الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين

في ظل منافسات كبيرة على النفوذ بين الدول الكبرى

الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين
TT

الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين

الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين

بعد سنوات من الإهمال وعدم الاهتمام، تحتضن الهند بحرارة اجتماعاً يضم خمس دول في آسيا الوسطى. وبعد أن عقدت سلسلة من المحادثات رفيعة المستوى معهم منذ استيلاء حركة «طالبان» على أفغانستان، وفي إطار تحركات الهند الدبلوماسية، وجّهت نيودلهي الدعوة إلى قادة دول آسيا الوسطى الخمس – طاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان وقيرغيزستان - للمشاركة في احتفالات يوم الجمهورية المصادف الأربعاء المقبل 26 يناير (كانون الثاني).
تعد هذه المرة الأولى التي يشارك فيها ممثلون عن جميع دول آسيا الوسطى ضيوفاً في هذه المناسبة، والمرة الثانية التي يجري خلالها توجيه الدعوة إلى العديد من الدول معاً بعد عام 2018 عندما جرى توجيه الدعوة إلى دول مجموعة «آسيان».
وإذا ما سمحت الظروف في ظل جائحة فيروس «كوفيد - 19»، من المقرر مشاركة كل من رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، ورئيس أوزبكستان، شوكت ميرزيوييف، ورئيس طاجكستان، إمام علي رحمون، ورئيس تركمانستان، قربانقولي بيردي محمدوف، ورئيس قيرغيزستان، صدير جاباروف، في الاحتفال الهندي باعتبارهم من بين كبار الضيوف المدعوين في يوم الجمهورية. ومن المقرر أن يشهد الاحتفال كذلك أول قمة بين الهند ودول آسيا الوسطى في إطار احتفال الجانبين بالذكرى الثلاثين لتدشين العلاقات الدبلوماسية بينهم.
ويرى البعض، أن هذه الخطوة جاءت في الوقت المناسب، وتسعى من خلالها الهند إلى نفض غبار سنوات من الإهمال واللامبالاة، وتطمح إلى العودة إلى مقدمة مراكز الوعي في آسيا الوسطى. والملاحظ، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، كثّفت الهند تعاونها واتصالاتها مع دول آسيا الوسطى، لا سيما منذ استيلاء «طالبان» على مقاليد السلطة في أفغانستان، وهو ما حوّل منطقة آسيا الوسطى إلى ساحة جيوسياسية تتكشف فيها منافسات كبيرة على النفوذ. في هذا الإطار، تعدّ روسيا لاعباً مهماً، في الوقت الذي يبدو النفوذ الصيني راسخاً بقوة من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، بينما تنافس الولايات المتحدة، التي انسحبت من أفغانستان، بقوة لإيجاد مساحة لها.
من ناحيتها، تدرك الهند جيداً أن الاستفادة من النفوذ في كابل وحصاد هذا التأثير في شكل مكاسب مادية، يستلزم وجود قاعدة ثابتة لها في آسيا الوسطى، وهو أمر يعد بمثابة شرط أساسي في هذا الصدد، حسبما ذكرت الكاتبة سيما جوها.
جدير بالذكر هنا، أن الهند سبق لها عقد حوارين وحافظت على قنوات اتصال منتظمة مع دول آسيا الوسطى من خلال منتديات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في الهند. ورغم ذلك ما زال دور الهند ضعيفاً على مستوى المنطقة، مقارنة بروسيا والصين وتركيا وإيران وغيرها.
