رغيف الخبز... هَمٌّ يومي يؤرق حياة السوريين

«الشرق الأوسط» ترصد الواقع في دمشق ودرعا

سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)
سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)
TT

رغيف الخبز... هَمٌّ يومي يؤرق حياة السوريين

سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)
سوريون أمام فرن للحصول على خبز في درعا جنوب البلاد (درعا 24)

لا تتوقف عملية الحصول على الخبز من الأفران المدعومة على التدافع القوي والسجالات؛ بل غالباً ما تتطور إلى إشكالات يتم خلالها تبادل شتى أنواع الضربات، ومنها ما يتسبب في حدوث حالات إغماء وإصابات بالأطراف وجلطات قلبية.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد أيضاً؛ بل يصل إلى درجة استخدام البعض أسلحة نارية فردية، أو إطلاق نار في الهواء، بينما يستخدم آخرون أسلحة بيضاء، في محافظة درعا، جنوب سوريا؛ إذ تعرض مندوب توزيع مادة الخبز في بلدة تسيل بمنطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، إلى محاولة اغتيال، ليلة الاثنين- الثلاثاء؛ حيث أطلق مجهولون النار عليه أثناء قيادة سيارته في البلدة، واقتصرت الأضرار على المادية.
كما ظهرت عدة إشكالات في عدة قرى وبلدات في درعا مؤخراً، بين مواطنين وأصحاب الأفران، ومعتمدين لتوزيع مادة الخبز من الأفران المدعومة من الدولة، تم ضبطها دون أن تتطور.
وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية، قد أعلنت قبل أيام تطبيق آلية توزيع مادة الخبز في محافظة درعا، وفق برنامج توزيع المخصصات عبر «البطاقة الذكية» التي تتيح للفرد من كل عائلة 3 أرغفة من الخبز، كسائر بقية المحافظات السورية، وإيقاف التعامل بالعملية القديمة للتوزيع.
ورغم أن هذا القرار وعملية التوزيع بحسب البطاقة الذكية كان معتمداً في المحافظات السورية منذ سنة تقريباً، باستثناء محافظة درعا، فإنه طُبق مؤخراً في محافظة درعا وسائر المدن والبلدات التي تصلها مخصصات بشكل دوري من مادة الطحين المدعوم.

- ربطات خبز
وبحسب قرار توزيع الخبز، وفقاً لما حددته وزارة التجارة وحماية المستهلك السورية، يمكن للشخص الواحد شراء 4 ربطات من الخبز أسبوعياً، بمعدل ربطة كل يوم، ما عدا الأحد والثلاثاء (الربطة 7 أرغفة)، بينما يحق للأسرة المؤلفة من شخصين شراء 6 ربطات من الخبز أسبوعياً، بمعدل ربطة كل يوم. وللأسرة المؤلفة من 3 أشخاص 7 ربطات أسبوعياً، بمعدل ربطة كل يوم، ما عدا يوم الخميس فقط؛ لها ربطتان. وللعائلة المؤلفة من 4 أشخاص شراء 10 ربطات من الخبز أسبوعياً، أي لها كل يوم ربطتان، ما عدا الأحد والثلاثاء فلها ربطة واحدة. وللأسرة من 5 أشخاص 12 ربطة أسبوعياً، بمعدل ربطتين يومياً. وللأسرة من 6 أشخاص 14 ربطة أسبوعياً، بمعدل ربطتين يومياً، ما عدا يوم الخميس فلها 4 ربطات. ويحق للأسرة التي يتراوح أفرادها بين 7 و8 شراء 18 ربطة من الخبز، بمعدل 3 ربطات يومياً، والأسرة من 9 و10 و11 فرداً، لها 24 ربطة أسبوعياً، بمعدل 4 ربطات يومياً، والأسرة من 12 أو 13 فرداً، لها 30 ربطة أسبوعياً، بمعدل 5 ربطات يومياً، والأسرة المؤلفة من 14 شخصاً، شراء 36 ربطة أسبوعياً، بمعدل 6 ربطات يومياً.
ووفقاً لمسؤول تحرير شبكة «درعا 24» في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، فإن المشكلة الأكبر التي يعاني منها المواطنون حالياً هي عدد أفراد الأسرة المسجلين على البطاقة الذكية؛ حيث إن موظفي شركة «تكامل» ومسؤولي الأسر عند إصدار البطاقة لم يكترثوا بإنزال جميع أفراد الأسرة على الحاسوب؛ لأن البطاقة كانت لأجل الحصول على الغاز والمازوت المدعوم، وهاتان المادتان يتم توزيعهما بشكل متساوٍ على العائلات، دون النظر إلى عدد أفراد الأسرة، ولكن بدأت المشكلة عندما بدأ توزيع مادتي السكر والأرز المدعومين بحسب عدد الأفراد المسجلين على البطاقة عند استخراجها؛ حيث يتفاجأ رب الأسرة المكونة من 7 أفراد بتسلم مادة الخبز أو الأرز والسكر عن 3 أو 4 من أفراد عائلته فقط، وكان الحل في مراجعة أحد مراكز «تكامل» المخصصة لاستخراج البطاقة الذكية للمواطنين في مدينة درعا، وأخذ بيان عائلي جديد، وتسجيل الأفراد كلهم.
بعض المواطنين عدَّل وضعه، والأغلبية لم تكترث؛ نتيجة الأزمة الكبيرة في مراكز «تكامل» الثلاثة فقط الموجودة في مدينة درعا، بالإضافة لقلة عدد الأجهزة وتقليص عدد المعتمدين، إضافة لوجود الملاحقات الأمنية القديمة التي منعت الشخص من استخراج البطاقة، أو الذهاب إلى مراكز تحصيل الأوراق الرسمية التي تخوله للتسجيل في مراكز «تكامل» بمدينة درعا.
وأضاف أن كثيراً من العائلات تعتمد في جميع وجباتها على مادة الخبز، وهو عنصر أساسي في الحياة ولدى الجميع؛ لكن حتى الذي يحصل على كامل مخصصاته من الخبز المدعوم الذي تباع فيه 7 أرغفة بسعر 200 ليرة سورية، لا تكفيه في الأيام التي حددها برنامج التوزيع والتسلم. وليست كل العائلات قادرة على شراء الخبز من الأفران الخاصة؛ حيث يتراوح سعر 7 أرغفة من مادة الخبز في الأفران الخاصة بين 1500 و2200 ليرة سورية، بينما راتب الموظف السوري يصل إلى 90 ألف ليرة سورية فقط، وهذه مشكلة عامة في سوريا، وليست خاصة بمحافظة درعا. ورغم أن محافظة درعا من المحافظات الزراعية التي تشتهر بزراعة القمح؛ فإن الزراعة تراجعت إلى مستويات كبيرة خلال السنوات الماضية. وتعتبر محافظة درعا من المناطق الريفية في سوريا، ومن الحلول التي قد يلجأ لها المواطنون: العودة إلى الماضي، وإعداد الخبز بشكل يومي في مخابز توقد من الحطب؛ نتيجة لغلاء مادة الغاز في السوق السوداء؛ حيث يصل سعر القارورة الواحدة إلى أكثر من 100 ألف ليرة سورية، بينما الغاز المدعوم يوزع قارورة لكل عائلة كل 40 يوماً تقريباً، وأحيانا كل 90 يوماً، وذلك بحسب توفُّر مادة الغاز في البلاد.

