كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية

طالبوا بإدراج الشعر ضمن فروعها واختيار لجان تحكيم تتسم بـ«الحيادية»

كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية
TT

كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية

كتاب مصريون ينتقدون «جائزة ساويرس» ويصفونها بالشكلية

انتقد كتاب وروائيون مصريون جائزة «مؤسسة ساويرس الثقافية»، رغم تشديدهم على أهميتها، ولفتوا إلى أن جوائزها صارت شكلية، وأن هناك استئثاراً من جانب بعض دور النشر بها، كما أن لجان تحكيمها غالباً ما تفتقر إلى الحيادية، فضلاً عن تكرار الحاصلين عليها أكثر من مرة.
وحذَّر الكُتاب - ومنهم من فاز بها - من أن تفقد الجائزة جديتها وقيمتها.
هنا تحقيق حول الجائزة التي احتفلت قبل أيام بدورتها السابعة عشرة.

الروائي رشيد غمري: تدوير الفائزين ولجان التحكيم
عدد الجوائز الأدبية العربية على العموم ضئيل للغاية، إذا ما قورن مثلاً بعدد الجوائز التي تُمنح في فرنسا وحدها، وتصل لحوالي ألفي جائزة سنوياً، تمثل حافزاً كبيراً بالنسبة للأدباء. وتعد جائزة ساويرس من حيث المبدأ إضافة مهمة؛ لكن هذا بالطبع لا يمنع أن لي ملاحظات عليها. كنت أتمنى ألا تصاب بالداء الذي تعاني منه أغلب الجوائز العربية التي تقوم على حسابات خاصة بخلاف جودة العمل المرشح. وقد لاحظت مع آخرين أنه جرى خلال عمر الجائزة تدوير الفائزين ولجان التحكيم من ناحية، ومنح الجوائز لدور نشر بعينها فيما يشبه «الكوتة».
ويمكن ببساطة ملاحظة الدوائر الفاعلة في الجائزة، والمتحكمة فيها، والمستفيدة منها، بمجرد رصد الفائزين على مدى السنوات الثماني الأخيرة؛ حيث سنجد نصيب الأسد لكُتاب هم في الوقت نفسه صحافيون ثقافيون في أماكن بعينها، وعدد من دور النشر ضمن شبكة علاقات مهنية وشخصية، يجري توزيع الجوائز بينهم، بينما يتبادل بعضهم المواقع في لجان التحكيم، مما يلقي ظلالاً من الريبة، ويفقد الجائزة حضورها وقيمتها عاماً بعد عام.
ورغم ذلك فنحن لا نريد هدم الجائزة ولا تشويهها؛ بل نرغب فقط في أن تصلح مسارها، بتعيين إدارة مختلفة، واعتماد لجان تحكيم أكثر حيادية. وتطبيق معايير موضوعية دون التفات لحسابات العلاقات الشخصية، ومكاسب دور نشر بعينها، فالجائزة كان يمكن أن تكون فرصة لكتاب تنويريين، ولديهم أفكار جديدة، ورؤى فنية مغايرة.
صحيح أن بعض الفائزين بالجائزة كُتاب جيدون؛ لكن مجمل النتائج يكشف أن المعيار الأدبي ليس وحده ما يحكم لجان التحكيم.
أما فيما يتعلق بجوائز «المجلس الأعلى للثقافة» وجوائز الدولة على العموم، فلا أظن أن هناك أي تعارض، ونحن بحاجة إلى عشرات الجوائز؛ لأن لدينا أعداداً متزايدة من الكُتاب المبدعين.
أعتقد أن هناك استبعاداً متعمداً للشعر، بحجة أنه ليس زمنه، كما أن قصيدة النثر التي يُفترض أنها التعبير الملائم للعصر، لم تصل بعد إلى كثير من القراء. وأظن أن هذا أدعى لتخصيص مزيد من الجوائز للشعر.