- الحوار بين الهند ودول وسط آسيا
في وقت سابق من ديسمبر (كانون الأول) 2021، عُقدت النسخة الثالثة من اجتماع لحوار الهند وآسيا الوسطى في دلهي. وخلال الاجتماع، التقى وزير الشؤون الخارجية الهندي د. إس. جايشانكار نظراءه الخمسة من دول وسط آسيا. وركزت المحادثات على الوضع في أفغانستان، وأزمة جائحة «كوفيد ـ 19»، وأهمية التواصل بين الدول المشاركة. بجانب ذلك، التقى وزراء الخارجية الخمسة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي سبقت له زيارة جميع دول آسيا الوسطى عام 2015 ووصفها بأنها تشكل الجوار الممتد للهند، وهنأ الدول التي زارها بمناسبة مرور 30 عاماً على إقامة علاقات دبلوماسية بينها وبين بلاده. أما جايشانكار، فقد زار دول آسيا الوسطى ثلاث مرات منذ اندلاع الأزمة الأخيرة في أفغانستان.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن أول حوار بين الهند ودول وسط آسيا عُقد في مدينة سمرقند التاريخية بأوزبكستان، في يناير 2019. وعكس هذا الحدث رغبةً من جانب جميع دول وسط آسيا لتعزيز اتصالاتهم مع الهند. وبالفعل، بدأت العديد من المبادرات المقدمة خلال القمة الأولى، التي استضافتها سمرقند، تؤتي ثمارها، بما في ذلك تشكيل مجلس أعمال الهند وآسيا الوسطى.
كما قدمت الهند خط ائتمان بقيمة مليار دولار وجّهته لمشروعات التنمية ذات الأولوية في مجالات الطاقة، والرعاية الصحية، والاتصال، وتكنولوجيا المعلومات، والزراعة، والتعليم، وما إلى ذلك. ومهّد الحوار الثالث الطريق لتكثيف العلاقات الثنائية بين الهند من ناحية وكل من دول آسيا الوسطى من ناحية أخرى.
من جهتهم، أعلن وزراء الخارجية في بيان مشترك، أنهم ناقشوا «الوضع الحالي في أفغانستان وتأثيره على المنطقة». وشدد البيان على الدعم القوي لأفغانستان كي تنعم بالسلام والأمن والاستقرار، مع التأكيد على احترام سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وكذلك إعادة التأكيد على أهمية قرار مجلس الأمن رقم 2593 (2021)، الذي «يطالب بشكل قاطع بعدم استخدام الأراضي الأفغانية لإيواء (الجماعات) الإرهابية أو تدريبها أو التخطيط لها أو تمويلها»، ودعا إلى اتخاذ إجراءات متضافرة ضد جميع الجماعات الإرهابية.
وفي سياق متصل، شارك مستشارو الأمن القومي من كازاخستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان وتركمانستان في الاجتماع الإقليمي الذي استضافته الهند في نوفمبر (تشرين الثاني) حول الوضع في أفغانستان، وذلك بمشاركة ممثلين عن وكالات الأمن الوطني في روسيا وإيران. وفي اليوم ذاته، استضافت إسلام آباد مبعوثين من الولايات المتحدة والصين وروسيا لمناقشة الوضع في أفغانستان.
وعن ذلك، قال الكاتب سارانش ميشرا «موقع آسيا الوسطى في قلب أوراسيا، وقربها الجغرافي وروابطها التاريخية يجعل المنطقة ذات صلة وثيقة بمصالح الهند الاستراتيجية. والمعروف أن السياسة الخارجية للهند كانت مركّزة بشكل أكبر حول القوى الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة، وركزت على التعامل مع التحديات الناشئة عن الصين وباكستان. وعليه، تعرضت منطقة آسيا الوسطى للتهميش. وما زالت الطريق طويلة أمامنا بالتأكيد قبل أن يجري تصنيف الهند كواحدة من العناصر الفاعلة في آسيا الوسطى. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن الهند تسير اليوم على المسار الصحيح، ومن شأن استغلال مثل هذه التفاعلات الدبلوماسية المتكررة ببراعة أن يمكن من بزوغ فجر جديد في تاريخ العلاقات بين الهند وآسيا الوسطى».
- الورقة البيضاء بين الهند وروسيا حول آسيا الوسطى
لا تخلو الجهود الحثيثة الحالية من جانب الهند من بعض المباركة الروسية، كما يقول مسؤولون في نيودلهي. ويأمل الهنود بأن تعمل روسيا معهم لكبح جماح وجود بكين غير الضروري في منطقة آسيا الوسطى، خاصة بعدما وضعت الصين عينيها على المنطقة الغنية بالطاقة، والتي تقع كذلك على الحدود مع أفغانستان.
وتبدو روسيا، كما تقول مصادر في نيودلهي، «أكثر من حريصة» على العمل مع الهند في منطقة آسيا الوسطى الغنية بالطاقة وذات الأهمية الاستراتيجية.
