التسرب المدرسي يجعل مستقبل لبنان قاتماً

آلاف الأطفال اللبنانيين والسوريين خارج المدارس

تنكب المنظمات الدولية في لبنان على ضمان تأمين حق التعلم للأطفال والحيلولة دون تسرب مزيد منهم خارج النظام التعليمي (موقع يونيسف)
تنكب المنظمات الدولية في لبنان على ضمان تأمين حق التعلم للأطفال والحيلولة دون تسرب مزيد منهم خارج النظام التعليمي (موقع يونيسف)
TT

التسرب المدرسي يجعل مستقبل لبنان قاتماً

تنكب المنظمات الدولية في لبنان على ضمان تأمين حق التعلم للأطفال والحيلولة دون تسرب مزيد منهم خارج النظام التعليمي (موقع يونيسف)
تنكب المنظمات الدولية في لبنان على ضمان تأمين حق التعلم للأطفال والحيلولة دون تسرب مزيد منهم خارج النظام التعليمي (موقع يونيسف)

يسهم التعليم، بحسب منظمة الأمم المتحدة للأطفال (يونيسف)، في العديد من أهداف التنمية المستدامة، فهو يقلل من الفقر، ويدفع النمو الاقتصادي المستدام، ويمنع عدم المساواة والظلم، ويؤدي إلى صحة أفضل؛ خصوصاً لدى الأطفال والنساء، ويساعد على حماية الكوكب. بناء على ما سبق، في مجتمعات كالمجتمعين اللبناني والسوري حيث معدلات الفقر والظلم وعدم المساواة تسلك منحىً تصاعدياً، يسلك التعليم تلقائياً مساراً انحدارياً؛ فبدل الانكباب، كما في باقي المجتمعات والدول، على تحسين التعلم، وتطوير المناهج، وتنمية المهارات، تنكب المنظمات الدولية في لبنان على ضمان تأمين حق التعلم للأطفال والحيلولة دون تسرب مزيد منهم خارج النظام التعليمي مما يهدد مستقبلهم ومستقبل هذين البلدين.

