من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

سهول محافظة نينوى كانت الأكثر تضرراً بارتفاع درجات الحرارة

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
TT

من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)

شهد العراق خلال السنوات الثلاث الماضية موجة جفاف واسعة، تسببت في تراجع مساحات الأراضي المزروعة بمحاصيل الحنطة والشعير والمحاصيل الاستراتيجية الأخرى. ومع مطلع هذا الشتاء تعرَّضت مناطق في شمال البلاد لعواصف مطرية ومضية، أدت إلى سيول وفيضانات عنيفة، نتجت عنها خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبينما ساهمت الهطولات المطرية في تغذية بعض السدود في إقليم كردستان العراق، لا تزال مناطق وسط البلاد وجنوبها وشرقها تعاني حتى الآن من قلَّة الأمطار، وسط مخاوف من تعرُّضها لسيول وفيضانات مفاجئة كما حصل في الشمال. ورغم ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن تساهم هطولات هذا الشتاء في سد العجز المائي الذي يُقدَّر بنحو 12 مليار متر مكعب، من أصل 53 مليار متر مكعب هي حاجة البلاد السنوية.
- الجفاف يهدد غذاء العراق
يؤدي الجفاف في العراق إلى تحوُّل مناطق زراعية شاسعة إلى أراضٍ جرداء؛ حيث تُظهر دراسات رسمية أن الصحراء أصبحت تشغل الآن نحو 40 في المائة من مساحة البلاد. كما تعاني الأراضي الزراعية من مشكلة التملُّح؛ خصوصاً في مناطق الجنوب.
وكانت سهول محافظة نينوى التي توصف بسلَّة غذاء العراق، الأكثر تضرراً من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف الماضي. فبعد أن كان إنتاجها من الحبوب خلال موسم 2020 نحو 930 طناً، انخفض في 2021 إلى 90 طناً فقط بسبب الجفاف. كما تسبب الجفاف في ارتفاع أسعار الحبوب إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغ سعر طن القمح 520 دولاراً بعد أن كان 180 دولاراً قبل سنة، ووصل سعر طن الشعير إلى 400 دولار بينما كانت قيمته 80 دولاراً.
ونظراً لتدني مخزون العراق المائي من نهري دجلة والفرات وروافدهما، قررت وزارة الزراعة تقليص خطتها الزراعية لجميع المحاصيل الشتوية إلى النصف، بحيث تبلغ المساحة المزروعة خلال هذا الشتاء 250 ألف هكتار، بالمقارنة مع 500 ألف هكتار في شتاء 2021.
وكان إنتاج القمح في صيف 2021 قد بلغ 3.5 مليون طن، متراجعاً بمقدار 1.5 مليون طن عن الموسم السابق. وتتوقع وزارة الزراعة ألا يتجاوز إنتاج القمح في الموسم القادم 2.5 مليون طن، وهي كمية لا تكفي لتغطية حاجة البلاد من الخبز المدعوم حكومياً، الذي يستلزم 4.5 مليون طن سنوياً.
ولا تقتصر حالة الطقس الجاف على العراق فقط؛ لأن الهطولات المطرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال قليلة في موسم الشتاء الحالي، مما أعاق البَذر المبكر لزراعات الحبوب الشتوية التي سيتم حصاد نتاجها في الصيف المقبل. ولكن ما يجري في العراق يمثِّل حالة دراسية عن أثر تغيُّر المناخ وضعف إدارة الموارد المائية في تهديد الأمن الغذائي.
ويخلُص تقرير صدر مؤخراً عن وزارة الموارد المائية العراقية، إلى أن موجات الجفاف الشديدة المتوقعة حتى سنة 2025 ستؤدي إلى جفاف نهر الفرات بشكل كامل في قطاعه الجنوبي، بينما سيتحول نهر دجلة إلى مجرى مائي بموارد محدودة. ويمثل النهران اللذان ينبعان من تركيا ويمران عبر سوريا، مصدراً لما يصل إلى 98 في المائة من إمدادات المياه السطحية في العراق. وكان البنك الدولي قد حذَّر العراق من أن المياه لن تصل إلى ثلث الأراضي المروية في سنة 2050، إذا ارتفعت الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كما هو متوقع.
