الثقافة المصرية في ميزان الحرية والحقيقة

نبيل عبد الفتاح يحلل أزمنة صعودها وانحسارها

اعتصام المثقفين المصريين عام 2013 احتجاجاً على «أخونة وزارة الثقافة»
اعتصام المثقفين المصريين عام 2013 احتجاجاً على «أخونة وزارة الثقافة»
TT

الثقافة المصرية في ميزان الحرية والحقيقة

اعتصام المثقفين المصريين عام 2013 احتجاجاً على «أخونة وزارة الثقافة»
اعتصام المثقفين المصريين عام 2013 احتجاجاً على «أخونة وزارة الثقافة»

يعيد الباحث والمفكر نبيل عبد الفتاح، مساءلة الحرية في إطار متلازمة فكرية ثلاثية الأبعاد والرؤى، تتمثل في علاقتها بالثقافة كمكون أساسي لها، وشرط من شروط نضجها وتقدمها، وفي علاقتها بالحقيقة باعتبارها التجسيد الأمثل للأفكار والرؤى، ثم علاقتها بالواقع الراهن: حقيقة ما كان في الماضي، وما هو كائن بالفعل، واستشراف ما يمكن أن يكون عليه في الغد والمستقبل.
من هذا المنظور ينفتح كتابه «الحرية والحقيقة – تحديات الثقافة والمثقف المصري»، الصادر حديثاً عن دار «ميريت» بالقاهرة، على الثقافة المصرية وأزماتها، ويرى أنها تراوح ما بين فعلين؛ أحدهما ساكن ينتمي للماضي، والآخر متحرك، يحاول اللحاق بالمنجز الكوني المعرفي المتمثل في الرقمنة، والذكاء الصناعي، والإناسة الربوتية، وعالم ما بعد الحقيقة، وغيرها من منجز التكنولوجيا والإنترنت.
يقع الكتاب في 433 صفحة من القطع المتوسط، وتناثرت في صفحاته شذرات فلسفية تدور حول معنى الحقيقة وعلاقاتها بالواقع والأفكار لنيتشه، باشلار، ديكارت، هيوم، فوكو، سارتر، وإدوارد سعيد.
وعبر 6 أبواب تنطوي على مجموعة من الفصول، يعالج نبيل عبد الفتاح، موضوعه ومبحثه الأثير في ظل تغير الرؤى والسياسات الثقافية، والتحولات المتسارعة غير المألوفة، على مستوى العالم، إقليمياً ودولياً ومحلياً، التي لا تزال تشكل صدمة للعقل، سواء في سعيه للرصد والتحليل والمقاربة النقدية، أو في مغامرته للتسلح والتحصن بأطر وأفكار جديدة، تشكل حافزاً للإبداع والثقافة، على قاعدة الحرية، من دون شروط مسبقة سوى ما تجترحه وتفرضه بقوة الدفع الإنساني للوصول إلى الحقيقة.
تبدو الحالة المصرية في الكتاب بمثابة معمل اختبار لكل هذه الرؤى، حيث يشكل حاجز الحرية والعقل النقدي المستنير التحدي الأساس أمام المثقف والثقافة معاً، في محاولة لكسر «هيمنة العقل التسلطي السلفي، الأسير وراء أوهامه المتعددة».
في الباب الأول، الذي حمل عنوان «أزمات الثقافة والسياسة الثقافية الرسمية»، يستعرض الكتاب دور الثقافة في التنمية ومشروعاتها، وفي الارتقاء بالوعي السياسي للمواطنين، والنخب السياسية - المعارضة والحاكمة. ويرجع غياب هذا الدور عن الفهم والإدراك لعدة أسباب من أبرزها: غلبة الوعي البيروقراطي على تشكيل النخبة السياسية ومصادر تجنيدها، وانفصال السياسة التعليمية ومناهجها عن المكون الثقافي والتكوين الجمالي، والخلط والمزواجة بين التعاليم الدينية والوضعية، والمناهج المقررة.