أرقام مقلقة
وبلغة الأرقام؛ فإن نصف الأطفال السوريين، بحسب «يونيسف»، خارج المدارس؛ سواء أكانوا في الداخل السوري أم في بلدان اللجوء. وبحسب ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم «مفوضية اللاجئين» في لبنان، فإن 30 في المائة من الأطفال السوريين الموجودين في لبنان لم يذهبوا إلى المدرسة مطلقاً، وانخفض الالتحاق بالمدارس الابتدائية بنسبة 21 في المائة على الأقل هذا العام وحده.
ويستضيف لبنان 660 ألف طفل سوري لاجئ في سن المدرسة، ما يعني أن 200 ألف منهم لم يذهبوا إلى المدرسة قط، علماً بأن 60 في المائة لم يسجلوا في المدارس خلال السنوات الأخيرة.
أما ما يتعلق بالأطفال اللبنانيين، فلا وجود لأرقام رسمية؛ سواء لدى وزارة التربية اللبنانية، وحتى لدى «يونيسف»، لكن الطرفين يؤكدان وجود تسرب مدرسي نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية العاصفة بالبلد.
وبحسب معلومات «الشرق الأوسط»، كان «مكتب البحوث التربوية» التابع لوزارة التربية اللبنانية قد بدأ في عام 2020 دراسة حول التسرب والرسوب المدرسي، وأنهى وضع الإطار العام للدراسة والأدوات المرافقة لها، ولكن بسبب وباء «كورونا» لم يتمكن من استكمال العمل الميداني؛ أي الدخول إلى المدارس لتعبئة الاستمارات، مما أدى لتوقف العمل بهذه الدراسة وبكل الدراسات التي كانت قيد الإنجاز في «مكتب البحوث التربوية».
وارتأى قرض البنك الدولي المخصص لتمويل برنامج دعم الأسر الأكثر فقراً بقيمة 246 مليون دولار، والذي يفترض أن يستفيد منه لبنان، بتقديم مساعدات مادية لـ87 ألف طالب في المدارس الرسمية للتصدي لظاهرة التسرب المدرسي التي حذر منها التقرير التقييمي للبنك، بحيث نبه إلى أن «الأزمات المالية والاقتصادية الحالية في لبنان، والتي تصاعدت بسبب وباء (كوفيد19)، باتت تشكل تهديداً خطيراً لاستمرار تعليم الأطفال». وشدد البنك الدولي على أن ظاهرة التسرب المدرسي ليست جديدة لبنانياً، بحيث كان معدل التسرب في العام الدراسي 2011 – 2012 «مرتفعاً للغاية بالنسبة للطلاب في الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى»، بحسبان أنه بحلول سن الـ18؛ كان 50 في المائة فقط من الطلاب الذين ينتمون لعائلات هي الأكثر فقراً لا يزالون في المدرسة. ويشير التقرير إلى أن «الوضع خطير بشكل خاص بالنسبة للبنين الذين يبدأ تسربهم من المدرسة في سن 12 و13 عاماً». ومن بين أفراد الأسر المسجلة في قاعدة بيانات «البرنامج الوطني لاستهداف الفقر (NPTP)»، لم يلتحق نحو 15 في المائة منهم بالمدارس، وذكر نحو 50 في المائة منهم أن أسباباً مالية مقنعة هي السبب الرئيسي لعدم التسجيل. وبحسب معلومات «الشرق الأوسط»، تابع وفد من البنك الدولي مؤخراً مع وزير التربية اللبناني موضوع استفادة التلامذة الأكثر فقراً من جزء من هذا القرض، وأُبلغ الوفد بأنه يجري التدقيق في الأشخاص الذين سيستفيدون من القرض، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من عائلات هؤلاء التلامذة تسجلوا على المنصة التي تتابعها وزارة الشؤون الاجتماعية للاستفادة من المساعدات المادية.
وفي تقرير لـ«يونيسف» حمل عنوان: «البقاء على قيد الحياة دون أساسيات العيش: تفاقم تأثيرات الأزمة اللبنانية على الأطفال» الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أشارت المنظمة إلى أن «كثيراً من الأسر وجدت نفسها مجبرة على اللجوء إلى آليات التكيف السلبية التي غالباً ما تعرض الأطفال للخطر. وأرسلت نحو 12 في المائة من الأسر، التي شاركت في استطلاع (اليونيسف) السريع، أطفالها إلى العمل في سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنة بنحو 9 في المائة في أبريل (نيسان)».
وتؤكد رئيسة «اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي الأساسي»، نسرين شاهين، أن «هناك كثيراً من الأطفال اللبنانيين الذين باتوا خارج المدارس في العامين الماضيين، لكن للأسف لا أرقام دقيقة»، موضحة أن هناك «من بدأوا العام الدراسي، لكنهم إما لا يداومون بشكل يومي، وإما توقفوا عن الحضور بالمطلق لارتفاع تكلفة المواصلات وعدم القدرة على التنقل سيراً على الاقدام بسبب الظروف المناخية».
وتشير شاهين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «بعدما كان جهل بعض الأهالي يدفع بهم لإخراج أطفالهم من المدارس لإعانتهم في المصاريف بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، باتوا اليوم يعبرون عن حسرتهم وغضبهم لعدم قدرتهم على إرسال أولادهم إلى المدارس»، لافتة إلى أن «الأوضاع تتطور من سيئ إلى أسوأ، فبعد النزوح من التعليم الخاص إلى الرسمي، بتنا اليوم في أزمة تسرب مدرسي تتفاقم كل عام».