- استنزاف مياه تركيا
ويُلقي العراق باللائمة على دول الجوار في تراجع حصَّته من الموارد المائية السطحية. فرغم وجود اتفاقيات خاصة بمياه دجلة والفرات مع تركيا، كان آخرها في 2009، فإن هذه الاتفاقيات لم تنفَّذ بالكامل. وفي المقابل، تؤكد تركيا أنها تفي بما عليها من التزامات، وتشير إلى سوء إدارة المياه في العراق.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن مشروع تركيا الكبير في الأناضول الذي يتضمن بناء 22 سداً و19 محطة كهرمائية، سيقلِّل إلى حد بعيد كمية المياه المتدفقة من نهري دجلة والفرات إلى سوريا والعراق. تركيا نفسها تعاني حالياً من الجفاف الذي طال أمده، وهي تحتفظ بالمياه خلف السدود لتلبية احتياجاتها الخاصة، بما فيها الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه كالذرة والقطن والشمندر السكري.
ومنذ الثمانينات، شجَّعت السياسات الحكومية زراعة المحاصيل ذات العوائد المالية المرتفعة، مما جعل تركيا سابع أكبر منتج زراعي في العالم، وأحد أكبر مصادر الحبوب والفاكهة والتبغ والشاي. وبينما تساهم الزراعة في 6 في المائة من الدخل القومي، فهي توظف نحو 20 في المائة من القوة العاملة في البلاد، وتستهلك ما يقرب من 75 في المائة من المياه العذبة، وهي نسبة يحذِّر الخبراء من أنها غير مستدامة.
ويزداد الطلب على المياه بشكل متسارع في تركيا بسبب الزراعات المستنزفة للمياه، مما أدى إلى انخفاض طبقات المياه الجوفية وجفاف أنظمة أنهار بأكملها. كما لا يزال المزارعون في تركيا يستخدمون تقنيات الري القديمة، بما فيها السواقي المفتوحة وقنوات الجر المرتفعة التي تعاني من فقدان المياه بنسبة 35 إلى 60 في المائة بسبب التبخُّر والتسرُّب.
- الإفلاس المائي في إيران
ويبدو أن الحكومة العراقية مجبرة في ملف الأمن المائي على معالجة جملة من القضايا، من بينها الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية والأزمة الاقتصادية والخلافات مع دول الجوار. وكانت وزارة الموارد المائية العراقية قد استكملت مؤخراً جميع الإجراءات الفنية والقانونية، لرفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد سياسة المياه الإيرانية التي تتسبب في جفاف الأهوار في جنوب البلاد.
وتبلغ حصة العراق من مياه الأنهار والجداول الآتية من إيران نحو 11 مليار متر مكعب في السنة؛ لكن سلسلة طويلة من السدود تقطع المياه عن عشرات الروافد والجداول التي تعبر الحدود. وتتخذ إيران خطوات للاحتفاظ بمزيد من المياه في أراضيها؛ حيث قامت ببناء 16 سداً على نهر سيروان، أحد روافد دجلة، خلال السنوات القليلة الماضية. كما تعمل وزارة الطاقة الإيرانية منذ سنتين على مضاعفة عدد السدود في البلاد لتصل إلى نحو 400 سد، وسيكون العشرات منها عائقاً أمام وصول المياه إلى العراق.
وتملك إيران أسبابها الداخلية التي تدفعها للقيام بهذه الإجراءات، فهي تعاني أيضاً من الجفاف الشديد. وخلال موسم الشتاء الماضي، تلقَّت إيران نصف معدل الهطول المطري المعتاد. وتحصل أكثر من 8 آلاف قرية وبلدة إيرانية على مياهها من صهاريج جوَّالة، بينما أدت أزمة المياه إلى احتجاجات واشتباكات عنيفة؛ خصوصاً في محافظة خوزستان التي تحاذي محافظتي ميسان والبصرة العراقيتين. ولم تقتصر الاحتجاجات على خوزستان؛ بل طالت أيضاً مناطق كثيرة في إيران، بما فيها محافظات لوريستان وأصفهان وطهران. وترتبط قلة المياه في إيران بتغيُّر المناخ وسوء إدارة الموارد.
