غوتيريش يكشف أرقام «المأساة السورية»: 90 % من سكانها فقراء

قال في تقرير لمجلس الأمن تنشره «الشرق الأوسط» إن 9 ملايين سوري خارج سيطرة الحكومة

طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

غوتيريش يكشف أرقام «المأساة السورية»: 90 % من سكانها فقراء

طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

صدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعضاء مجلس الأمن، بإظهار عمق المأساة السورية، ودقّه ناقوس الخطر، لدى قوله إن 90 في المائة من السوريين يعيشون «في فقر» و60 في المائة منهم يعانون من «انعدام الأمن الغذائي»، إضافة إلى أن «7.78 مليون لم يكن لديهم عدد أطباء أو مرافقة طبية مستوفية للمعايير الدنيا المقبولة عالمياً». المفاجأة الأخرى كانت تأكيده أن نحو 9 ملايين سوري يعيشون «في مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة، بينهم 5.6 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية».
جاء ذلك في تقرير يقع في 19 صفحة، قدّمه غوتيريش إلى مجلس الأمن، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، لدعم تمديد القرار 2585 الخاص بتمديد آليات المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» 6 أشهر أخرى، الأمر الذي حصل بالفعل أمس.
وبعد انتقادات علنية من مسؤولين روس للقرار الدولي، وطلب وزير الخارجية سيرغي لافروف من واشنطن إصدار بيان مشترك، الأمر الذي رفضته الإدارة الأميركية، وافقت موسكو على تمرير الآلية الأممية دون ضجة، ما يفتح الباب لاستئناف الحوار الروسي - الأميركي حول سوريا.

- عملية معقدة
وكان مجلس الأمن قد جدّد في يوليو (تموز) تفويض نقل المساعدات «لمدة 6 أشهر حتى 10 يناير (كانون الثاني) 2022» عبر معبر باب الهوى على الحدود السورية مع تركيا. ونصّ القرار على «تمديد لـ6 أشهر إضافية حتى 10 يوليو»، رابطاً ذلك بتقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً حول المسألة.
وعدّ الغرب أن التمديد حتى يوليو 2022 تلقائي، عندما أثارت روسيا إمكان طلب تصويت جديد في مجلس الأمن، وهو أمر امتنعت عنه حتى الآن.
وكان غوتيريش قدّم الشهر الماضي لأعضاء المجلس تقريراً غير علني، شدد على استحالة استبدال الآلية العابرة للحدود في هذه المرحلة بآلية المرور عبر خطوط الجبهة من دمشق، والتي ترغب موسكو في تعزيزها للاعتراف الكامل بسيادة سوريا على أراضيها. وقال إن تقريره استند إلى معلومات الأمم المتحدة وبيانات الوكالات الإنسانية والجهات الشريكة ولقاءات في دمشق وغازي عينتاب وعمان، لافتاً أن سوريا تشهد «إحدى العمليات الإنسانية الأكثر تعقيداً».
وقال: «يعيش 6.9 مليون شخص في مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة (من أصل نحو 22 مليوناً)، بينهم 5.6 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية. ويتركز المحتاجون في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في الأجزاء الشمالية من البلد، مع وجود عدد أقل في الجنوب الشرقي في مخيم الركبان. وتعتبر الاحتجاجات الإنسانية في المناطق غير الخاضعة للحكومة حادة بسبب ارتفاع مستويات الأعمال العدائية في الشمال الغربي والشمال الشرقي خلال فترات مطولة، وارتفاع نسبة النازحين الذين يعيش عدد منهم في مخيمات أو مستوطنات عشوائية أو مراكز جماعية».