وضع كارثي
وتتحدث «يونيسف» عن حلقة مفرغة تضم التعليم، وعدم المساواة، والصراع العنيف. يرتبط عدم المساواة في أبعاد عدة بزيادة احتمال نشوب صراع عنيف. بدوره؛ يرتبط الصراع العنيف بفقدان التعليم وعدم المساواة في التعليم. وهذه كلها عوامل متوفرة عندما نتحدث عن أطفال سوريا؛ سواء اللاجئون وأولئك الذين يعيشون داخل سوريا.
وتشير «المديرة الإقليمية للإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في منظمة «اليونيسف»، جولييت توما، إلى أن «ظاهرة التسرب المدرسي ظاهرة إقليمية تعاني منها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، لافتة إلى «وجود 15 مليون طفل خارج المدارس في هذه المنطقة».
أما فيما يتعلق بسوريا ولبنان، ففيما تصف الوضع التعليمي في صفوف الأطفال السوريين بـ«الكارثي» بحسبان أن نصفهم خارج المدارس، تشير إلى «احتمال أن تكون ظاهرة التسرب المدرسي بدأت بين الأطفال اللبنانيين مع تفاقم الأزمة المالية - الاقتصادية... إلا إنه لا إحصاءات تدعم هذه الترجيحات، كما لا يمكن الحديث لا شك عن تسرب هائل».
وتوضح توما في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة مرتبطة في الأساس بفقر العائلات، والنزاعات المسلحة، وجودة التعليم، والعنف المدرسي (سواء بين الأطفال، ومن قبل المدرسين)»، لافتة إلى أن «هذه الأزمة تتفاقم عادة بين اللاجئين السوريين في لبنان لأكثر من سبب؛ سواء نتيجة الفقر الذي تعاني منه العائلات فتضطر إلى أن ترسل الأطفال إلى العمل، وبسبب عدم قدرتها على دفع ثمن المواصلات. كما أن مساحة الصفوف في المدارس في لبنان غير مهيأة لتستقبل الكم الهائل من التلامذة رغم الجهود التي تبذلها السلطات اللبنانية لاستقبال أكبر عدد من الأطفال السوريين».
وتشير توما إلى أنه «بسبب طول الأزمة، خسر أطفال سوريا 10 أعوام من التعليم؛ أي بمعنى آخر خسروا مستقبلهم نتيجة خسارتهم عقداً كاملاً من التعليم، مما يجعل من الصعب جداً تعويض الدراسة، من هنا أهمية تركيز الجهود حالياً على كيفية مساعدتهم بالانخراط في سوق العمل وتهيئتهم ليصبحوا أصحاب مهن من خلال تأمين التدريب الصحيح لهم والمساعدة في الحصول على الكفاءات والمهارات».
وتوضح توما أنه «في لبنان، أثرت أزمة (كورونا) كثيراً على الوضع التعليمي؛ لأنه رغم المحاولات الجدية لـ(التعليم أونلاين)، فإن الوضع الكارثي للطاقة والإنترنت جعل هذا الأمر تحدياً كبيراً، ونحن نعتقد أنه في بعض الدول؛ من بينها لبنان، ما بين 30 في المائة؜ و40 في المائة من التلامذة غير قادرين على الاستفادة من خدمة (التعليم من بُعد) بسبب الفقر الرقمي».
وتشدد توما على وجوب «وضع التعليم أولوية رغم الأزمات والحروب، فتماماً كما أن تأمين الغذاء والاستشفاء أمر أساسي في الظروف الصعبة، كذلك يجب أن يكون تأمين التعليم والذهاب إلى المدرسة بوصفه يساهم في تعزيز الصحة النفسية للطفل؛ لأنه يؤمن له الأمان ومكاناً للترفيه»، عادّةً أن «ذلك لا يحصل فقط من خلال تأمين أموال إضافية؛ إنما من خلال زيادة عدد المدرسين وانخراط عدد أكبر من ذوي الكفاءات في المسيرة التعليمية، والتشديد على اكتساب المهارات وتهيئة الطلاب للدخول في سوق العمل؛ لأن المناهج القائمة حالياً في كثير من البلدان مسبب رئيسي للبطالة».

سياسات متشددة لتعليم السوريين
ومطلع شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، انتقدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بشدة ما قالت إنها سياسات معتمدة في لبنان تمنع أطفال اللاجئين السوريين من الوصول إلى التعليم، لافتة إلى أن وزارة التربية تشترط حصولهم على سجلات تعليمية مُصدقة، وإقامة قانونية في لبنان، وغيرها من الوثائق الرسمية التي لا يستطيع معظم السوريين الحصول عليها.
وتوضح ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم «مفوضية اللاجئين» في لبنان، لـ«الشرق الأوسط» حقيقة ما يجري، لافتة إلى أن «المدارس الرسمية الابتدائية للأطفال اللاجئين مجانية، وأنه يتوجب الإبلاغ فوراً عن أي مدرسة تطلب رسوم تسجيل». مضيفة: «هناك تكاليف مرتبطة بالتعليم، مثل الزي المدرسي والكتب والملابس الشتوية والقرطاسية، والتكلفة الأهم هي لوسائل النقل التي تشكل حاجزاً أمام اللاجئين ليكونوا قادرين على تحمل تكاليف الذهاب إلى المدرسة والإياب منها، لا سيما في وقت يعيش فيه 9 من أصل 10 لاجئين سوريين تحت الفقر المدقع».
وتشير أبو خالد إلى أن البيانات الأولية من التقرير السنوي لتقييم جوانب الضعف لدى اللاجئين السوريين في لبنان لهذا العام، أظهرت أن تكلفة المواد، وتكلفة النقل، كما الخوف من «كوفيد19»، تليها الحاجة إلى العمل، أكبر العوائق أمام التعليم ضمن الفئة العمرية من 6 أعوام إلى 14 عاماً. وتقول: «النقل يمثل بالفعل عائقاً كبيراً؛ حيث يمكن أن تصل تكلفته إلى 25 ألف ليرة لبنانية لكل طفل يومياً في مناطق معينة».
وتؤكد أبو خالد أنه «ليس هناك أي شرط للحصول على تصريح إقامة للالتحاق بالمدارس الابتدائية، وبالتالي ومن حيث المبدأ، على جميع الأطفال اللاجئين أن يتمكنوا من الالتحاق بها. ومع ذلك، هناك تقارير تفيد بأن بعض المدارس تفرض متطلبات أو مستندات إضافية، مثل تصريح إقامة جديد، وهو أمر يصعب للغاية الحصول عليه وينبغي ألا تطلبه المدارس. وعند كشفنا لمثل هذه المواقف، تستخدم المفوضية وشركاؤها آلية تقديم الشكاوى في قطاع التعليم، والتي تذهب إلى وزارة التربية والتعليم العالي، والتي يمكنها بعد ذلك أن توضح مباشرة لمدير المدرسة أن الإقامة ليست شرطاً للتسجيل الابتدائي. أما في التعليم الثانوي، فتصريح الإقامة شرط بالفعل، وتساعد المفوضية اللاجئين في معالجة الموضوع من خلال تسليم شهادة سكن في الوقت المناسب في جميع مراكز التسجيل لدينا، وكذلك من خلال تقديم المشورة القانونية». وتضيف: «بالنسبة للحالات المؤهلة التي يمكن أن تستفيد من ورقة التنازل من الأمن العام اللبناني والحصول على تصريح إقامة قانوني، فإننا ندعمهم ونرافقهم إلى مراكز الأمن العام اللبناني. غير أننا في الوقت نفسه، نواصل الدعوة إلى ألا تكون الإقامة عائقاً أمام التعليم الثانوي، كي نضمن للأطفال اللاجئين مواصلة تعليمهم والحصول على مستقبل أفضل».
وبحسب «هيومن رايتس ووتش»، ينتظر الأطفال السوريون الذين يسعون إلى حضور الصفوف العادية حتى انتهاء تسجيل الأطفال اللبنانيين ليتسجلوا في الأماكن المتاحة. وقد انخفض عدد الأماكن المتاحة بسبب انتقال 54 ألف تلميذ لبناني من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية خلال العام الدراسي 2020 – 2021 مع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد.
ويعدّ بيل فان إسفلد، المدير المشارك في «قسم حقوق الطفل» لدى «هيومن رايتس ووتش»، أنه «إذا أرادت حكومة لبنان الجديدة تدارك خسارة جيل؛ فعليها أن تتوقف عن وضع عقبات وطلب وثائق لا يمكن الحصول عليها من أطفال اللاجئين الذين يريدون الذهاب إلى المدرسة. لنكن واضحين؛ إذا لم تتخل الحكومة عن هذه السياسات، فستكون مسؤولة عن انتهاكات جسيمة للحق في التعليم».

