية للمجلس، خلال فبراير (شباط) المقبل. وقالت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، في بيان إنه «جرى نشر أكثر من مائة ألف جندي روسي على الحدود الأوكرانية، وتنخرط روسيا في أعمال أخرى مزعزعة للاستقرار تستهدف أوكرانيا، مما يشكل تهديداً واضحاً للسلم والأمن الدوليين». وأكدت أنه «يجب على أعضاء مجلس الأمن فحص الحقائق بشكل مباشر، والنظر في ما هو على المحك بالنسبة لأوكرانيا وروسيا وأوروبا، والالتزامات والمبادئ الأساسية للنظام الدولي في حالة غزو روسيا لأوكرانيا».
وفيما يبدو، فإن الاجتماع جزء من جهود الولايات المتحدة لمناقشة الملف دبلوماسياً، وعزل روسيا على الساحة الدولية، كشف دبلوماسي في الأمم المتحدة أن روسيا يمكن أن تسعى إلى عرقلة الاجتماع، لكن إعلان السفيرة الأميركية يوحي بأن الولايات المتحدة تتوقع أن يدعم الطلب تسعة على الأقل من الأعضاء الـ15 في المجلس، مما يقطع الطريق على أي محاولة إجرائية من قبل روسيا لتعطيل عقد الاجتماع.
ولا يتوقع أحد أن يتبنى مجلس الأمن قراراً يقيّد روسيا، لأنها تحظى بواحد من المقاعد الخمسة للدول الدائمة العضوية التي يمكنها استخدام النقض (الفيتو) ضد أي قرار، بل إن عرض هذا الملف في المجلس له عيوب محتملة، ليس أقلها منح روسيا منصة إضافية لعرض وجهة نظرها، لجهة أن «الناتو» يهدد أمنها، علماً بأنها ستسمح أيضاً للصين بالمساهمة في جهود روسيا لعرقلة أولويات الولايات المتحدة في مجلس الأمن.

- بلينكن: النفوذ الصيني
وقبل هذا الاجتماع في نيويورك، ناقش وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قضية أوكرانيا مع نظيره الصيني، وانغ يي، الذي أكد أن «أمن دولة ما يجب ألا يكون على حساب أمن الدول الأخرى»، وفقاً لما أوردته وكالة «شينخوا» الصينية، في إشارة ضمنية الى تأييد بكين لوجهة نظر موسكو. وتعليقاً على الاتصال، لاحظ الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس أن الصين «لديها علاقة تسمح لها باستخدام نفوذها بطريقة نأمل أن تكون بناءة» فيما يتعلق بملف أوكرانيا.
ويمكن للولايات المتحدة أن تعرض قضية أوكرانيا على الدول الـ193 الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي لا تتخذ قرارات ملزمة. لكن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أنه يمكن استخدام هذا المحفل لدق ناقوس الخطر في شأن أي غزو محتمل من روسيا لأوكرانيا، قائلين إن مثل هذه الخطوة تنتهك ميثاق الأمم المتحدة.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن «أي غزو من دولة لدولة أخرى مخالف للقانون الدولي، وآمل ألا يحدث هذا بالطبع في الظروف الحالية». وأضاف: «أنا مقتنع بأن ذلك لن يحدث، وآمل بشدة أن أكون على حق».

- إمدادات الغاز
وفي موازاة الجهود الدبلوماسية والتحركات العسكرية، ظهرت بوادر خلاف بين واشنطن وكييف حول طبيعة التهديد الروسي وكيفية مواجهته. وعلى أثر اتصال بين بايدن والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كرر المسؤولون في البيت الأبيض تحذيراتهم من وقوع هجوم وشيك من روسيا، في حين عبّر المسؤولون الأوكرانيون عن تقييم مخالف تماماً.
وقال رئيس مجلس الأمن الأوكراني أوليكسي دانيلوف: «عندما يبدأون في القول إنك ستخوض حرباً غداً، فقط ضع في اعتبارك أن أول شيء لا نحتاج إليه في بلدنا هو الذعر». وأضاف: «لماذا؟ لأن الذعر أخو الفشل».
كذلك، أعلن الرئيس بايدن ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعملان سوية لمنع أي انقطاع في إمدادات الطاقة بسبب النزاع بين أوكرانيا وروسيا. وقالا في بيان مشترك وزعه البيت الأبيض: «نتعاون مع الحكومات ومشغلي السوق على توريد كميات إضافية من الغاز الطبيعي إلى أوروبا من مصادر متنوعة في كل أنحاء العالم». وأضاف أن الغاز الطبيعي المسال «يمكن أن يعزز أمن الإمدادات على المدى القصير، بينما نواصل تمكين الانتقال إلى صافي انبعاثات صفرية»، في إشارة إلى الهواجس المتعلقة بالتغير المناخي. وأكدا أنهما ملتزمان بدمج إمدادات الغاز والكهرباء الأوكرانية في أسواق الاتحاد الأوروبي حيث تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تحقيق أهداف كل منهما في الانتقال إلى الطاقة المتجددة.
وكانت إدارة بايدن أعلنت أنها تعمل عن كثب مع الدول الأخرى وشركات الطاقة من أجل «خطة طوارئ»، في حالة الغزو الروسي الذي يضر بالبنية التحتية للغاز الطبيعي. ولا تزال روسيا مصدر أكثر من 40 في المائة من الغاز الطبيعي الأوروبي، ومعظمها يتدفق عبر أوكرانيا. وعام 2021، رفعت إدارة بايدن بعض العقوبات على الكيانات الروسية المرتبطة ببناء خط أنابيب «نورد ستريم 2»، الذي كان من المقرر أن ينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا.
ومن المقرر أن يستقبل بايدن نظيره الألماني أولاف شولتز، الأسبوع المقبل، في البيت الأبيض، وسيكون هذا الملف في صدارة المناقشات بينهما.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».