- شمال ـ شرق
بين 2.7 مليون يعيشون في شمال شرقي سوريا، هناك 2.2 مليون يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بينهم نصف مليون نازح. و«يعيش 140 ألفاً في مخيمات، بما في ذلك الهول الذي يضم 57588 شخصاً، معظمهم من الأطفال». وقال غوتيريش: «يمكن الوصول إلى شمال شرقي سوريا، عبر خطوط النزاع من مناطق الحكومة أو العراق، لكن الإذن لم يجدد للأمم المتحدة في 2020 للقيام بإرسال المعونات عبر العراق من معبر اليعربية. لذلك فإن المنظمات غير الحكومية هي الجهات الوحيدة التي تضطلع بعمليات عبر الحدود عبر معبر فيش خابور مع كردستان العراق.
وزاد أن مؤسسات الأمم المتحدة تقدم مساعدات غذائية لـ650 ألف شخص شهرياً، و«أصبحت استجابة الأمم المتحدة الإنسانية في المخيمات محفوفة بالتحديات بسبب طائفة من العوامل، بينها طول الوقت الذي تستغرقه الموافقات على تنفيذ المشروعات وعدم إمكانية أو انعدام الأمن في مخيم الهول»، لافتاً إلى أن «الوصول عبر خطوط النزاع مقيداً بين رأس العين وتل أبيض (الخاضعة لسيطرة فصائل مدعومة من تركيا)... وتعثر التوصل إلى اتفاق بين جميع الأطراف لتشكيل بعثة» توصل مساعدات إلى تلك المنطقة.

- شمال ـ غرب
بين 4.2 مليون شخص يعيشون في شمال غربي سوريا، حسب التقرير، هناك 3.4 مليون «يحتاجون لمساعدات إنسانية، بينهم 2.8 مليون نازح». وأشار غوتيريش إلى قيود تعرقل إيصال المساعدات، إذ «توجد أهم القيود المفروضة في خطوط المواجهة حيث تم الإبلاغ عن زيادة في الأعمال العدائية في الأشهر الستة الماضية... بما في ذلك تلك التي وقعت في مناطق قريبة من طرق الإمداد وقريبة من مستودعات كيانات الأمم المتحدة والمؤسسات غير الحكومية». وزاد أنه بعد مفاوضات «أوفدت قافلتان عبر خطوط النزاع» من حلب إلى إدلب في أغسطس (آب) وديسمبر (كانون الأول) و«في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، حصل برنامج الغذاء العالمي على موافقات الأطراف لتوقيع مساعدات عبر خطوط النزاع في شمال غربي سوريا، وستبدأ عمليات التوزيع في النصف الثاني» من الشهر الحالي، و«رغم التقدم المحرز بإيصال المساعدات عبر الخطوط... لا يزال تلقي الضمانات الأمنية اللازمة والمناسبة من أطراف النزاع أمراً حاسماً لضمان المرور الآمن للقوافل، في حين يمثل القصف والغارات الجوية والألغام الأرضية والمتفجرات تهديدات أمنية حقيقية». كما أشار إلى تدهور أوضاع 12 ألفاً في مخيم الركبان قرب قاعدة التنف الأميركية جنوب شرقي سوريا.

