السرد النسوي «غير الطبيعي» في روايات أنجيلا كارتر

كاثرين روماجنولو تقرأ أعمالها بشكل مغاير

أنجيلا كارتر
أنجيلا كارتر
TT

السرد النسوي «غير الطبيعي» في روايات أنجيلا كارتر

أنجيلا كارتر
أنجيلا كارتر

اهتمت الناقدة كاثرين روماجنولو بدراسة السرد النسوي غير الطبيعي في رواية «ليالي السيرك» «Nights at the Circus1984» لأنجيلا كارتر وذلك في بحثها المعنون «اتصالات غير طبيعية: التجريب النسوي غير الطبيعي في رواية ليالي السيرك» المنشور في كتاب «السرد غير الطبيعي: الامتدادات والمراجعات والتحديات» تحرير جان ألبر وبراين ريتشاردسون، والصادر عن جامعة ولاية أوهايو عام 2020. وروماجنولو باحثة وأستاذة في جامعة وادي لبنان الخاصة في بنسلفانيا في أميركا، ولها كتاب نقدي هو «أفعال افتتاحية: البواكير السردية في قصص القرن العشرين النسوية» 2015. ولأن في رواية «ليالي السيرك» خرقاً لمواضعات السرد الواقعي وتعطيلاً لدور المحاكاة الأرسطية في صنع الحبكة القصصية، تناولت روماجنولو خصائص ما فيها من سرد نسوي قاسٍ ومختلف كانت قد عُرفت به الروائية أنجيلا كارتر التي تعد واحدة من الروائيات ما بعد الحداثيات، كونها حولت واقعية ماركيز السحرية وأدب دي ساد العنيف إلى واقعية أنثوية سحرية، تجسدت واضحة على يد بطلة الرواية «فيفير Fevver» المرأة المجنحة التي امتلكت جناحين طويلين يمتدان على طول ظهرها وهما اللذان جعلاها لاعبة محترفة داخل سيرك هو المعادل الموضوعي للعالم الكبير الذي نعيشه.
ودراسة كاثرين روماجنولو للنسوية غير الطبيعية في هذه الرواية إنما تأتي في سياق ما أخذ يحظى به علم السرد غير الطبيعي من اهتمام بعض النقاد في العالم، بحثاً عن نظرية لنموذج إنتاجي جديد يوظّف في السرد أساليب مضادة للواقعية وبسمات تتجاوز الصور السحرية والغرائبية والفانتازية بالعموم، وتدخل في إطار الاستحالة واللامعقول، عبر إنشاء مواضعات تخرق كل ما هو معتاد في الفعل السردي وتعطله بنماذج جديدة من الساردين والشخصيات والأزمنة والأمكنة والأوصاف والمنظورات مع تجريب آليات قراءة جديدة واستراتيجيات تلقٍّ مبتكرة. وليس السرد غير الطبيعي في حقيقة الأمر سوى عودة بالسرد الواقعي إلى الخيالية التي عرفتها الحكايات الخرافية والملاحم وقصص العصور الوسطى حتى روايات القرن الثامن عشر التي بدأت تتخلص تدريجياً من جموح الخيال متسمةً بواقعية كلاسيكية على وفق مواضعات المحاكاة الأرسطية واستمرت من بعدها على هذا التوجه روايات القرن التاسع عشر وبعض روايات القرن العشرين. وما يفعله السرد غير الطبيعي أنه يمارس خرقاً كتابياً للفهم المعتاد للواقعية مستعيضاً عن المحاكاة بما هو غير معقول أو لا ممكن وبطرائق مرنة إما كممارسات وتجارب وإما ككائنات غير واقعية. وما يُراد من وراء التمثيل السردي لعوالمها المستحيلة هو أن تبدو منطقية ومتوافقة مع ما هو واقعي.
وعلى الرغم من أن التنظيرات التي وضعها منظّرو علم السرد غير الطبيعي ليست مختلفة كثيراً عن السرد الطبيعي فهي مبنية أو مستوحاة من دراسات منظرين شكلانيين وبنيويين مثل شكلوفسكي وباختين وجينيت... فإن هناك بعض التوجهات التي تبدو ثقافية أكثر منها نقدية، ومنها دراسة كاثرين روماجنولو آنفة الذكر، وفيها أوْلت السرد النسوي اهتماماً، متتبعةً الطبيعة الأدائية للسرد النسوي في «ليالي السيرك» وأخلاقية وجهات النظر الآيديولوجية فيها والطريقة التي بها اختلفت المؤلفة أنجيلا كارتر عن كاتبات عُرفن بأنهن روائيات نسويات مثل الأميركية توني موريسون والكندية مارغريت أتوود والصينية ماكسين هونغ كينغستون.
وأساس اختلاف كارتر عنهن أنها خرقت استراتيجيات السرد التقليدية وانزاحت عن البنى المهيمنة في صناعة الذات النسوية وتوجهت بدل ذلك إلى تجسيد العلاقة الإشكالية بين النسوية والمواقف الفلسفية ما بعد الحداثية أو ما سمّته روماجنولو «التقارب الاختياري بين النسوية وما بعد الحداثة» (الكتاب، ص 13) وهو ما يجعل النسوية في موضع التساؤل حول القيم التي تنادي بها الحركة النسوية بعمومها. وأشارت الناقدة إلى آراء بعض منظّرات ما بعد الحداثة، ومنهن ليندا هيتشون التي ذهبت إلى أن النموذج النقدي لنسويات ما بعد الحداثة نموذج عابر ومتقاطع يفكك ويتحدى السائد من الخطابات الذكورية من خلال التركيز على الوعي الذاتي وتوظيف المحاكاة الساخرة.