وكشفت مصادر رفيعة المستوى، عن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى دلهي سمع من القيادة الهندية أنها تشعر بالقلق حيال تنامي نفوذ الصين. ويُعتقد أن الجانب الهندي حاول إقناع الروس بوجهة نظرهم في خصوص «السياسات العدوانية» التي تنهجها بكين.
اللافت، أن الهند وروسيا تبادلتا الأفكار حول زيادة المشاركة الثنائية واستكشاف مشروعات مشتركة في آسيا الوسطى وهي منطقة وصفها رئيس الوزراء ناريندرا مودي بأنها جزء من الجوار الممتد للهند.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدول الخمس كانت في وقت مضى جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وما زال لروسيا تأثير كبير عليها حتى اليوم.
وكشفت مصادر، عن أن الورقة البيضاء الموقّعة بين الهند وروسيا تتناول مشروعات دفاعية مشتركة في آسيا الوسطى (كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان وأوزبكستان) من خلال مصانع الدفاع القائمة بالفعل التي تعود إلى الحقبة السوفياتية في بعض جمهوريات المنطقة، في وقت تسعى الهند إلى أن تكون دولة مصدّرة بمجال الصناعات الدفاعية. يذكر، أن دول آسيا الوسطى ما زالت تعتمد على المعدات الدفاعية روسية الصنع.
وتحتوي الورقة البيضاء، وهي وثيقة غير رسمية، كذلك على اقتراحات بشأن الإنتاج الدفاعي الهندي ـ الروسي المشترك في بعض جمهوريات آسيا الوسطى لتلبية الطلب المحلي، بالإضافة إلى طلب الهند. ويأتي توقيع هذه الورقة في الوقت الذي دعت روسيا لتعزيز المشاركة الهندية في الشرق الأقصى، خاصة فيما يتعلق بالقوى العاملة الهندية.
في هذا الإطار، قال بي ستوبدان، الخبير في شؤون آسيا الوسطى وسفير الهند السابق لدى قيرغيزستان «إنه إنجاز دبلوماسي كبير للهند أن تبدي روسيا، التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع الصين في الوقت الحالي، استعدادها للعمل مع الهند لمواجهة الصين. وبمجرد أن تبدأ روسيا والهند مشاركة أكثر فاعلية في الدفاع والأنشطة البناءة الأخرى، ناهيك عن التدريبات العسكرية في دول آسيا الوسطى، سيأتي ذلك بمثابة انتكاسة كبيرة لطموح الصين الكبير لتعزيز وجودها في المنطقة. ومع تنفيذ روسيا مشروعات تنموية في أقصى شرقها، كان شريكها المفضل في هذه الجهود الهند، وليس الصين المجاورة. جدير بالذكر، أن هذه المنطقة الروسية تقع على الحدود مع الصين وتتميز بوفرة الموارد».
وأضاف «ثمة خطط جارية لربط فلاديفوستوك مع تشيناي، وهي نتاج رئيسي لزيارة رئيس الوزراء مودي عام 2018 للمدينة لحضور القمة السنوية بين الهند وروسيا. علاوة على ذلك، فإن قرار دلهي بدعوة قادة آسيا للقدوم إليها لا ينبغي مطلقاً النظر إليه باعتباره حدثاً قائماً بذاته. كانت هناك مؤشرات عابرة عن انتهاج خط جديد في التفكير خلال زيارة الرئيس فلاديمير بوتين الأخيرة إلى دلهي. الواضح أن محادثات بوتين الفردية مع مودي بعثت الحياة في التفكير الجديد بشأن الأمن الإقليمي. من جانبه، يدرك بوتين أن الصينيين كانوا يسيطرون على هذا الفضاء منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، واللافت أنه لا ينفر من التعامل مع قوة ثالثة، مثل الهند، التي تسعى لاستعادة النفوذ. في الواقع، ربما يكون من مصلحة بوتين تقليص قوة الصين داخل المنطقة».