- الإنعاش المبكر
وقال غوتيريش: «انخفضت قدرة الشعب السوري على الصمود بعد عقد من النزاع والأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة والأزمات المتصلة بالمياه و(كوفيد 19) وحلول فصل الشتاء. ويعيش حالياً 90 في المائة من السوريين في فقر، ودمرت أجزاء كبيرة من الهياكل الأساسية المدنية، أو أصبحت آخذة بالتفكك. وفي العام 2020 لم يعد متوسط الدخل الشهري للفرد قادراً على تلبية الحاجات الأساسية... ومع تزاد الإجهاد المائي وانخفاض محصول الحبوب في موسم 2020 – 2021، فإن الفرصة كبيرة لحصول مزيد من النقص في الغذاء. وتعاني نسبة 60 في المائة من السوريين من انعدام الأمن الغذائي. وأظهر تقييم خدمات المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم أن خللاً يشوب نصف المناطق الفرعية الـ131 في البلاد. وفي العام الماضي، كان هناك 7.78 مليون يعيشون في 100 منطقة فرعية لم يكن لديهم عدد الأطباء أو المرافقة الطبية مستوفية للمعايير الدنيا المقبولة عالمياً».
وبعدما أشار إلى أن جهود «الإنعاش المبكر» ترمي إلى منع حصول زيادة أخرى في عدد المحتاجين، قال غوتيريش إنها تركز على 5 مجالات، هي «إزالة الحطام والنفايات الصلبة، والأنشطة المدرة للدخل، والتدريب المهني، والتماسك الاجتماعي، وأعمال الإصلاح الخفيفة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المدنية الحيوية». وأشار إلى مثال «إعادة تأهيل 7 مخابز عامة في حلب ودرعا ودير الزور لتلبية حاجات مليون شخص من الخبز».
وتعارض أميركا والدول الحليفة المساهمة في إعمار سوريا قبل تحقيق تقدم في العملية السياسية بموجب القرار 2254، لكن الجانب الأميركي وافق على إدخال بند يسمح بتمويل مشروعات «الإنعاش المبكر» وتوسيع المساعدات عبر خطوط النزاع، ما مهد لتوافق مع الروس لتقديم مسودة تمديد القرار الدولي في يوليو الماضي.
وقال غوتيريش: «بذلت الأمم المتحدة جهوداً لتوسيع نطاق أنشطة الإنعاش المبكر منذ يوليو الماضي»، وفي 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «قدّم مكتب الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية تعديلاً للإجراءات المفروضة على سوريا لتوسيع نطاق التراخيص الممنوحة للمنظمات غير الحكومية بحيث تتمكن من المشاركة في بعض المعاملات والأنشطة»، لتشمل «الاستثمارات الجديدة شراء منتجات نفطية مكررة من أصل سوري، وبعض المعاملات مع عناصر من حكومة الجمهورية العربية السورية. ولا يسمح بها إلا لدعم الأنشطة غير الساعية للربح».
وكانت إجراءات واشنطن لتخفيف إجراءات العقوبات الأميركية وعدم فرض عقوبات جديدة بموجب «قانون قيصر» من بين التنازلات التي قدّمتها لموسكو لتمديد القرار الدولي لإيصال المساعدات.
وختم: «بعد عقد من النزاع، لا تزال الاستجابة الإنسانية تدعم ملايين الأشخاص... وعلى رغم التحديات، تجب مواصلة استغلال كل فرصة لتلبية الاحتياجات، بما في ذلك توسيع نطاق جهود الإنعاش المبكر. لكن أكثر ما يحتاجه الناس في الجمهورية العربية السورية لا يزال إيجاد حل مستدام للنزاع، بما يتماشى مع القرار 2254».



إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
TT

إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

كشفت مصادر يمنية مطلعة عن زيادة كبيرة في الإنفاق الحوثي على عمليات التجنيد، والتعبئة، والفعاليات ذات الطابع الطائفي، بالتزامن مع استمرار الجماعة في حرمان عشرات الآلاف من موظفي الدولة في مناطق سيطرتها من رواتبهم للعام العاشر على التوالي.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الإنفاق على استقطاب المراهقين من المدارس والعاطلين من العمل في البلدات والأرياف تضاعف، وفق تقديراتها، نحو ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في وقت تحاول فيه الجماعة تقديم صرف نصف راتب لفئات محددة من موظفي الدولة باعتباره إجراءً استثنائياً بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي.

الحوثيون ينفقون على الفعاليات التعبوية والطائفية ويتجاهلون الخدمات (إعلام محلي)

وترى المصادر أن هذا التفاوت في الإنفاق يعكس أولوية متزايدة لدى الجماعة لتمويل النشاط التعبوي، والعسكري، في مقابل إبقاء ملف رواتب الموظفين أداة للضغط الاجتماعي، وإدارة السكان في مناطق سيطرتها.

وتحوّل الجماعة ذكرى المولد النبوي إلى مناسبة سياسية وتعبوية واسعة، عبر إقامة فعاليات في المدن، والبلدات، والأرياف، وحشد السكان والطلاب والموظفين للمشاركة فيها، بالتوازي مع خطاب يروّج لأفكارها المتعلقة بأحقيتها السياسية والسلالية في الحكم.

تجنيد القاصرين

في محافظة الحديدة (غرب) أفادت مصادر محلية بأن الجماعة دفعت خلال الأيام الماضية بمئات المجندين، غالبيتهم من القاصرين، إلى أطراف مديرية الجراحي، حيث جرى نقلهم على متن عربات دفع رباعي خلال ساعات الليل، قبل توزيعهم على مواقع في مناطق التماس مع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن عشرات العربات شوهدت وهي تنقل مجندين شباناً من أرياف المديرية إلى منطقتي الجربة، والمعامرة، فيما تلقى آخرون أوامر بالتمركز في مواقع على امتداد الطريق المؤدي من جسر نخلة إلى منطقة القهرة.

