الأوروبيون يتأرجحون في العلاقة مع روسيا بين الدعوة إلى الحوار والتشدد

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان (يسار) مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان (يسار) مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل (رويترز)
TT

الأوروبيون يتأرجحون في العلاقة مع روسيا بين الدعوة إلى الحوار والتشدد

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان (يسار) مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان (يسار) مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل (رويترز)

لخص وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، في اليوم الثاني والأخير من اجتماعات وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي التي ترأسها مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل الجو العام الذي سيطر على المناقشات الخاصة بالوضع الأوكراني، وبمستقبل العلاقة مع روسيا، وصورة البيئة الأمنية الأوروبية، بعبارة واحدة بقوله: «إن منطقنا (في التعامل مع روسيا) هو التشدد من جهة والحوار من جهة أخرى». وداخل مجموعة الـ27 ثمة من هم أكثر ميلاً للتشدد فيما المقلب الآخر يميل إلى تغليب الحوار دون التخلي عن الصلابة. وفيما بدا بوضوح أن الاجتماعات الدبلوماسية الثلاثة التي جرت هذا الأسبوع بين الغربيين والطرف الروسي «في جنيف وبروكسل وفيينا» لم تُحرز أي تقدم بحيث تمترس كل طرف وراء مواقفه المعلنة، قالت وزيرة خارجية ألمانيا أمس، إنها عازمة على زيارة موسكو الأسبوع القادم لمباحثات حول الأزمة الأوكرانية. وحسب الخارجية الألمانية، فإن الوزيرة ستزور كييف ثم موسكو في مسعى إعادة إحياء ما تسمى «صيغة نورماندي» الخاصة بإيجاد تسوية للنزاع في أوكرانيا. وتضم اللجنة روسيا وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا. بيد أن لا أحد من المؤتمرين في مدينة بريست الفرنسية، حيث عُقدت اجتماعات وزراء الدفاع والخارجية الأوروبيين، لم يراهن على إمكانية أن تنجح أنالينا بيربوك في دفع الطرف الروسي إلى التزحزح عن مواقفه إزاء أوكرانيا ومطالبه من الحلف الأطلسي التي أصبحت معروفة. وليس سراً أن برلين وباريس هما من الأكثر تعلقاً بتواصل الحوار مع موسكو، والعام الماضي سعى الرئيس ماكرون والمستشارة ميركل إلى إقناع القادة الأوروبيين بقبول الاجتماع مع الرئيس بوتين. إلا أنهما أخفقا في مسعاهما بسبب معارضة عدة دول من أوروبا الوسطى والشرقية ودول البلطيق، وعلى رأسها بولندا. وقالت بيربوك، أمس، إنه «من المهم في النهاية العودة إلى طاولة الحوار» مع الجانب الروسي. وربطت بين بقاء الأوروبيين متّحدين ومتضامنين وبين قدرتهم على لعب دور أكبر أكان من جهة التشدد أو على طاولة المحادثات. إلا أن سيرجي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي الذي اجتمع بنظيرته الأميركية ويندي شيرمان، في جنيف، ربط مواصلة المفاوضات مع الغربيين «في الأيام القادمة» بإظهارهم ما سماها «الليونة» في التجاوب مع المطالب الروسية وإلا «لا سبب يدعو للجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات». والحال أن الأوروبيين وغالبيتهم أعضاء في الحلف الأطلسي لا يبدون مستعدين في الوقت الحاضر للتراجع عن التشدد، والدليل على ذلك أن الاتحاد جدّد العقوبات المفروضة على روسيا بسبب ضمها شبه جزيرة القرم وأزمتها الحدودية مع كييف.
لا تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ فالأوروبيون يسيرون في الركاب الأميركي في البحث عن عقوبات استباقية رادعة لثني موسكو عن أي عملية عسكرية ضد أوكرانيا. ونقلت وكالة «بلومبرغ» من واشنطن أن الطرف الأميركي يضغط على الأوروبيين لحملهم على فرض عقوبات ثقيلة على روسيا وكذلك ردود فعل الأخيرة عليها. وحسب الوكالة نفسها، فإن تشكيل قوة ردع اقتصادية موحدة تعد وسيلة مهمة لثني بوتين عن غزو أوكرانيا. ودأب الغربيون في الأسابيع الماضية على التحذير من «إجراءات عقابية اقتصادية قاسية» و«نتائج وخيمة» ستترتب على مغامرة عسكرية روسية جديدة. ونُقل عن مستشار الرئيس بايدن للأمن القومي قوله إن الولايات المتحدة «مستعدة لجميع السيناريوهات» لمواجهة روسيا. لكن الثابت حتى اليوم، أن التحرك الغربي دبلوماسي - مالي – اقتصادي، بمعنى استبعاد المواجهة العسكرية من غير أن يعني ذلك حرمان كييف من المساعدات والمعدات والأسلحة الغربية.