مخاطر التسرب
وتشير الدكتورة باسكال مراد، الاختصاصية في علم النفس والاجتماع، إلى أن «الطفل خارج المدرسة مهدد بالدرجة الأولى؛ لأنه في معظم الأوقات على الطريق حيث يكون معرضاً لسوء معاملة معنوية وجسدية؛ كما في بعض الأحيان لتحرش جنسي واغتصاب، أضف أنه على الصعيد النفسي يعيش يأساً من المستقبل، خصوصاً في حالة المراهق؛ حيث يشعر أن أحلامه تنهار». وتنبه مراد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «أننا بذلك نؤسس لجيل ضائع معرض لكل أنواع الآفات؛ من المخدرات إلى العنف وجرائم السرقة والقتل، مما يجعله مهدداً وفي الوقت عينه يهدد مجتمعه».
وتعدّ مراد أن «الأخطر من كل ما سبق أن ظاهرة التسرب المدرسي تتزامن مع خلل في النظام التربوي والمدرسي في لبنان، فبعدما كنا نتميز عن دول المنطقة في نظامنا التعليمي المتطور، بتنا اليوم نشهد تراجعاً كبيراً فاقمه التعليم من بُعد الذي أدى إلى كثير من المشكلات النفسية نتيجة العزلة التي عاشها الأطفال في منازلهم بسبب (كورونا)»، مضيفة: «نحن إذن بصدد أجيال ضعيفة غير متمكنة وغير متعلمة تعيش في دولة تشهد تفككاً غير مسبوق على المستويات كافة... وهنا الخطر الكبير».



من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».


آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

عندما قرر غادي آيزنكوت التقدم إلى الجمهور الإسرائيلي طالباً الثقة لانتخابه رئيساً للحكومة، شعر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بأنه وقع في ورطة؛ فهو أمام شخصية مختلفة عن منافسيه السابقين، نفتالي بنيت ويائير لبيد وتسبي لفني وحتى شمعون بيرس وإيهود باراك.

فالمنافس الجديد، آيزنكوت، ليس فقط رئيساً لأركان الجيش ذا رصيد عسكري كبير، وإنما يتمتع أيضاً بصفات شخصية مميزة. فهو النقيض التام لنتنياهو. المحللون الإسرائيليون يعتبرونه «مستقيماً كالمسطرة»، ولهذا قام رفاقه بتسمية حزبهم الجديد «حزب يشار» (أي مستقيم). فهو إنسان خلوق، لا يشتم ولا يدير ألاعيب ولا يحارب الصحافة ولا يشارك في مؤامرات. يقال إنه مبني من طينة أخرى مختلفة عن طينة السياسيين الجدد في إسرائيل. ويشبهه البعض بإسحاق رابين.

