انطلاق الحوار الأميركي ـ الروسي لمنع حرب جديدة في أوروبا

موسكو تشدد على «ضمانات أمنية»... وواشنطن تخيّرها بين الدبلوماسية والمواجهة

الجانبان الأميركي والروسي لدى بدء الحوار الاستراتيجي بينهما في جنيف أمس (أ.ب)
الجانبان الأميركي والروسي لدى بدء الحوار الاستراتيجي بينهما في جنيف أمس (أ.ب)
TT

انطلاق الحوار الأميركي ـ الروسي لمنع حرب جديدة في أوروبا

الجانبان الأميركي والروسي لدى بدء الحوار الاستراتيجي بينهما في جنيف أمس (أ.ب)
الجانبان الأميركي والروسي لدى بدء الحوار الاستراتيجي بينهما في جنيف أمس (أ.ب)

أجرت الولايات المتحدة وروسيا أمس، في جنيف محادثات رفيعة المستوى في مستهل أسبوع من الاجتماعات التي تسعى إلى تجنب أخطر أزمة تواجه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة إذا أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتحريك حشوده العسكرية لغزو أوكرانيا، في ظل مطالب موسكو باتفاق أمني جديد يشمل «ضمانات أمنية» بعدم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقاً في اتجاه الأراضي الروسية.
وفي سياق يعيد إلى الأذهان الاجتماعات التي كانت تجريى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إبان حقبة الحرب الباردة، ترأست نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان وفد بلادها إلى المحادثات مع الوفد الروسي برئاسة نظيرها الروسي سيرغي ريابكوف التي عقدت في مقر البعثة الأميركية فوق بحيرة جنيف.
وتأتي المحادثات وسط توترات متزايدة في شأن حشد أكثر من مائة ألف عسكري روسي قرب الحدود الأوكرانية، ما أثار خشية الغرب من حرب دامية في أوروبا إذا غزت القوات الروسية أراضي الجمهورية السوفياتية السابقة.
وقبل البدء الرسمي للمحادثات، عقدت شيرمان وريابكوف لقاء تمهيدياً مساء الأحد في جنيف. وأفادت الخارجية الأميركية في بيان، بأن الدبلوماسيين «ناقشا الموضوعات الثنائية التي سيتطرق إليها الجانبان» في محادثات الاثنين، مؤكدة أن الجانب الأميركي يعمل بالتشاور ليس فقط مع أوكرانيا، بل أيضاً مع حلف شمال الأطلسي وحلفاء آخرين في كل أنحاء أوروبا، إذ إن «الولايات المتحدة ملتزمة بمبدأ (لا شيء عنكم من دونكم) عندما يتعلق الأمر بأمن حلفائنا وشركائنا الأوروبيين، بما في ذلك أوكرانيا». وأضاف: «نحن مرتبطون على كل المستويات مع حلفائنا وشركائنا، وسنواصل ذلك في الأيام والأسابيع المقبلة»، في إشارة إلى اجتماع مجلس الناتو وروسيا في بروكسل غداً (الأربعاء)، ومحادثات منفصلة متعددة الأطراف في إطار منظمة التعاون والأمن في أوروبا بفيينا خلال اليوم التالي، وغيرها من المحادثات في أوقات لاحقة.
ولفت الناطق باسم الخارجية الأميركية إلى أن شيرمان شددت على التزام الولايات المتحدة المبادئ الدولية للسيادة وسلامة أراضي الدول ذات السيادة وحريتها في اختيار تحالفاتها، في إشارة إلى تطلعات أوكرانيا للانضمام إلى الناتو. ولكنها رحبت في الوقت ذاته «بإحراز تقدم حقيقي من خلال الدبلوماسية».
وأجرى الرئيسان الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين مكالمتين هاتفيتين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مصحوبة بموجة من الدبلوماسية التي شارك فيها مسؤولون من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وأوكرانيا وروسيا، وتتوج بالاجتماعات الثلاثة هذا الأسبوع.
واستبقت الخارجية الروسية الجولة بدعوة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي إلى إبداء المرونة في المفاوضات. ووصف نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، لقاء الأحد، بأنه كان صعباً لكنه «مذهل»، مشيراً إلى أن «الروح العملية غلبت عليه».