الكاتب عبد الوهاب داود: لا دور ثقافياً لها
أظن أن جوائز عائلة ساويرس لم يعد لها أي دور ثقافي منذ دوراتها الأولى، لا سلبياً ولا إيجابياً، اللهم إلا منح بعض النقود لأشخاص يحترفون العمل الثقافي، سواء في لجان التحكيم، أو الكتابة، حتى أنه لم يعد ينتظرها أحد، ولا يعقد عليها أملاً سوى من يمرون بضائقة مالية، أو من يبحثون عن أي بارقة اعتراف بكتابتهم الباهتة.
وأذكر أنني حضرت جلسة كان يتصدرها الكاتب الراحل سعيد الكفراوي، في الدورات الأولى للجائزة، كان يتحدث عن دوره في لجنة تحكيم الرواية، وأذكر أنه قال ما معناه أن اللجنة استبعدت كل الروايات التي تقدم بها صحافيون، لا لشيء إلا لأنهم يكسبون جيداً، ولديهم مساحات للنشر، وما زلت أذكر عبارته جيداً: «ح نديها لكلاب السكك، ولا ياخودهاش صحفي»! ساعتها ضحكت، وتحسرت على بؤس الثقافة والمثقفين المصريين، وأدركت طرفاً من مأساة الجوائز في عالمنا العربي. فأغلب الظن أن أي جهة مانحة تتصدر أهدافها قيمة الجائزة المعنوية، فهي تبحث لنفسها عن مكانة ما لدى الكُتاب والقراء، ولدى المجتمع الذي تعمل فيه؛ لكن ما يحدث من لجان التحكيم في الغالب هو ما يفقد هذه الجوائز مكانتها ومصداقيتها.
ولك أن تتأمل أسماء من فازوا بهذه الجائزة على مدار سنواتها، ومنهم –مثلاً- كاتب فاز في إحدى الدورات بأفضل رواية للشباب، وبعدها بعامين فاز بأفضل سيناريو، ثم رواية كبار الكتاب، وآخر فاز بجائزة المسرح، وقبلها جائزة القصة القصيرة، وقبلهما جائزة الرواية!
عائلة ساويرس تعمل في مجال الإنتاج السينمائي، فبماذا –مثلاً- نفسر أنها لم تنتج أي سيناريو من السيناريوهات الفائزة بجوائزها طوال 16 عاماً؟ لماذا لم تحوِّل ولو رواية واحدة من روايات الفائزين إلى فيلم؟

الروائي والمترجم أشرف الصباغ: مجرد وسيلة مالية
موضوع الجوائز شائك جداً، وخصوصاً عندما يكون كل أعضاء لجان تحكيم هذه الجائزة أصدقاء. وفي الحقيقة هناك لغط كثير حول جائزة ساويرس. أنا أستشعر الحرج في الحديث. وأود ألا أسبب لهم أي إحراج. ولكنني ممتن جداً لأنهم يحصلون على مقابل مادي لجهودهم في التحكيم يعينهم على مواجهة أعباء الحياة. وهذا أمر جيد، ومن أهم فوائد هذه الجائزة.
الأمر الآخر، هو أن أجيالاً مختلفة تحصل على جوائز ساويرس. وهذا شيء مهم. وفي الواقع القيمة المالية هي أهم ما في هذه الجائزة، لتساعدهم قليلاً على مواجهة الفقر وتدني مستوى المعيشة. وعموماً: غالبية الجوائز المصرية والعربية تكمن قيمتها الحقيقية في القيمة المادية. وهذا ما يفرحني وما يجعلني أتحدث عن هذه الجوائز باهتمام شديد. لكن دعونا من مسألة الإبداع؛ لأن الإبداع وقيمته يكمنان في المادة المكتوبة وليس في الجوائز. يجب ألا نخلط الأمور حتى لا نفسد فرحة الحصول على أموال تساعدنا على مواجهة الفقر والبطالة.
جائزة ساويرس لا تنافس أي جائزة. ولا توجد جوائز في مصر ينافس بعضها البعض الآخر. إنها مجرد وسيلة للحصول على مكافأة مادية (أموال) لمواصلة الحياة، وربما الكتابة أيضاً، ومواصلة المشاركة في اللجان، وإحداث حالة حراك حتى وإن كانت شكلية.
وبالطبع، هذه الجوائز -سواء كانت خاصة مثل «ساويرس»، أو حكومية مثل جوائز «المجلس الأعلى للثقافة» وجوائز الدولة وغيرها- كلها تختلف في شيء واحد فقط؛ في قيمتها المادية لا أكثر ولا أقل.
وأنا في الحقيقة، أناشد منظمي هذه الجوائز والقائمين عليها زيادة قيمتها؛ لأن الكُتاب والشعراء يعانون، وليست لدى غالبيتهم مصادر للرزق.