وما سعت إليه روماجنولو هو الانعطاف بالنظرية السردية نحو نسوية غير طبيعية من خلال التركيز على استراتيجيات التجريب السردي في التحايل على الهيمنة الذكورية مما كان قد حددها وتحدّث عنها منظّرو السرد غير الطبيعي مثل جان ألبير وهنريك سكوف نيلسون وبراين ريتشاردسون وستيفان إيفرسون.
وليست اللاطبيعية في النسوية سوى التحوّل الخيالي المخيف والمنتهك لحدود الواقعية التقليدية وما عرفته النظريات السردية حول أعراف السرد النسوي التاريخية التي تقوم على تقويض آيديولوجيات الهيمنة الذكورية بينما يعمل السرد النسوي غير الطبيعي على تخريب تلك الأعراف التاريخية آيديولوجياً باستعمال لغة تعطِّل ما هو عقلي بما هو جنوني، مستبعدةً المنطق ومتعمدةً أن تزعزع أفق التوقع بطرق مستحيلة. فتغدو جدلية الطبيعة - الثقافة هي نفسها جدلية الخيال- الآيديولوجيا. وهو ما عكسته رواية «ليالي السيرك» التي وظّفت الجندر بشكل لا يمكن إنكاره أو تجاهله مع أنه تخريبي وقمعي يُخضع النسوية ويقهرها ويشيئها.
وهذا هو مَوطن الاستفزاز في تجريب السرد النسوي غير الطبيعي لأن عواقبه تربك المنظور النسوي المعتاد أو الطبيعي -كما تسميه مونيكا فلودرنك- وما يترتب على ذلك من آثار تفسيرية ومنها مفهوم «التجنس naturalization» كنمط سردي يخالف الأنثوية وما فيها من أسطورية ورومانسية. وهو ما تجسد في البطلة التي ما عاد عالمها يحفل بـ«جمال نائم» ينتظر أن ينقذه أمير، ولا أميرة تشعر بأنها في خطر وأن هناك «شاباً سيأتي وينقذها» إلى آخره من الصور المعتادة التي غادرها هذا السرد غير الطبيعي، بل الصيغة التي وفقها تتحرك الساردة - البطلة هي السخرية من استراتيجيات النسوية السردية والميتاسردية والتقاطع مع أساليبها الواقعية في التعامل مع التحيز الذكوري عبر استعمال التقانات الفنية بطريقة غير معقولة تجعل الصوت الأنثوي مستحيلاً جسدياً ومكانياً وزمنياً. وتصبح البطلة (Fevver) -التي كانت في صباها تنمو بطبيعية- تلك المرأة الطائرة الشقراء الصاخبة التي تسرد قصتها بضمير المتكلم وقد نما لها جناحان فجأة وبهما أتقنت الرقص على حبال السيرك باحتراف من دون اكتراث جسدي ولا استغراب ذهني، مستحضرةً أسطورة كوبيد، متحولةً أنثى قوية بينما هي تتحدث بجدارة ذكورية كأنها مخوّلة من هذه الأخيرة لأن تمارس سلطتها.
وهذا بالطبع مستحيل، وهو مختلق ووهمي، بيد أن بطلة الرواية تمارسه بصوتها وجسدها في شكل تمثيل ذكوري لذاتٍ هي أنثى وبوجهة نظر نسوية متحيزة جنسياً للمرأة مستعملة للتعبير عن ذاتها أوصافاً شعرية مثل «فرس رقيق أكثر من ملاك» مزيحةً بذلك السمات غير الطبيعية ومضفية على السرد منطقية مقبولة. وهذا التنازع السردي بين المستحيل والمنطقي هو ما تسميه الناقدة روماجنولو «التشرذم» بين سلطة ذكورية استولت عليها امرأة وسلطة أنثوية تستولي عليها الذكورية.
والنتيجة أن السلطة ستغدو مجزأة، يصعب تحديد موقعها وتحديد الصوت الذي يمثلها، فهي بالنسبة إلى الذكورية مجرد هيكل، وبالنسبة إلى النسوية لا تتعدى الخضوع الجنساني في التمسك بالمفهوم التقليدي للسلطة.
وما تنتهي إليه روماجنولو هو أن قصص أنجيلا كارتر تعتمد على ما في عالم السرد الطبيعي من قواعد المكان والزمان ولكنها في الآن نفسه تخالف هذا العالم وتتحرك باتجاهات متضادة وغير منطقية يستحيل وقوعها غير أن منظور السارد الذاتي هو الذي يجعل احتمالات وقوعها واردة من خلال عدسة تقرب اللامعقول وتجعله عقلانياً. والغاية توجيه التفكير نحو قراءة المشهد السردي قراءة مخالفة فليس النص انعكاساً مباشراً للسلطة الجندرية بين المذكر والمؤنث، ولا هو تعددية الصوت السردي من ذكوري وأنثوي، وإنما هو تفكيك سلطة المذكر بتشيئية الأنثى وإضفاء مركزية على الذات المؤنثة من خلال تفسير خاص ومعقد للتاريخ والذاكرة والسرد معاً. إن هذا الذي تعكسه قراءة روماجنولو لرواية «ليالي السيرك» يقدم رؤية جديدة للاطبيعية في السرد النسوي كما يسلِّط أضواءً نقدية على كيفيات تحقيق التكافؤ الآيديولوجي بين الجنسين في تمثيلات السرد النسوي باتباع طرق غير معتادة وجديدة تخالف تلك المفاهيم التقليدية وتبتكر تفسيرات جنسانية ما بعد حداثية مختلفة لمفاهيم السلطة والجندر والهوية والصوت.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.