رغيف الخبز... هَمٌّ يومي يؤرق حياة السوريين

«الشرق الأوسط» ترصد الواقع في دمشق ودرعا

سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)
سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)
TT

رغيف الخبز... هَمٌّ يومي يؤرق حياة السوريين

سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)
سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)

لا تتوقف عملية الحصول على الخبز من الأفران المدعومة على التدافع القوي والسجالات؛ بل غالباً ما تتطور إلى إشكالات يتم خلالها تبادل شتى أنواع الضربات، ومنها ما يتسبب في حدوث حالات إغماء وإصابات بالأطراف وجلطات قلبية.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد أيضاً؛ بل يصل إلى درجة استخدام البعض أسلحة نارية فردية، أو إطلاق نار في الهواء، بينما يستخدم آخرون أسلحة بيضاء، في محافظة درعا، جنوب سوريا؛ إذ تعرض مندوب توزيع مادة الخبز في بلدة تسيل بمنطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، إلى محاولة اغتيال، ليلة الاثنين- الثلاثاء؛ حيث أطلق مجهولون النار عليه أثناء قيادة سيارته في البلدة، واقتصرت الأضرار على المادية.
كما ظهرت عدة إشكالات في عدة قرى وبلدات في درعا مؤخراً، بين مواطنين وأصحاب الأفران، ومعتمدين لتوزيع مادة الخبز من الأفران المدعومة من الدولة، تم ضبطها دون أن تتطور.
وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية، قد أعلنت قبل أيام تطبيق آلية توزيع مادة الخبز في محافظة درعا، وفق برنامج توزيع المخصصات عبر «البطاقة الذكية» التي تتيح للفرد من كل عائلة 3 أرغفة من الخبز، كسائر بقية المحافظات السورية، وإيقاف التعامل بالعملية القديمة للتوزيع.
ورغم أن هذا القرار وعملية التوزيع بحسب البطاقة الذكية كان معتمداً في المحافظات السورية منذ سنة تقريباً، باستثناء محافظة درعا، فإنه طُبق مؤخراً في محافظة درعا وسائر المدن والبلدات التي تصلها مخصصات بشكل دوري من مادة الطحين المدعوم.

- ربطات خبز
وبحسب قرار توزيع الخبز، وفقاً لما حددته وزارة التجارة وحماية المستهلك السورية، يمكن للشخص الواحد شراء 4 ربطات من الخبز أسبوعياً، بمعدل ربطة كل يوم، ما عدا الأحد والثلاثاء (الربطة 7 أرغفة)، بينما يحق للأسرة المؤلفة من شخصين شراء 6 ربطات من الخبز أسبوعياً، بمعدل ربطة كل يوم. وللأسرة المؤلفة من 3 أشخاص 7 ربطات أسبوعياً، بمعدل ربطة كل يوم، ما عدا يوم الخميس فقط؛ لها ربطتان. وللعائلة المؤلفة من 4 أشخاص شراء 10 ربطات من الخبز أسبوعياً، أي لها كل يوم ربطتان، ما عدا الأحد والثلاثاء فلها ربطة واحدة. وللأسرة من 5 أشخاص 12 ربطة أسبوعياً، بمعدل ربطتين يومياً. وللأسرة من 6 أشخاص 14 ربطة أسبوعياً، بمعدل ربطتين يومياً، ما عدا يوم الخميس فلها 4 ربطات. ويحق للأسرة التي يتراوح أفرادها بين 7 و8 شراء 18 ربطة من الخبز، بمعدل 3 ربطات يومياً، والأسرة من 9 و10 و11 فرداً، لها 24 ربطة أسبوعياً، بمعدل 4 ربطات يومياً، والأسرة من 12 أو 13 فرداً، لها 30 ربطة أسبوعياً، بمعدل 5 ربطات يومياً، والأسرة المؤلفة من 14 شخصاً، شراء 36 ربطة أسبوعياً، بمعدل 6 ربطات يومياً.
ووفقاً لمسؤول تحرير شبكة «درعا 24» في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، فإن المشكلة الأكبر التي يعاني منها المواطنون حالياً هي عدد أفراد الأسرة المسجلين على البطاقة الذكية؛ حيث إن موظفي شركة «تكامل» ومسؤولي الأسر عند إصدار البطاقة لم يكترثوا بإنزال جميع أفراد الأسرة على الحاسوب؛ لأن البطاقة كانت لأجل الحصول على الغاز والمازوت المدعوم، وهاتان المادتان يتم توزيعهما بشكل متساوٍ على العائلات، دون النظر إلى عدد أفراد الأسرة، ولكن بدأت المشكلة عندما بدأ توزيع مادتي السكر والأرز المدعومين بحسب عدد الأفراد المسجلين على البطاقة عند استخراجها؛ حيث يتفاجأ رب الأسرة المكونة من 7 أفراد بتسلم مادة الخبز أو الأرز والسكر عن 3 أو 4 من أفراد عائلته فقط، وكان الحل في مراجعة أحد مراكز «تكامل» المخصصة لاستخراج البطاقة الذكية للمواطنين في مدينة درعا، وأخذ بيان عائلي جديد، وتسجيل الأفراد كلهم.
بعض المواطنين عدَّل وضعه، والأغلبية لم تكترث؛ نتيجة الأزمة الكبيرة في مراكز «تكامل» الثلاثة فقط الموجودة في مدينة درعا، بالإضافة لقلة عدد الأجهزة وتقليص عدد المعتمدين، إضافة لوجود الملاحقات الأمنية القديمة التي منعت الشخص من استخراج البطاقة، أو الذهاب إلى مراكز تحصيل الأوراق الرسمية التي تخوله للتسجيل في مراكز «تكامل» بمدينة درعا.
وأضاف أن كثيراً من العائلات تعتمد في جميع وجباتها على مادة الخبز، وهو عنصر أساسي في الحياة ولدى الجميع؛ لكن حتى الذي يحصل على كامل مخصصاته من الخبز المدعوم الذي تباع فيه 7 أرغفة بسعر 200 ليرة سورية، لا تكفيه في الأيام التي حددها برنامج التوزيع والتسلم. وليست كل العائلات قادرة على شراء الخبز من الأفران الخاصة؛ حيث يتراوح سعر 7 أرغفة من مادة الخبز في الأفران الخاصة بين 1500 و2200 ليرة سورية، بينما راتب الموظف السوري يصل إلى 90 ألف ليرة سورية فقط، وهذه مشكلة عامة في سوريا، وليست خاصة بمحافظة درعا. ورغم أن محافظة درعا من المحافظات الزراعية التي تشتهر بزراعة القمح؛ فإن الزراعة تراجعت إلى مستويات كبيرة خلال السنوات الماضية. وتعتبر محافظة درعا من المناطق الريفية في سوريا، ومن الحلول التي قد يلجأ لها المواطنون: العودة إلى الماضي، وإعداد الخبز بشكل يومي في مخابز توقد من الحطب؛ نتيجة لغلاء مادة الغاز في السوق السوداء؛ حيث يصل سعر القارورة الواحدة إلى أكثر من 100 ألف ليرة سورية، بينما الغاز المدعوم يوزع قارورة لكل عائلة كل 40 يوماً تقريباً، وأحيانا كل 90 يوماً، وذلك بحسب توفُّر مادة الغاز في البلاد.