الروائي حاتم رضوان: الجوائز ظاهرة صحية
تعدُّد المؤسسات المانحة للجوائز الأدبية ظاهرة صحية، فكلما زاد عددها أعطت فرصة أكبر لعدد من المبدعين للفوز بها، كما أن قيمتها المادية قد تعوِّض المبدع عما يعانيه من صعوبات كثيرة في النشر والانتشار.
وبالنسبة لجوائز ساويرس، لا أعلم الآلية المتبعة في التحكيم؛ خصوصاً في مراحل التصفيات الأولية، والتي أرى أنها قد تظلم بعض الأعمال التي تستحق الوصول للقوائم القصيرة، على حساب بعض الأعمال لقلة من المبدعين، وليس كلهم ممن أعتقد أنهم مفروضون عليها، أو تحوطهم شبهة مجاملة.
وبالتأكيد فإن لكل محكم ذائقته الخاصة التي قد تؤثر في الاختيارات النهائية. وكذلك لا توجد جائزة عادلة بنسبة مائة في المائة، ولكن في النهاية فإن معظم من فازوا بجوائز ساويرس يستحقونها، ولا أعتقد أن جائزة ما يمكن أن تسحب البساط من جائزة أخرى؛ لكن لي ملاحظة على جوائز الدولة التي أعتقد أنها في كثير من الأحيان تتبع سياسة «الدور»، وليس الأفضل.
وهناك علامة استفهام كبيرة في جائزة ساويرس، وهي عدم تخصيص جائزة للشعر، وهذا سؤال يوجه للهيئة المؤسسة للجائزة. ولا أعتقد أن السبب تدني مستوى الشعر؛ لأن مصر زاخرة بالشعراء المجيدين، وهناك جوائز مخصصة له.

الكاتبة وسام سليمان: أين السيناريوهات؟
رأيي أن الجائزة الأجدر للسيناريو أن يتم تحويله إلى فيلم، وبما أن هناك اعترافاً من جانب اللجنة -وهي تضم شخصيات سينمائية بارزة مثل الفنان بشير الديك، وكمال رمزي- بعدد من السيناريوهات الجيدة بالفعل، فمن الأَوْلى أن تكون الجائزة دعماً لتنفيذ الفيلم أو إنتاجه.
في البداية، كان صيت الجائزة يلفت نظر المنتجين، وهناك أفلام ظهرت بالفعل كانت فازت بجائزة ساويرس، مثل «واحد صفر»؛ لكن يبدو الآن أن المنتجين صاروا بعيدين جداً عن الاهتمام بها، وهو ما جعل الجوائز تأخذ طابعاً شكلياً.
لماذا نشكو من قلة السيناريوهات، أو من عدم وجود أعمال جيدة منها؟ فالجائزة ولجنة تحكيم السيناريو تشير إلى أن هناك كُتاباً جيدين يحصلون على جوائز، فأين تكمن المشكلة إذن؟ وما الموانع التي تعوق تحويل تلك السيناريوهات إلى أفلام يراها الناس، ويفرح بها كاتبها؟
الجوائز لا تأخذ قيمتها من العمل نفسه، وهو غالباً لا يُرى ولا تتم قراءته؛ لأنه سيناريو. وأنا لهذا أشعر ببعض الغضب، ولدي أمنيات أرجو أن تتحقق وتتحول جوائز السيناريو إلى نوع من الدعم لتنفيذ وإنتاج الفيلم، وليس مجرد جائزة محددة بمبلغ مادي. فرأيي أن الجائزة الحقيقية التي يحصل عليها السيناريست يجب أن تتحدد في شيء واحد فقط، هو أن يرى روايته على شاشة السينما.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».