وفي المؤتمر الصحافي الختامي المشترك الذي عقده لو دريان مع بوريل، قرأ الأخير ما يمكن عدّها «مدونة سلوك» من عشر نقاط للتعامل مع الأزمة الأوكرانية والمواقف التي تَوافق عليها الأوروبيون بخصوص الأمن الأوروبي ومطالب موسكو التي ينظر إليها هؤلاء، وكما قال بوريل: «محاولة لإعادة كتابة التاريخ». وتؤكد المدونة التمسك التام بمبادئ معاهدة هلسنكي والتضامن التام مع أوكرانيا بما في ذلك تسخير إمكانيات الاتحاد الأوروبي كافة للرد على الهجوم السيبراني الذي تعرضت له من غير أن يوجّه «وزير» خارجية الاتحاد الاتهام مباشرة إلى موسكو «بسبب غياب الأدلة، لكن نستطيع أن نتصور ذلك». ومن عناصر المدونة الإعراب عن العزم على «الرد» على أي هجوم يستهدف أوكرانيا من روسيا، محذراً من أن عواقبه ستكون «وخيمة». وشدد بوريل على رغبة الأوروبيين في تعزيز التنسيق مع واشنطن من جهة ومع الحلف الأطلسي من جهة أخرى والتذكير بأن الأوروبيين يريدون أن يكونوا جزءاً من أي حوار يتناول أمن أوروبا بما في ذلك ملف الصواريخ متوسطة المدى المنشورة على القارة القديمة والتأكيد مرة أخرى رفضهم «التفاوض تحت التهديد»، في إشارة إلى انتشار عشرات الآلاف من القوات على الحدود مع أوكرانيا التي وصفها بوريل بأنها «وسيلة ضغط» على الغربيين. ولكن رغم اللهجة الشديدة للمدونة، فإن الأوروبيين متمسكون بالحوار مع موسكو وسيلةً لخفض التصعيد وتلافي حروب جديدة على الأراضي الأوروبية.
كانت واضحةً في اليومين الأخيرين هيمنة الملف الروسي - الأوكراني على اجتماعات وزراء الخارجية والدفاع ومعها تراجعت إلى الخلف طموحات باريس بالتركيز على البوصلة الاستراتيجية والسيادة الأوروبية. إلا أن الوزير لو دريان توجه إلى بوريل خلال المؤتمر الصحافي قائلاً له: «لديّ انطباع أننا بصدد العمل بمضمون البوصلة قبل أن نقرّها». ويُنتظر أن يتم ذلك بشكل رسمي في قمة أوروبية ستدعو إليها فرنسا في شهر مارس (آذار) القادم. وما سعت إليه باريس وممثل الاتحاد بالدرجة الأولى كان توحيد المواقف الأوروبية خصوصاً عندما سيبدأ العمل بتعيين العقوبات الإضافية التي يمكن أن تفرضها أوروبا على موسكو. وكان واضحاً أن ملف خط نقل الغاز الروسي إلى أوروبا «نورد ستريم 2» سيكون إشكالياً، إذ إن ألمانيا ترفض حتى اليوم الخضوع للضغوط التي تستهدفها لاستخدام الخط وسيلة ضغط على روسيا، والتي تتزعمها بولندا.
وحرصت باريس على دعوة ممثلين عن أفريقيا إلى بريست. وقال بوريل إن «مشكلات أفريقيا هي مشكلات أوروبا إن كان ذلك بخصوص الأمن والإرهاب والهجرات والتحولات المناخية...»... وستستضيف بروكسل قمة أوروبية - أفريقية يومي 17 و18 فبراير (شباط) القادم، إضافةً إلى اجتماعات تجمع الأوروبيين وقادة دول الساحل الخمس وأخرى للتحالف الدولي من أجل الساحل الذي يضم 60 دولة ومنظمات إقليمية ودولية. ومرة أخرى، شكّلت مالي واسطة العقد. وأكد بوريل ولو دريان أن الأوروبيين «باقون في مالي ولكن ليس بأي ثمن». كذلك نوّه الأوروبيون بالمواقف والإجراءات التي اتخذتها مجموعة غرب أفريقيا بحق سلطات مالي المنبثقة عن انقلابين عسكريين. وبالطبع لم يغب ملف النووي الإيراني عن المناقشات والإجماع توافر حول الحاجة إلى تسريع المفاوضات مع بروز نوع من التفاؤل من جانب بوريل الذي يخالف الأجواء السائدة في الأيام الأخيرة في فيينا. وأخيراً، أعرب الأوروبيون عن تضامنهم ودعمهم الكامل لليتوانيا في خلافها مع الصين التي أغلقت أبوابها بوجه الصادرات الليتوانية لتعاقب فيلنيوس على فتح ممثلية دبلوماسية لتايوان على أراضيها.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.