- معركة مريرة
وفي دمشق، يصف أحد سكان أحياء أطراف العاصمة السورية لـ«الشرق الأوسط»، عملية الحصول على مخصصات عائلته من الخبز المدعوم، بأنها «معركة مريرة! القتال على الجبهات أسهل منها بكثير»، وتبدأ هذه المعركة اليومية لدى السواد الأعظم لسكان العاصمة الفقراء، منذ شروق الشمس حتى العصر.
وبسبب قساوة المعركة، يفضل الرجل الذهاب بنفسه إلى الفرن، وعدم إرسال أحد أولاده أو زوجته أو ابنته. ورغم وجود طوابير (مدنية- عسكرية- نسائية)، على كل فرن يصطف فيها الأهالي، فإن الدور في هذه الطوابير وجوده وعدمه واحد، بسبب تجاوزات كثيفة تحصل طوال ساعات عمل الأفران، ما يؤدي إلى اشتعال نيران المعركة التي تتعدد أطرافها بين المواطنين «العاديين» و«أصحاب نفوذ» و«منظمي الدور»، والعاملين على منافذ البيع داخل الأفران.
ويعد «أصحاب النفوذ» (ضباط، وعناصر جيش وأمن، ومجموعات مسلحة موالية للحكومة، وموظفو الوزارات والمؤسسات الرفيعة المستوى) الأوفر حظاً في الحصول على الخبز من دون عناء؛ إذ بمجرد وصولهم أمام الأفران، يبادر «منظمو الدور» إلى إفساح المجال لهم للوصول إلى نوافذ البيع والحصول على الخبز مباشرة. كما تلعب العلاقات الشخصية دوراً مهماً في الحصول على الخبز. وفي ظل هذه الحال، يبقى الأشخاص العاديون المصطفون في طوابير الدور ينتظرون لساعات طويلة، على أمل وصول دورهم الذي قد تنتهي فترة عمل الفرن قبل وصوله، بينما الحسرة واللوعة تظهر بوضوح عليهم، وهم يشاهدون كميات ربطات الخبز التي يحصل عليها «أصحاب النفوذ» و«ذوو العضلات» و«العلاقات الشخصية» و«بائعو الأرصفة». وأضاف أنه رغم ألم وقساوة معركة الحصول على «الخبز المدعوم»، فإن الأهالي مجبرون على خوضها، بعدما باتوا تحت خط الفقر، وازدادت كميات استهلاكهم من الخبز، بعد تحول الطبخ بالنسبة لهم إلى حلم بعيد المنال، بسبب الارتفاع المستمر والمتسارع في الأسعار، وكذلك تواصل فقدان مرتباتهم الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها، على أثر التراجع القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، ووصوله حالياً إلى أكثر من 3500 ليرة، بعدما كان قبل سنوات الحرب ما بين 45 و50 ليرة.
وتعتبر حالات الازدحام الخانقة على الأفران، ليست جديدة، فهي موجودة منذ اندلاع الحرب في سوريا قبل أكثر من 10 سنوات، ولكنها اشتدت قبل نحو عام، مع ازدياد تفاقم أزمة توفر الطحين، بعدما اعتادت البلاد قبل عام 2011 إنتاج 4 ملايين طن من القمح كل موسم، وتصدير 1.5 مليون طن سنوياً.



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.