الحوثيون مستمرون في تجنيد طلاب المدارس وإلحاقهم بالجبهات (إعلام محلي)

كما دفعت الجماعة بعشرات المجندين إلى عزلة المعاصلة، جنوب الجراحي، في وقت تعرضت فيه مواقع حوثية هناك لاستهداف من القوات الحكومية، ما أدى، وفق المصادر، إلى سقوط قتلى في صفوف الجماعة.

وبحسب المصادر نفسها، أرسلت الجماعة الحوثية مجموعة أخرى من المجندين الذين جرى استقطابهم قسراً إلى محيط مناطق البغيل، والعبادية العليا، والسفلى، والجلادة، شرق الجراحي، وحولتها إلى منطقة عسكرية مغلقة.

وأشارت إلى أن الحوثيين نشروا مواقع وثكنات عسكرية في مناطق مختلفة من المديرية، وسيروا دوريات مسلحة على مدار الساعة، في إجراءات قالت المصادر إنها تهدف، من بين أمور أخرى، إلى منع المجندين الجدد من الفرار، ومنع دخول أشخاص من خارج المنطقة.

ويأتي ذلك في سياق أوسع من عمليات التجنيد التي تستهدف طلاب المدارس، والشبان العاطلين من العمل، إذ تعتمد الجماعة على الأنشطة التعبوية، والفعاليات الدينية، والمساعدات المحدودة، ووعود مالية لاستقطاب مزيد من العناصر، قبل دفع بعضهم إلى مناطق التماس.

موارد متزايدة للتعبئة

بالتوازي مع تصعيد عمليات التجنيد، قالت المصادر إن الجماعة الحوثية حصلت على دعم مالي من إيران، إلى جانب استمرارها في الحصول على إيرادات مرتبطة ببيع شحنات من النفط والغاز الإيراني التي تصل إليها، وفق المصادر، عبر مسارات بحرية تمر ببحر العرب، وسواحل القرن الأفريقي، والمحيط الهندي، بعيداً عن الموانئ الإيرانية الخاضعة للعقوبات، والرقابة الأميركية.

وأضافت أن الحوثيين رفعوا، بالتزامن مع ذلك، الرسوم الجمركية في المنافذ التي استحدثوها على خطوط التماس مع مناطق سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في محاولة لدفع التجار إلى تحويل بضائعهم عبر الموانئ والمنافذ الخاضعة للجماعة.

وبحسب المصادر، تستهدف هذه الإجراءات الحفاظ على الإيرادات الجمركية التي يمكن أن تخسرها الجماعة عندما تدخل الواردات عبر الموانئ والمنافذ البرية والبحرية التابعة للحكومة.

الحوثيون يجبرون السكان والباعة والمتسوقين على المشاركة في التعبئة (إعلام محلي)

ويشير هذا المسار إلى اعتماد الجماعة على شبكة واسعة من الجبايات والرسوم والإيرادات غير الرسمية لتمويل مؤسساتها، وأنشطتها، في الوقت الذي تتراجع فيه الخدمات العامة، وتتفاقم الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرتها.

«إدارة الفقر» بدل الرواتب

في المقابل، أكدت المصادر أن الجماعة الحوثية أسقطت أسماء آلاف الموظفين اليمنيين من قوائم الرواتب في قطاعي التربية، والداخلية، لإحلال عناصر موالية لها مكانهم ضمن ما يعرف بنظام «البصمة»، وقالت إنها تستعد لإدراج عشرات الآلاف من مجنديها والمصابين في المعارك ضمن عملية إحلال مماثلة في وزارة الداخلية.

وأثارت هذه الإجراءات انتقادات من ناشطين يمنيين، حيث اتهموا حكومة الحوثيين غير المعترف بها ووزير ماليتها، عبد الجبار الجرموزي، بتحويل ملف الرواتب إلى وسيلة لـ«إدارة الفقر»، ونفوا أن يكون استمرار تأخير صرف الرواتب ناجماً فقط عن عجز مالي.

اتهامات لحكومة الحوثيين بإدارة الفقر لضمان استمرار السيطرة على السكان (إعلام محلي)

وقال ناشطون إن اعتماد صرف نصف راتب على فترات متباعدة يحوّل الراتب من حق ثابت للموظف إلى منحة استثنائية مرتبطة بقرارات الجماعة، محذرين من أن يتطور الأمر إلى صرف نصف راتب كل شهرين، أو ربع راتب كل ثلاثة أشهر، وصولاً إلى فقدان الموظف راتبه بصورة شبه كاملة.