غادي آيزنكوت يزور موقع مهرجان «نوفا» الموسيقي في رعيم، حيث تجمع مشيعون لإحياء الذكرى الثالثة لهجوم «حماس» في 7 أكتوبر

نقيض نتنياهو

ليس آيزنكوت رجل معارضة تقليدياً؛ فعندما بوغتت إسرائيل بهجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعاشت صدمة نفسية، تقدم آيزنكوت من نتنياهو، حاملاً حبل النجاة. وبدلاً من دفعه إلى الاستقالة بسبب الإخفاق الكبير، جاءه الجنرالان آيزنكوت وبيني غانتس، مساندين، وانضما إلى حكومته بعد 4 أيام من الكارثة ووضعا بين يديه خبرتهما وجرأتهما على تنفيذ حرب انتقامية.

كذلك، ليس آيزنكوت من القادة الذين يمكنك إيجاد ثغرات ومباذل في حياته، لينجح خصومه في استغلالها ضده في المعركة. فحياته متواضعة. زوجته بعيدة جداً عن الأضواء. لا يُعرف بالتبذير والجشع والطمع. ولا يقبل الهدايا.

وهو ليس من شريحة النخبة الأشكنازية، التي حكمت وما زالت تحكم إسرائيل منذ نشأتها. بل ينحدر من عائلة ذات جذور مغربية. ويعتز بذلك.

وليس هذا فحسب، بل إن آيزنكوت، أب ثاكل، قبل سنتين فقط قُتل ابنه في الحرب في غزة وقُتل أيضاً ابن شقيقه وابن شقيقته.

فكيف يدير نتنياهو معركته الانتخابية ضد شخصية كهذه؟ كيف يعاديه، وهو الذي وقف إلى جانبه وسانده في أحرج الأوقات؟

لكن هذه الأسئلة المشروعة جداً، تبدو ساذجة أمام شخصية كنتنياهو. فهو يريد أن يربح الانتخابات، بأي ثمن، ولذلك يدير معركته الانتخابية بلا رحمة، وينسف كل ما يقال في مديح آيزنكوت ويخترع له صفات وتصريحات وممارسات.

على سبيل المثال، في المسلسل الذي نشرته القناة «14» التابعة لنتنياهو، وعنوانه «آيزنكوت» ويهدف إلى تحطيم هيبة الرجل وشخصيته، يقول موطي كاستيل، المراسل السياسي: «غادي آيزنكوت هو رجل يسار، وأنا تحدثت أيضاً مع أشخاص كثيرين كانوا في الكابينت. عندما كانت هناك قرارات صعبة على الطاولة، قالوا لي: (غادي آيزنكوت، يفكر مثل اليسار ويقول رأيه). غادي آيزنكوت هو دبدوب محبوب ومدلل، ولطيف، على الأقل في مظهره وهيئته. ولا يصلح رئيس حكومة في دولة ملتهبة بالحروب».

ويضيف: «آيزنكوت ليس رجل يسار عادياً، بل هو في اليسار عميق جداً. عندما اقتربت فتاة فلسطينية تحمل مقصاً من مجموعة جنود، أمر بألا يطلقوا عليها الرصاص. وقال: إذا كانت هناك فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً، تمسك مقصاً أو سكيناً، وهناك حاجز بينها وبين الجنود، لا أقبل أن يفتح جندي النار ويفرغ مخزن ذخيرة على فتاة كهذه، حتى لو كانت تقوم بفعل خطير جداً. وعندما أطلقت حماس علينا 500 صاروخ، قال مبرراً عدم الرد بحرب: (إذا كنا، مقابل كل صاروخ يُطلق، ندخل في حرب، فسنصل إلى حرب المائة عام). هل هذا قائد؟ إنه شخص يمكن تشكيله مثل لعبة بلاي ستيشين. يمكن أن يقرروا بالنيابة عنه ماذا يقول، ويمكن أن يقرروا بالنيابة عنه ماذا يفعل. أعتقد أن إيهود باراك يقف وراءه. يراه اليوم كمن يستطيع إسقاط نتنياهو وسحب القيادة والحكومة في إسرائيل إلى المكان الأكثر يسارية، إلى المكان الأكثر ليبرالية، إلى المكان الأكثر تقدمية. نعم، لديه أسس كهذه، نعم، هو ملتزم تجاه أولئك الأشخاص».

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

موقع دفاعي

من الواضح أن حملة نتنياهو الانتخابية تعتمد على توجيه سلسلة اتهامات، ليس مهماً إن كانت صادقة أو تعتمد على الأكاذيب، ضد آيزنكوت لأن هدفه هو تقويض صورته أمام الناس. ولكن هذا تكتيك معروف في الحملات الانتخابية. فهو يريد أن ينشغل آيزنكوت في عملية دفاع عن النفس بشكل متواصل. لا يريد له أن يتنفس.