- الهند وآسيا الوسطى: العلاقات والتحديات
تشترك الهند وآسيا الوسطى في تاريخ طويل يمتد إلى 2500 عام. على الصعيد السياسي، يتضمن هذا التاريخ إمبراطورية كوشان، التي امتدت عبر أراضي آسيا الوسطى والهند الحديثة، وغزو المغول للهند أوائل القرن السادس عشر. من الناحية الاقتصادية، اضطلعت مدن آسيا الوسطى الكبرى ـ مثل فرغانة وسمرقند وبخارى - بدور بارز في طريق الحرير الذي يربط الهند بالصين وأوروبا، علاوة على دور التجار الهنود المقيمين في المنطقة الذين شكّلوا جزءاً لا يتجزأ من الاقتصادات المحلية. وعلاوة على الروابط الاقتصادية القوية، ازدهر التبادل الثقافي بين المنطقتين، وتضمن ذلك انتشار البوذية من الهند إلى آسيا الوسطى وما وراءها، والصوفية من آسيا الوسطى إلى داخل الهند.
ومع انحسار طريق الحرير، وبزوغ فجر «عصر الكشوفات الجغرافية» الأوروبي وكذلك توسع الإمبراطوريتين الروسية والصينية في آسيا الوسطى، تلاشت المنطقة من مخيلة الهند الاستراتيجية. وبعد استقلال الهند، أصبحت العلاقات الهندية السوفياتية قوية وزار القادة الهنود منطقة آسيا الوسطى، في وقت كانت المنطقة لا تزال جزءاً من الاتحاد السوفياتي.
وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي وقيام جمهوريات مستقلة في آسيا الوسطى، حاولت الهند جاهدة التواصل مع الجمهوريات السوفياتية السابقة، لكن الاتصال كان ولا يزال يمثل مشكلة رئيسية. وفي الوقت الذي كانت أفغانستان تكابد حرباً أهلية، ترحب باكستان باستخدام الهند أراضيها للتجارة مع آسيا الوسطى. أما الصين، فقد استفادت من الموقف وكشفت عن مبادرة الحزام والطريق التي حظيت باهتمام كبير. اليوم، تدفع الهند دول آسيا الوسطى للاستفادة من ميناء تشابهار في إيران، مع شبكة تربطها بأفغانستان من أجل تسيير التجارة مع آسيا الوسطى.
من جهته، أعرب المحلل البارز فيفيك كاتجو عن اعتقاده بأنه «في الوقت ذاته، سعت جمهوريات آسيا الوسطى إلى تطوير علاقاتها مع بقية العالم. وتبدو هذه الدول حريصة على كسر القيود التي تفرضها الجغرافيا عليها، خاصة أن جميع البلدان الخمس غير ساحلية، وبالتالي فهي غير قادرة على تحقيق كامل إمكاناتها الاقتصادية والتجارية. وفي إطار جهودها للتواصل مع العالم، تحرص دول آسيا الوسطى على تطوير علاقاتها مع الهند، التي تعدّها لاعباً رئيسياً. وقبلت هذه الدول بنيودلهي في اتفاقية عشق آباد، والتي سمحت للهند بالوصول إلى شبكات الاتصال لتسهيل التجارة والتفاعلات التجارية مع كل من آسيا الوسطى وأوراسيا، وكذلك الوصول إلى الموارد الطبيعية في المنطقة». وأضاف موضحاً، أنه «على الرغم من أن الصين لديها أكبر حضور إقليمي في آسيا الوسطى، والذي يبدو الوصول لمستواه أمراً بعيد المنال أمام الهند في المستقبل القريب، تبدي دول آسيا الوسطى اهتمامها بتنويع روابطها الاقتصادية بحيث لا يصبح باستطاعة بلد واحد الهيمنة على المنطقة. بجانب ذلك، فإن المشاعر المعادية المتنامية تجاه الصين داخل المنطقة والتهديدات الأمنية من طالبان تسمح لنيودلهي ودول آسيا الوسطى بإعادة النظر في مستوى التعاون بينهما. ويمكن للهند كذلك أن تتطلع إلى استغلال صداقتها التي أثبتت جدواها مع روسيا، وهي واحدة من أكثر الدول نفوذا في المنطقة، لإحراز تقدم على هذه الجبهة. ولا ينبغي للهند أن تضيع أي وقت في إعادة ضبط ارتباطاتها الإقليمية».