وبحسب هؤلاء، أصبح الموظف الحكومي الحلقة الأضعف في مناطق سيطرة الحوثيين، إذ لا يمتلك سلاحاً، أو نفوذاً، أو أدوات ضغط، في حين تتعامل الجماعة مع راتبه باعتباره أولوية متأخرة مقارنة بالإنفاق على أنشطتها العسكرية، والتعبوية.

ويقول الموظفون إنهم لا يطالبون بصدقة، وإنما بحقوق مالية مقابل سنوات من العمل، في وقت تواجه فيه أسرهم ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتراجع قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية.

كما انتقد ناشطون التناقض بين الخطاب الديني الذي تتبناه الجماعة الحوثية وممارساتها تجاه الموظفين، والسكان، معتبرين أن استخدام الشعارات الدينية في الفعاليات لا ينسجم مع استمرار حرمان الموظفين من حقوقهم المالية.


التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين

الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)
TT

التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين

الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)

تواجه الأسر اليمنية في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية ضغوطاً معيشية متصاعدة، مع عودة التوتر العسكري والمواجهات المسلحة، وسط مخاوف من أن يفتح التصعيد جبهة جديدة ضد اقتصاد أنهكته سنوات الحرب، ويعمق الفقر وانعدام الأمن الغذائي، بعدما استنفد ملايين اليمنيين معظم قدرتهم على التكيف مع الأزمة.

وكشفت مصادر إغاثية عن تدهور ملحوظ في الأوضاع الإنسانية في صنعاء ومدن يمنية أخرى، محذرة من أن القيود الميدانية المستمرة وتقليص المساعدات الدولية يضعان المنظمات الإنسانية أمام فجوة متزايدة بين حجم الاحتياجات وقدرتها على الاستجابة، بما يهدد باتساع دائرة الاحتياج بين الفئات الأكثر هشاشة.

ولا تقتصر آثار التصعيد على المناطق التي تشهد مواجهات مباشرة، بل تمتد سريعاً إلى الأسواق وحركة النقل وأسعار السلع والوقود، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتوفير احتياجاته الأساسية. ويعني أي اضطراب في طرق التجارة أو حركة الشحن ارتفاعاً إضافياً في كلفة السلع والخدمات، بينما تجد الأسر محدودة الدخل نفسها أمام خيارات أقل لمواجهة الزيادات المتلاحقة.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين للتضامن مع إيران (أ.ف ب.)

وتقول مصادر محلية إن الأسر في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين باتت تتعامل مع السوق بمنطق مختلف عما كان عليه الحال قبل سنوات، إذ لم تعد القدرة الشرائية تقاس بحجم الدخل وحده، وإنما بعدد الاحتياجات التي يمكن الاستغناء عنها لتوفير الضروريات.

ويؤكد سكان في العاصمة المختطفة أن الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية، بالتزامن مع تراجع فرص العمل وعدم انتظام الرواتب، جعل تأمين الاحتياجات الأساسية مهمة أكثر صعوبة، خصوصاً للأسر التي تعتمد على دخل ثابت أو أعمال يومية غير منتظمة.

ندرة فرص العمل

يقول «أحمد»، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إن المشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، وإنما أيضاً بعدم ضمان الحصول على عمل يومي. ويضيف أن العامل «قد يعمل عدة أيام، ثم تمر أيام من دون دخل»، بينما تبقى التزامات الإيجار والطعام والمواصلات وتكاليف الأطفال قائمة.

ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار يتزامن مع غياب فرص العمل وانقطاع الرواتب لدى قطاعات واسعة، ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار المواد الأساسية عبئاً يصعب تحمله.

أسر يمنية في صنعاء تلجأ لتأمين وجبات طعام من المخلفات (الشرق الأوسط)

من جانبه، يقول موظف في القطاع الخاص شمال صنعاء، اشترط عدم ذكر اسمه، إن الراتب «لم يعد يكفي كما كان». ويضيف أن الذهاب إلى السوق بات يتطلب حساب قيمة كل سلعة قبل شرائها، وأحياناً تكتفي الأسرة ببعض الاحتياجات وتؤجل شراء أخرى إلى الشهر التالي.