نتنياهو، الذي يشغل منصب رئيس حكومة، ومن هذا الباب يفترض أنه هو الذي يجلس في قفص الاتهام ويتعرض للنقد والهجوم، لا يترك مجالاً لآيزنكوت ويبقيه في حالة تفسير وتبرير ودفاع عن النفس. وقد نجح في ذلك. فمن يدخل إلى موقع آيزنكوت في الشبكات الاجتماعية، يجد نفسه أمام عنوان كبير: «10 أكاذيب». وفيها يدافع عن نفسه أمام مسلسل الأكاذيب الذي تضمنته حملة نتنياهو.

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق يصل إلى موقع مهرجان نوفا الموسيقي لإحياء الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر (رويترز)

وفي مضمون هذه الدعاية، يبدو واضحاً أن آيزنكوت يقع في مطب الحملة، فيحاول البرهنة على أنه هو اليمين الليبرالي الحقيقي. نتنياهو يتهمه بأنه سيقيم حكومة تستند إلى الأحزاب العربية، فيقول إنه بعد 7 أكتوبر لن يقيم حكومة مع العرب. يتهمه بأنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، فيرد آيزنكوت بأنه لم يقل في حياته ولو مرة واحدة إنه يؤيد دولة كهذه، ويشير إلى أن نتنياهو هو الذي كان قد أعلن عن تأييده لحل الدولتين. يتهمه بأنه صاحب نظرية تقليص الجيش، «جيش صغير وحكيم»، التي جعلته «جيشاً كبيراً وغبياً»، فيحاول آيزنكوت أن يثبت أنه هو الذي أغلق وحدات عسكرية مبذرة وغير ضرورية وأقام وحدة كوماندوس تعمل بعيداً وراء الحدود. ويتهمه نتنياهو بأنه صاحب نظرية تجنب الحرب على الإرهاب، فيرد بأنه هو الذي أجهض الانتفاضة الثانية، عندما كان قائداً للجيش في الضفة الغربية، وهو الذي طبع في التاريخ «سياسة الضاحية»، عندما نفذ الغارات التي دمرت الضاحية الجنوبية في بيروت سنة 2006.

ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

والمشكلة الأكبر أن آيزنكوت لا يدير معركته ضد نتنياهو الخصم، بل أيضاً في مواجهة حلفائه، نفتالي بنيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان. فالمفترض أنهم معاً، يريدون إسقاط نتنياهو، لأنه المسؤول عن أكبر إخفاق أمني واستراتيجي في تاريخ إسرائيل. لكنهم يقولون صراحة إنهم لا يثقون بقيادة آيزنكوت للمعسكر البديل، مع أنه يحصل على أعلى عدد من المقاعد في الاستطلاعات. وقد اقترح عليهم حلاً واقعياً متواضعاً يقول فيه: «تعالوا نتفق على أن من يحصل على أكبر عدد من المقاعد يصبح مرشحاً باسمنا جميعاً لرئاسة الحكومة». لكنهم رفضوا، وكل منهم يطالب بأن يتولى هو منصب رئيس الحكومة. ويمنحه الاستطلاع الأخير 22 مقعداً، مقابل 13 لبنيت ولبيد و9 مقاعد لليبرمان.

من هنا فإن آيزنكوت، الذي كان في 7 أكتوبر نائباً في المعارضة، وهبّ لنجدة الحكومة من الانهيار، وأسهم في تحويل إسرائيل من دولة مصعوقة ومصدومة إلى دولة تحارب بجنون ضد الفلسطينيين، ودفع بذلك ثمناً باهظاً بشكل شخصي؛ إذ خسر ابنه وابن أخته وابن أخيه، ويضع هو وحزبه خطة لجعل إسرائيل دولة طبيعية تنهي الحروب باتفاقيات سياسية وتحسّن مكانتها في العالم، يجد نفسه اليوم في قفص الاتهام أمام نتنياهو. وتراه يحارب لكي يتذكر الناس صفاته التي جعلته لفترة طويلة شخصية محبوبة. ويحاول أن يثبت أنه ليس «دبدوباً محبوباً ومدللاً»، وليس «شخصاً يمكن تشكيله مثل لعبة بلاي ستيشين»، بل قائد يمارس واجباً وطنياً لإنقاذ إسرائيل من نفسها. وما من شك في أنها معركة صعبة ونجاحها ليس مضموناً بالضرورة.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً


نتنياهو «المتنصّل من مسؤولياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو «المتنصّل من مسؤولياته» يقارع لعنات 7 أكتوبر

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)

لو كان بمقدور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يمحو تاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) من الروزنامة، ويشطبه من التاريخ، لما تأخر لحظة واحدة. فقد بدأ هذا التاريخ كلعنة، قلبت حياته ومفاهيم كثيرة من حوله، ومع تكرارها سنة تلو الأخرى تحول إلى مجموعة لعنات متراكمة، يحتاج إلى أعجوبة إلهية للتخلص منها.