وفي سعيها لمواجهة العقوبات الدولية والاكتفاء ذاتياً، ضاعفت الحكومة الإيرانية نقاط استخراج المياه الجوفية بين عامي 2002 و2015، من أجل دعم القطاع الزراعي، لا سيما زراعة القمح والأرز وقصب السكر، مما استنفد المياه الجوفية وتسبب في نضوبها. ومع تناقص منسوب المياه الجوفية، ارتفعت ملوحتها على النحو الذي تسبب في تملح التربة عند استخدامها في ري الأراضي الزراعية. ورغم أن المشكلات المائية في إيران معروفة منذ 30 سنة، فإنه لا توجد خطة منهجية من شأنها زيادة الموارد المائية وتنظيم استهلاكها، مما أوصل البلاد إلى حالة «إفلاس مائي» يتجاوز فيها الطلب على المياه ما هو متاح. وسوف يستغرق الأمر أكثر من شتاء ممطر للتخفيف من نقص المياه.
- سوريا تواجه أسوأ جفاف
ولا تختلف أسباب أزمة المياه في سوريا عن تلك التي في العراق أو تركيا أو إيران، باستثناء ظروف الصراع القائمة في البلاد منذ سنة 2011؛ خصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية التي تعتمد في زراعتها على نهرَي دجلة والفرات. وتشهد سوريا أسوأ موجة جفاف منذ 70 سنة، وهي مشكلة تضاف إلى كثير من المشكلات التي تعصف بها.
ووفقاً لتقديرات برنامج الغذاء العالمي، يواجه 12.4 مليون سوري انعدام الأمن الغذائي؛ حيث يتلقى 4.8 مليون شخص منهم مساعدات غذائية من البرنامج. وللبقاء على قيد الحياة تتبع 90 في المائة من العائلات السورية استراتيجيات تأقلم سلبية، تشمل تقليل وجبات الطعام، وشراء كميات تقل عن الحاجة الفعلية، والاقتراض لشراء الاحتياجات الأساسية.
وتُعتبر المنطقة الشمالية الشرقية التي تخضع بمعظمها حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، مصدراً لمجمل قطن سوريا ونصف حبوبها ومعظم نفطها. ويعتمد أكثر من 5 ملايين سوري على نهر الفرات كمصدر لمياه الشرب التي تتناقص بفعل السياسات المائية التركية، وتتراجع نوعيتها بسبب التلوث الناجم عن حرَّاقات النفط البدائية والتسربات من خطوط وخزانات المشتقات في قطاع النفط.
ونتيجة ذلك، يعاني كثيرون؛ ليس فقط من قلَّة المياه المتاحة للزراعة؛ بل من عدم وجود مياه صالحة للشرب. وكما هي الحال في العراق، جفَّت الحقول والبساتين في الجزيرة السورية، كما حصل في مدينة الرقة؛ حيث يعيش نحو 400 ألف شخص؛ إذ انخفض تدفق المياه في نهر الفرات من 600 متر مكعب في الثانية إلى 200 متر مكعب فقط.
ولا يُعتبر الجفاف السبب الوحيد لنقص المياه في سوريا. فقد ساهم إهمال نُظم الري، وزيادة استخدام المياه لتشغيل المحطات الكهرمائية، والتعدِّيات على شبكات المياه والأحواض الجوفية، والاعتماد على أساليب بدائية في الري، وتملُّح التربة، والافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي للمستوعبات المائية، في تفاقم أزمة المياه.
ويتخوَّف المزارعون ومربُّو الماشية في شمال شرقي البلاد، من تكرار سيناريو الجفاف الذي سبب لهم خسائر كبيرة في العام الماضي؛ حيث شهدت منطقة الجزيرة تراجعاً في إنتاج محاصيل استراتيجية، مثل القمح والشعير والذرة، بسبب انحباس الأمطار وتوقف جريان نهر الفرات ورافده الرئيسي نهر الخابور، كما اضطر مربُّو الإبل إلى بيع آلاف الجِمال في السوق السوداء، وتهريبها إلى البلدان المجاورة.
عبر الهلال الخصيب، من سوريا والأردن والعراق، وصولاً إلى تركيا وإيران المجاورتين، تتفاقم أزمة المياه سنة بعد سنة. ورغم الدور المؤثر للجفاف الناتج عن تغيُّر المناخ، فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يتعلق بثقافة استهلاك المياه في منطقة اعتادت على الوفرة والخصوبة عبر مراحل التاريخ المختلفة. وقد أصبحت هذه الأزمة من التعقيد بحيث تتطلب تفاهمات داخلية وعابرة للحدود، إلى جانب مراجعة شاملة لسياسات إدارة المياه في كل بلد، وعلى مستوى الإقليم بأكمله.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».