كما يرصد التحولات التي طرأت على الثقافة وسياساتها في مرحلة الثورة والانتقال، وذلك في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 1911، التي أطاحت بنظام مبارك بعد 30 عاماً من الحكم، وشهدت زخماً هائلاً من التوترات الأمنية والمواءمات السياسية طالت كل شرائح المجتمع، خصوصاً مع وضعية الثورة الانتقالية، والمخاطر الداخلية التي واجهتها، ووقفت عثرة في وصولها لأهدافها، وكان من أبرزها - حسب الكتاب - عدم استقرار التشكيلات الحكومية نتيجة الحالة الأمنية المضطربة، وتعدد وزراء الثقافة خلال فترة زمنية وجيزة، وعدم التصدي لبعض أشكال الفساد الوظيفي داخل هيئات الوزارة المختلفة، وهو ما انعكس بدوره على مجمل الأنشطة والفعالات الثقافية.
ينظر نبيل عبد الفتاح إلى عدم الاستقرار الذي شاب هذه الفترة من زاويتين ملتبستين ومتناقضتين؛ الأولى تكمن في المد الثوري الثقافي الذي ارتفعت وتيرته وغليانه في أعقاب «ثورة 25 يناير»، ثم مرحلة بروز التيارات الإسلامية السلفية، وصعود «الإخوان المسلمين» إلى الحكم، ويشير هنا إلى: «قيام بعض المثقفين بالاعتصام في مكتب وزير الثقافة الذي تم تعيينه من قبل جماعة (الإخوان المسلمين) وأيده السلفيون، وذلك للحيلولة دون (أخونة) العمل الثقافي، وتديينه سياسياً».
ويخلص بعين راصدة متفحصة إلى أن أداء وزراء الثقافة المتعاقبين منذ ثورة 25 يناير 2011 وما بعدها، لم تكن لغالبيتهم رؤية أو تصور للسياسة الثقافية في المرحلة الانتقالية، ومن ثم سارت «سياسة اليوم بيومٍ والإدارة اليومية للعمل البيروقراطي داخل الوزارة، دونما إنجازات حقيقية لبعضهم»... (ص 45). ويرى أن «النزعة التجريمية والسياسة العقابية المغلظة تبدو في النصوص (الدستور) التي تنظم حرية الرأي والتعبير، وحرية التدين والاعتقاد، على نحو يخالف جوهر هذه الحريات، وبما يؤدي إلى فرض قيود عليها، بعضها في العقاب، والأخرى في التطبيق القضائي، من حيث توجهات أعضاء الجماعة القضائية من ذوي الاتجاهات المحافظة».
تمتد هذه الرؤية في الكتاب إلى ما قبل هاتين المرحلتين الانتقاليتين، راصداً تحولات الثقافة المصرية مع بدايات النهضة الحديثة في عصر محمد على وأسرته، وانفتاح منجز التحديث آنذاك على الغرب الأوروبي، مع الوعي بخصوصية الحالة المصرية والالتفات إلى مكوناتها التراثية ومقوماتها الذاتية والحضارية، ثم يتابع بالرصد والتحليل ما طرأ عليها في عهود: عبد الناصر، والسادات، ومبارك، موضحاً كيف تحولت من مكون وطني دافع للنهوض بوجدان المجتمع سياسياً واجتماعياً، ليتم النظر إليها - خصوصاً في عهدي السادات ومبارك - باعتبارها ترفاً ومصدراً للفوضى والقلق، وأنه لا بد من تدجين المثقفين. ومن ثم برزت فكرة غواية المثقفين بحزمة من المنافع الشخصية الصغيرة، ليدخلوا عبرها «الحظيرة»، حظيرة السلطة - حسب تعبير وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني آنذاك، وبذلك يسهل احتواؤهم من قبل السلطة، ويصبحون عنصراً تابعاً، بل خادماً لسياستها المتسلطة.
وهو ما أدى - حسب الكتاب - إلى تراجع صورة المثقف النقدي المستقل عن السلطات السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، فأصبحت صورة مشوشة «ساهم فيها كثيرون ممن أدمنوا غوايات جهاز الدولة الثقافي، رغم مناورات بعضهم بالنقد أحياناً والمجاراة أحياناً أخرى». ويلفت الكتاب إلى تفاقم هذه الصورة، بخاصة من قبل الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية، واستخدام العنف، والسعي إلى إضعاف دور المثقف الحقيقي ومكانته، ومحاولة اغتياله، وهو ما تعرض له عدد من الرموز الثقافية، المناهضة للسلطة والإرهاب السلفي تحت عباءة الدين.