ففي ذلك اليوم، قبل ثلاث سنوات، سقطت السماء على رأسه. عندما أيقظوه من النوم، في الساعة السادسة وأربعين دقيقة، أي بعد 11 دقيقة من انطلاق هجوم «حماس» على البلدات والمواقع العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وأخبروه بالحدث، لم يستوعب ما حصل. وعندما أطلعوه على التفاصيل الأولية، بأن «هناك عدداً كبيراً من القتلى والجرحى والمخطوفين إلى غزة»، أصيب بصدمة نفسية. وفي شهادات نشرها بن كسبيت، الكاتب في صحيفة «معاريف»، قال مقربون ممن شاهدوه عن قرب في تلك الساعات، إن «فكّ نتنياهو السفلي بدا ساحلاً، ووجهه شاحباً وكلامه قليلاً وشيء من الهوس والهذيان مسّ تصرفاته: «لماذا فعلوا ذلك؟»، تساءل وقصد بسؤاله قادة «حماس».

وحتى غادي آيزنكوت، الذي التقى نتنياهو بعد أربعة أيام من الهجوم، شهد بأنه رآه محبطاً ومذهولاً.

عضو من «مجلس أكتوبر» وهو تجمع عائلات الضحايا المطالبين بتحقيق مستقل في الفشل الحكومي يرفع صورة مركّبة لنتنياهو أمام الكنيست الإسرائيلي (رويترز)

تفرّغ لـ«محو غزّة»

عملياً، ترك نتنياهو إدارة شؤون الدولة في موضوع صد الهجوم والرد الانتقامي عليه إلى الجيش وبقية أجهزة الأمن، والمواقف التي أعلنها لدى ظهوره للإعلام كانت ترداداً ببغائياً لما كان يسمعه من هؤلاء القادة. وكشف رئيس أركان الجيش يومها، هيرتسي هليفي، عن أنه حالما همَّ بمغادرة البيت في السادسة والنصف صباحاً، سألته زوجته: إلى أين؟ فأجابها: «إلى محو غزة عن بكرة أبيها». وتحولت هذه المقولة إلى خطة عمل، ثم عقيدة عسكرية جديدة للجيش وللدولة العبرية برمتها. وراح نتنياهو يترجمها إلى لغة سياسية.

لكن ردود الفعل الأولى، كانت، بحسب تحقيق نشرته إيلانا ديان، في برنامج «عوفدا» في القناة الـ12 للتلفزيون الإسرائيلي، كانت فزعة، وبيَّنت أن همه الأول الآن التنصل من المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر. واقتبست كلام مساعده أليعيزر فلدشتاين، الذي وصف حالة نتنياهو في الأيام الأولى للهجوم بمظهر «المذعور» و«المحبط جداً»، وبدلاً من التركيز على الجانب الاستراتيجي الشامل للحدث ووضع توجيهات ملائمة، أوكل إلى فريقه الإعلامي «المهمة الأولى والمباشرة» وهي: وضع خطة فورية لكبح العاصفة الإعلامية والتهرب من المسؤولية السياسية، متسائلاً بضيق عما إذا كانت الأخبار لا تزال تتحدث عن مسؤوليته الشخصية عن الفشل.

لحظة اليقظة

يؤكد المتابعون الكثيرون لشخصية نتنياهو أن ما أيقظه من إحباطه الشخصي هو الإحباط الذي لمسه لدى فريقه والوزراء المقربين منه، فتحول إلى أسد كاسر. وليس صدفة أنه تحمس لتسمية الحربين على إيران، «شعب كالأسد» و«زئير الأسد». فهو يعتبر نفسه «سيد الأمن» في إسرائيل. وقد خاف أن يكتشف الجمهور حالة الوهن التي ألمت به وبفريقه فيطالب بإطاحته. وراح يصيح فيهم: «اخرجوا من هذه النفسية. اقرأوا ما يكتبون عنا (ويقصد - «عني») وردوا عليهم. تكتب هنا أمور فظيعة، بدلاً من اتهام الجيش والمخابرات».

ومن هنا، أصبح الخط السياسي للحكومة توجيه الاتهام للقيادات العسكرية بأنها نامت في الحراسة ولم تقم بواجبها في جمع معلومات استخبارية وإحباط «حماس» قبل أن تتمكن من الهجوم. وقد حاولت الأجهزة الأمنية الدفاع عن نفسها، فاعترفت بجزء من المسؤولية وأجرت تحقيقات داخلية وعاقبت بعض المسؤولين واستقال جميع قادة هذه الأجهزة، هليفي في الجيش، ورونين بار قائد المخابرات العامة، وديدي برنياع رئيس الموساد، وعشرات الجنرالات الآخرين.