- معركة مريرة
وفي دمشق، يصف أحد سكان أحياء أطراف العاصمة السورية لـ«الشرق الأوسط»، عملية الحصول على مخصصات عائلته من الخبز المدعوم، بأنها «معركة مريرة! القتال على الجبهات أسهل منها بكثير»، وتبدأ هذه المعركة اليومية لدى السواد الأعظم لسكان العاصمة الفقراء، منذ شروق الشمس حتى العصر.
وبسبب قساوة المعركة، يفضل الرجل الذهاب بنفسه إلى الفرن، وعدم إرسال أحد أولاده أو زوجته أو ابنته. ورغم وجود طوابير (مدنية- عسكرية- نسائية)، على كل فرن يصطف فيها الأهالي، فإن الدور في هذه الطوابير وجوده وعدمه واحد، بسبب تجاوزات كثيفة تحصل طوال ساعات عمل الأفران، ما يؤدي إلى اشتعال نيران المعركة التي تتعدد أطرافها بين المواطنين «العاديين» و«أصحاب نفوذ» و«منظمي الدور»، والعاملين على منافذ البيع داخل الأفران.
ويعد «أصحاب النفوذ» (ضباط، وعناصر جيش وأمن، ومجموعات مسلحة موالية للحكومة، وموظفو الوزارات والمؤسسات الرفيعة المستوى) الأوفر حظاً في الحصول على الخبز من دون عناء؛ إذ بمجرد وصولهم أمام الأفران، يبادر «منظمو الدور» إلى إفساح المجال لهم للوصول إلى نوافذ البيع والحصول على الخبز مباشرة. كما تلعب العلاقات الشخصية دوراً مهماً في الحصول على الخبز. وفي ظل هذه الحال، يبقى الأشخاص العاديون المصطفون في طوابير الدور ينتظرون لساعات طويلة، على أمل وصول دورهم الذي قد تنتهي فترة عمل الفرن قبل وصوله، بينما الحسرة واللوعة تظهر بوضوح عليهم، وهم يشاهدون كميات ربطات الخبز التي يحصل عليها «أصحاب النفوذ» و«ذوو العضلات» و«العلاقات الشخصية» و«بائعو الأرصفة». وأضاف أنه رغم ألم وقساوة معركة الحصول على «الخبز المدعوم»، فإن الأهالي مجبرون على خوضها، بعدما باتوا تحت خط الفقر، وازدادت كميات استهلاكهم من الخبز، بعد تحول الطبخ بالنسبة لهم إلى حلم بعيد المنال، بسبب الارتفاع المستمر والمتسارع في الأسعار، وكذلك تواصل فقدان مرتباتهم الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها، على أثر التراجع القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، ووصوله حالياً إلى أكثر من 3500 ليرة، بعدما كان قبل سنوات الحرب ما بين 45 و50 ليرة.
وتعتبر حالات الازدحام الخانقة على الأفران، ليست جديدة، فهي موجودة منذ اندلاع الحرب في سوريا قبل أكثر من 10 سنوات، ولكنها اشتدت قبل نحو عام، مع ازدياد تفاقم أزمة توفر الطحين، بعدما اعتادت البلاد قبل عام 2011 إنتاج 4 ملايين طن من القمح كل موسم، وتصدير 1.5 مليون طن سنوياً.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.