ويضيف أن ارتفاع تكاليف المواصلات والغذاء يفرض ضغطاً إضافياً على الأسر التي تعتمد على راتب ثابت، خصوصاً مع تراجع فرص العمل وارتفاع الالتزامات اليومية.

أما «سميرة»، وهي أم لثلاثة أطفال تقيم في ضواحي العاصمة، فتقول إن أسرتها اضطرت إلى تغيير نمط استهلاكها الغذائي، مضيفة: «أصبحنا نشتري الكمية الأقل من المواد الغذائية، ونحاول أن نجعل ما لدينا يكفي لأطول فترة ممكنة. الأشياء التي كانت عادية بالنسبة لنا باتت تحتاج إلى حساب».

التصعيد يهدد الأسواق

تتجاوز المخاوف المعيشية لدى سكان صنعاء حدود القلق من تجدد القتال، إذ تعني كل جولة تصعيد احتمالاً جديداً لفقدان الدخل أو ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات، في وقت استُنفدت فيه معظم وسائل التكيف التي لجأت إليها الأسر خلال سنوات الأزمة.

ويخشى السكان أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى موجة جديدة من الغلاء، خصوصاً مع هشاشة سلاسل الإمداد واعتماد السوق اليمنية على الواردات. كما أن ارتفاع كلفة النقل والشحن قد ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية.

مسيَّرة حوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ويرى مراقبون وباحثون يمنيون أن الاقتصاد المحلي لم يستعد قدرته على امتصاص صدمات جديدة، بعد سنوات من تراجع النشاط التجاري وتدهور مصادر الدخل وانقسام المؤسسات الاقتصادية والمالية، في حين أصبحت الأسر أكثر تعرضاً لأي ارتفاع مفاجئ في الأسعار.

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على السلع، إذ يمكن أن يؤدي اتساع المواجهات إلى تراجع النشاط التجاري وفرص العمل، بما يضع مزيداً من الأسر أمام فقدان مصادر دخلها، ويزيد الاعتماد على المساعدات في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية نقصاً في التمويل والموارد.

وتحذر مصادر في المجال الإنساني من أن استمرار التصعيد قد يوسع دائرة الاحتياج، خصوصاً بين النازحين والأطفال والنساء والأسر التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب، في وقت تواجه فيه المنظمات قيوداً ميدانية وصعوبات متزايدة في الوصول إلى بعض الفئات.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية تتصدى لهجمات حوثية (إعلام عسكري)

ومع تجدد المواجهات، تبرز أيضاً مخاوف من اضطرار أسر جديدة إلى النزوح، بما يفرض عليها أعباء إضافية تشمل الإيجارات والغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما لا تزال قدرة الاستجابة الإنسانية على تغطية هذه الاحتياجات محدودة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحذيرات الأمم المتحدة من أن اليمن يواجه خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، في ظل استمرار التصعيد العسكري على عدد من الجبهات وتدهور الوضع الإنساني.


اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
TT

اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

كشفت تقارير حقوقية يمنية عن تصاعد ممنهج في الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في العاصمة المختطفة صنعاء، موثِّقةً أكثر من 3900 انتهاك خلال عامي 2024 و2025، بينها القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والمحاكمات السياسية وقمع الحريات.

ووثَّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء (حكومي) نحو 3219 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة ضد سكان العاصمة المختطفة ومديرياتها العشر خلال عامين، في وقت أظهر تقرير حقوقي آخر تسجيل 761 انتهاكاً خلال عام 2025 وحده، إلى جانب 129 انتهاكاً طالت موظفي المنظمات الإنسانية والأممية.

وتشير هذه الأرقام، وفقاً للجهتين، إلى اتساع نطاق الانتهاكات الحوثية وتنوع أدواتها، من القمع الأمني المباشر إلى الضغط الاقتصادي وملاحقة النشاط المدني والحقوقي، بما في ذلك معاقبة مواطنين على خلفيات تتصل بالتعبير عن الهوية الوطنية.

عناصر حوثيون يستقلون سيارة عسكرية في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال مكتب حقوق الإنسان بصنعاء والتابع للسلطة المحلية الشرعية إن الانتهاكات التي رصدها خلال عامي 2024 و2025 توزعت على 14 نمطاً إجرامياً، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتهجير، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات والجبايات غير القانونية.