يراكم الكتاب أبعاد هذه الصورة عبر فصوله، ومن خلال الرصد والتحليل والتقصي لملامحها، وما أفرزته من ظواهر متباينة، ويسلط عليها الضوء من زوايا خاصة ووجهات نظر متعددة، أثرت في الدور والفعل الثقافي المصري، وحدت من اتساعه وتأثيره في محيطه العربي الإقليمي، خصوصاً بعد الطفرة النفطية في عدد من الدول العربية، الخليجية على وجه الخصوص، وفوائض رأس المال المتنامية، وبروز أدوار ثقافية جديدة يساندها سخاء في الجوائز الأدبية بالدول الخليجية مما جعلها محط أنظار المبدعين العرب. ولم يقتصر هذه الدور على منافسة مراكز الثقل الثقافي التاريخية، سواء في القاهرة أو بيروت أو بغداد أو دمشق، إنما أصبح يهددها بالتهميش. أضف إلى ذلك الصعود اللافت للمركز الثقافي المغاربي منذ عقد الثمانينات، وحتى العقدين الماضيين من الألفية الجديدة. وحسبما يذكر الكتاب: «حدث تحول في مراكز الإنتاج الفكري في العالم العربي، من خلال ظهور دور الجماعة الثقافية في المغرب، في مجال الفلسفة والدراسات حول العقل العربي – محمد عابد الجابري - وفي مجال القانون والدراسات السوسيولوجية، وبعض التجارب الفنية في المسرح. في تونس تطورت الدراسات الإسلامية الجديدة في المدرسة الفكرية التي أسسها عبد المجيد الشرفي وتلامذته».
ضمن هموم الواقع الثقافي، وفي خضم هذه التغير والتطور وتقنيات عالم الرقمنة يطرح المؤلف مقاربات فكرية جديدة حول المعرفة والأسئلة الكبرى التي تشكل جذورها، وذلك بحثاً عن نموذج معرفي عربي «يمكن أن نوظفه في لغتنا، ومفرداتنا وأوصافنا، ويصبح جزءاً من إنتاجنا العقلي والنظري والتطبيقي، وينمي قدرتنا على الوصف والتفسير والتحليل والتركيب»، محذراً من مخاطر غياب الثقافة في حياتنا، وأنه «وراء أي فقر سياسي غياب ثقافة لدى منتج الخطاب».
تبقى في هذه الإطلالة ملاحظات حول اعتصام المثقفين المصريين الذي كان المؤلف في القلب منه، ومع ذلك أشار إليه بشكل عابر لا يتجاوز السطرين. من هذه الملاحظات أن ذلك الاعتصام الذي استمر نحو 40 يوما وشارك فيه كبار الكتاب والمثقفين والفنانين شكل استثناء غير مسبوق في تاريخ الثقافة المصرية، كما أنه فعل حرية بالأساس، حرية الثقافة والمثقفين، التي لا تنفصل بالضرورة عن حرية الوطن، ثم إنه كان محاولة لاستعادة حقيقة مستلبة وغائبة. كما شكل ميزاناً لطبيعة المثقف المصري ودوره في العمل الجماعي الوطني، وغيرها مما ينصب في موضوع كتابنا هذا. ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري: لماذا نجح الاعتصام في الحشد، وفشل في اختبار النوع: فبرغم هذا الزخم، لم يستطع المثقفون فرض أو اختيار وزير ثقافة من بينهم بعد الإطاحة بـ«الإخوان المسلمين»، وظل الحال كما هو عليه في وزارة الثقافة. انتهى الاعتصام وعاد المثقفون إلى طبيعتهم النخبوية العشوائية ومصالحهم الشخصية الضيقة. لذلك فإن ما قبل الاعتصام وما بعده يشكل خلاصة مهمة يمكن من خلالها استبيان وضعية وحقيقة المثقف والثقافة المصرية في لحظة شائكة ومصيرية، كان بوسع الكتاب أن يخصها بمبحث واسع، خصوصاً أنه وضع هذه الثقافة فوق ميزان الحرية والحقيقة في ضوء رؤية ومنهج سديدين.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.