- إضاءة على العلاقات الاقتصادية
> لطالما نظرت بلدان آسيا الوسطى إلى الهند لفترة طويلة باعتبارها من أصحاب المصلحة الشرعيين في المنطقة، وسط حسن نيتها السياسية الهائلة بالنظر إلى تراث صداقتها مع الاتحاد السوفياتي السابق. ورغم ذلك، أخفقت الهند في إحراز تقدم تجاري على صعيد علاقاتها مع دول المنطقة.
يذكر، أن حجم التجارة بين الهند وآسيا الوسطى يبلغ مليارَي دولار أميركي مقارنة بالتجارة الصينية مع دول المنطقة، والتي تبلغ نحو 100 مليار دولار أميركي. وتبدو هذه الأرقام غير مُرضية على نحو أكبر عندما تقترن باعتماد الهند الكبير للغاية على استيراد الطاقة، في وقت تتمتع دول آسيا الوسطى بوفرة الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم وما إلى ذلك. ويمكن أن يُضاف لذلك التجارة في الطاقة والأدوية والمواد الكيميائية ومعدات الدفاع والمنتجات الزراعية، وما إلى ذلك، والتي لا يزال حجمها ما بين الهند ودول المنطقة غير مرضي.
ومع ذلك، ورغم التحديات القائمة، جرى إحراز تقدم طفيف فيما يتعلق بتأمين المصالح الهندية في مجال الطاقة، في الوقت الذي حرصت دلهي كذلك على توسيع التعاون النووي المدني مع المنطقة. وربما توفر كازاخستان وأوزبكستان للهند المزيد من اليورانيوم من أجل محطات الطاقة النووية. ومن المرجح أن يجري اتخاذ قرار رسمي في هذا الصدد من قِبل قيادات دول آسيا الوسطى.
وربما يجري اتخاذ القرار بشأن تعزيز إمدادات اليورانيوم إلى الهند عندما يزور رؤساء جمهوريات آسيا الوسطى الخمس، الهند للمشاركة في احتفالات يوم الجمهورية. وبرزت هذه القضية خلال حوار آسيا الوسطى. يذكر أن طاجيكستان وأوزبكستان تمتلكان احتياطيات ضخمة من اليورانيوم، وتعد الأولى أكبر منتج لليورانيوم في العالم. وبالفعل، تستورد الهند هذه المواد منهم، لكن المصانع الهندية تعاني في الوقت الراهن من نقص اليورانيوم.
من ناحيته، قال وزير الدولة لشؤون الفضاء والطاقة الذرية، د. جيتندرا سينغ، أمام البرلمان قبل وقت قريب «إن الإنتاج السنوي الحالي لليورانيوم في البلاد لا يكفي تلبية متطلبات الوقود السنوية لجميع محطات الطاقة النووية العاملة باليورانيوم». وأوضح، أن البلاد تستورد اليورانيوم من دول مختلفة، مثل كندا، وكازاخستان، وأوزبكستان، وروسيا.
من ناحية أخرى، ومن أجل تسهيل نقل البضائع بين الهند وآسيا الوسطى عبر إيران، انضمت الهند إلى الاتفاقية الجمركية للنقل الدولي للبضائع عام 2017 وانضمت إلى اتفاقية عشق آباد، التي تشمل إيران وعُمان وتركمانستان وأوزبكستان، عام 2018. والمؤكد، أن تعزيز إمكانية الوصول إلى أسواق الهند الضخمة سيعود بالنفع الوفير على دول آسيا الوسطى التي تبحث باستمرار عن تعزيز اقتصاداتها المتعثرة.
ويرى البعض، أنه في حين أعطت مثل هذه الخطوات فرصة جديدة للحياة لرؤية الهند للتواصل الأوروبي الآسيوي، يجب على نيودلهي الجمع بين الدبلوماسية الماهرة والعمل على أرض الواقع لضمان استمرارية هذه المشروعات في المنطقة لتجنب تراجع نفوذها ومكانتها داخل الإطار السياسي الأوروبي - الآسيوي. الآن، الأمر متروك لرئيس الوزراء مودي لإدارة إعادة التوازن في آسيا الوسطى من خلال الدبلوماسية والتعاون، بدلاً من التنافس.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.