وأوضح المكتب، في تقرير حمل عنوان «ذاكرة الألم»، أنه وثق 105 حالات قتل، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 135 حالة تعذيب جسدي ونفسي، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و268 حالة اعتداء وإصابة.

وسجَّل التقرير أكثر من 1537 انتهاكاً خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 1682 انتهاكاً في 2025، بزيادة بلغت 145 انتهاكاً، أو ما نسبته 9.4 في المائة.

كما وثَّق المكتب 307 محاكمات ذات طابع سياسي، صدرت خلالها 39 حكماً بالإعدام بحق معارضين وناشطين، في مؤشر، بحسب التقرير، على استخدام القضاء أداة في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين للجماعة.

بائع متجول يعرض ملابس شتوية مستعملة للبيع في صنعاء (إ.ب.أ)

وطالت الانتهاكات كذلك الفئات الأكثر هشاشة، إذ رصد التقرير 299 انتهاكاً بحق الأطفال و102 انتهاكاً بحق النساء، فضلاً عن أكثر من 382 حالة تعسف وإقصاء وظيفي، و199 اعتداء على الحريات العامة، و167 انتهاكاً لحرية التنقل.

وفي ملف الممتلكات، سجَّل التقرير 302 حالة نهب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب 125 حالة تهجير قسري وهدم منازل، في سياق ما وصفه المكتب باتساع أنماط السيطرة الحوثية على حياة السكان وممتلكاتهم.

قمع المنظمات وتجويع السكان

لم تقتصر الانتهاكات، وفق التقرير الحكومي، على المدنيين، بل امتدت إلى موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية والإنسانية، حيث تحدث عن تصعيد شمل الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام مقرات المنظمات ومصادرة محتوياتها.

ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن «منظمة دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثَّق 129 انتهاكاً بحق المنظمات الإنسانية والأممية خلال العام الماضي، بينها اختطاف 52 موظفاً وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية.

واتهم التقرير الجماعة الحوثية باستخدام الاقتصاد وسيلة للعقاب الجماعي، مشيراً إلى استمرار انقطاع مرتبات نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، بالتزامن مع فرض الإتاوات والجبايات، وهو ما قال إنه أسهم في تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة.

سكان صنعاء يتخوفون من انهيار معيشي جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

ووفق التقرير، دفعت هذه السياسات نحو 80 في المائة من الأسر إلى ما دون خط الفقر، بينما وصل نصف سكان العاصمة إلى مرحلة العجز الغذائي الحاد، في صورة تعكس، بحسب معديه، انتقال القمع من الاعتقال والملاحقة إلى أدوات اقتصادية تمس القدرة اليومية على البقاء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في صنعاء، التي تضم كتلة سكانية كبيرة وتخضع منذ سنوات لسيطرة الجماعة الحوثية، فيما يعتمد جزء واسع من السكان على رواتب القطاع العام والمساعدات والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

ملاحقة العلم اليمني

وثَّق تقرير منظمة «دي يمنت» نمطاً آخر من الانتهاكات المرتبطة بالمناسبات الوطنية والرموز اليمنية، إذ قال إنه سجَّل 156 انتهاكاً خلال شهر واحد بحق مواطنين على خلفية رفع العلم اليمني أو إحياء مناسبة وطنية.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، اختطاف 103 أشخاص، بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين قسراً، إلى جانب مداهمة 12 منزلاً.

ويرسم هذا النوع من الانتهاكات، وفق التقرير، صورة عن طبيعة القيود التي تفرضها الجماعة على المجال العام، حيث لم تعد الملاحقة مرتبطة فقط بالنشاط السياسي المباشر، وإنما امتدت إلى مظاهر التعبير عن الهوية الوطنية والاحتفاء بالمناسبات العامة.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأكَّد مكتب حقوق الإنسان بصنعاء أن الأرقام الواردة في تقريره لا تمثل جميع الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة خلال الفترة محل الرصد، وإنما الحالات التي تمكن فريقه من الوصول إليها والتحقق منها، مما يرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من الأرقام الموثقة.

ودعا المكتب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك وعدم السماح بمرور الانتهاكات من دون مساءلة، والعمل على إنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً متزايدة على الحركة والنشاط، بينما لا تزال قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً والمحاكمات ذات الطابع السياسي من أبرز الملفات التي تعيق أي تقدم في مسار معالجة آثار الصراع اليمني.