في الشارع الإسرائيلي، توجد قناعة بأن الجيش وبقية أجهزة الأمن فعلاً يتحملون مسؤولية عن الإخفاق، لكنهم يريدون أيضاً أن يتحمل نتنياهو مسؤولية عنها. لكنه يرفض. وليس هذا فحسب، بل يرفض حتى تشكيل لجنة تحقيق رسمية بقيادة قاض للتحقيق فيما جرى. ويصر على أنه «القائد الملهم، الذي حبا الله شعب إسرائيل به في الوقت المناسب»، كما قالت زوجته في عدة لقاءات إعلامية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة في إحياء ذكرى ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس (أ.ب)

سبات عميق

اليوم، يرى نتنياهو أن الانتخابات العامة المقررة ليوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مصيرية ليس للشعب في إسرائيل كما يقولون في الحلبة السياسية والإعلام، بل له شخصياً. والسابع من أكتوبر هو العنوان. فعلى الرغم من كل محاولاته لتجاوزه، يصر خصومه الكثيرون، في السياسة والإعلام والأكاديميا والدولة العميقة على تذكير الجمهور بهذا التاريخ.

وقد رضخ لإرادتهم وراح يتعامل مع اتهاماتهم. فيقول: «لو أيقظوني قبل نصف ساعة لكانت النتيجة مختلفة». ويكتب بن كسبيت عن ذلك في 8 من سبتمبر (أيلول) 2026: «اليوم، بعد ثلاث سنوات يتجرأ على أن يقول: (لو كانوا أيقظوني لبدا هذا مختلفاً تماماً). لكن واقعياً، يمكن القول إنهم لو كانوا أيقظوه فعلاً في تلك الليلة، لما حصل شيء. ولا أي شيء».

ليس صعباً الوصول إلى هذا الاستنتاج. لشدة الأسف، ما كان أحد ليوقظه في الليل ويقول له إن «حماس» تعتزم بدء هجوم غير مسبوق على الجنوب، وأن 6 آلاف مخرب سيجتازون العائق ويحتلون بلدات وقواعد. لكنهم، للأسف، لم يعرفوا ذلك. كان فشلاً استخبارياً وعملياتياً غير مسبوق. كل المسؤولين عنه أخذوا المسؤولية على أنفسهم واستقالوا.

وهم في الحقيقة حاولوا إيقاظه على مدى أسابيع وأشهر. من لم يحذره؟ رئيس الأركان حاول أن يحذره، لكنه لم يرغب في أن يسمع. رئيس شعبة الاستخبارات «أمان» بعث له بثلاث رسائل وهو لم يرغب في أن يقرأها («توجد في هذا مبالغة»، قال لينون مغيل). أفيغدور ليبرمان حذره، يائير لبيد حذره. وزير دفاعه، يوآف غالانت حاول أن يوقظه. غادي آيزنكوت بعث له بكتاب، وقال إن الوضع أخطر مما كان عشية حرب يوم الغفران. لم يجدِ أي شيء نفعاً. الآن هو يشكو من أنهم لم يوقظوه في ذلك الصباح. لا يوجد جرس إنذار لم يُفعّل. أما هو فلم يرغب في أن يستيقظ.

مزارع فلسطيني يقف في كرم زيتون يملكه فلسطينيون في بلدة الرنتس قرب رام الله وبدت خلفه لافتات انتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

عثرة «انتخابات مصيرية»

يؤمن نتنياهو بأنه سيقنع الناخبين بوجهة نظره ويفوز في الانتخابات. يقول لنفسه ولفريقه: «يجب أن أفوز في الانتخابات. لا ينفع ألا أفوز. لا يجوز. هذا خطير جداً». ويقصد بأن خسارته في الانتخابات سيكون مردودها الأول إقامة لجنة تحقيق رسمية. وهو أكثر من غيره ومن المحققين يعرف بأن تحقيقاً نزيهاً سيكشف عن أنه متورط حتى النخاع في الإخفاق. فهو الذي فرض على أجهزة الأمن قبول منح ملايين الدولارات بالحقائب إلى حركة «حماس»، وهو الذي كان يقول إن «(حماس) تعتبر كنزاً. بواسطتها وبإبقائها قوية نمنع إقامة دولة فلسطينية»، لا بل إنه أقنع أشد المتطرفين في حكومته بهذه النظرية، الوزير بتسلئيل سموتريتش.

فإذا سقط عن الحكم فستكون أمامه محاكمة الفساد الجارية حالياً، ومحاكمة فساد أخرى تتعلق بالغواصات على الطريق، وربما تضاف محاكمة ثالثة عن دوره في إخفاقات 7 أكتوبر، ويكون مصيره السجن. لذلك. سيعمل نتنياهو كل شيء في سبيل منع هذا الخطر، حتى لو كان ذلك حرباً تؤجل الانتخابات.