وقدم بوتين سلسلة من المطالب، وضمانات بعدم توسع الناتو شرقاً ليشمل دول الاتحاد السوفياتي السابق مثل أوكرانيا وجورجيا، والتراجع عن نشر قوات وأسلحة في أوروبا الشرقية.
وتدور المفاوضات بشكل أساسي حول ورقتي الضمانات اللتين قدمتهما موسكو إلى واشنطن وحلف الأطلسي في 17 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وتشمل الورقتان مشروعي اتفاقيتين؛ واحدة مع الولايات المتحدة، والأخرى مع حلف الناتو، حول ضمانات أمنية متبادلة في أوروبا، بما في ذلك عدم نشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى على مقربة من الحدود، وتخلى الحلف عن مواصلة التوسع شرقاً.
ومع انخفاض سقف التوقعات بعدما أظهر الجانبان مواقف متشددة خلال الأيام الأخيرة، سارع الكرملين بالتزامن مع انطلاق الجولة إلى إعلان أنه لا توجد خطط لإجراء اتصال هاتفي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن في أعقاب المحادثات.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إنه «في الوقت الحاضر لا توجد أي اتفاقات بهذا الشأن». وأضاف: «ستختتم المحادثات قريباً، وسنرى إلى أين وصلنا وما رصيدنا، وبعدها سيكون واضحاً كيف يمكننا تقييم الوضع».
ووفقاً لبيسكوف، فإنه من السابق لأوانه تقييم نتائج المحادثات الجارية بين موسكو وواشنطن حول قضايا الأمن.
واللافت أن رئيس الوفد الروسي أظهر أيضاً موقفاً حذراً بعد اللقاء التمهيدي، إذ قال ريابكوف إنه ليس من السهل على واشنطن إجراء حوار مع موسكو على أساس ثنائي، لأن المشاعر المعادية لروسيا لدى بعض شركائها في الناتو تعيق ذلك. وتوضح هذه العبارات توقعات روسية بأن المزاج الأوروبي سوف يشكل عنصر ضغط على واشنطن. وقال ريابكوف إن «شعور الولايات المتحدة بأن وراءها عيون وآذان أكثر الجماعات المعادية لروسيا في الناتو، يجعلها في موقف غير مريح لإجراء حوار ثنائي».
ومع ذلك، رأى خبراء روس أن انعقاد المفاوضات الحالية يعد خطوة متقدمة في حد ذاتها، قد تساعد في تخفيف التوتر بأوروبا. ووفقاً لتعليقات، فإن «المشكلات الأساسية تتعلق بالاتفاقات طويلة الأجل، لأن موسكو تطالب الغرب بالتزامات موثقة قانونياً بعدم توسع الناتو شرقاً، وبسبب أنها لن تقبل التزامات شفهية».
ولم يستبعد خبراء احتمال التقدم في بعض جوانب المحادثات، خصوصاً حول منع نشر الأسلحة النووية خارج الأراضي الوطنية لكل طرف، مع الإشارة إلى احتمال أن يتوصل الجانبان إلى تفاهم حول توقيع نسخة جديدة من اتفاقية الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى التي انسحب منها الطرفان سابقاً.
في المقابل، تبدو التوقعات متشائمة للغاية حول إمكان التوصل إلى حلول وسط في القضايا الجوهرية المطروحة، وبينها مسألة تعاون حلف الأطلسي مع بلدان في الفضاء السوفياتي السابق أو الإقرار بضم إقليم القرم إلى روسيا وما تبع ذلك من تداعيات في أوكرانيا. كما تشكل مسألة نشر أسلحة وتقنيات في بلدان حوض البلطيق وشرق أوروبا مسألة خلافية كبرى. فضلاً عن ملف الحريات ووضع المعارضة الروسية، الذي كان مطروحاً في ورقة موسكو ضمن بند يتعهد من خلاله كل طرف بعدم تشجيع أو دعم نشاط يهدف إلى زعزعة الأوضاع الداخلية في البلد الآخر.
وأبدى مسؤولون أميركيون اهتماماً ببعض المطالب الروسية، معتبرين أن بعضها الآخر ليس محل اهتمام. وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن إن المحادثات مع موسكو لن تحقق تقدماً، ما دام أن روسيا لديها «سلاح موجه نحو أوكرانيا»، مضيفاً أن «هناك مساراً للحوار والدبلوماسية من أجل محاولة حل بعض هذه الخلافات وتجنب المواجهة». وحذر من أن «المسار الآخر هو المواجهة والعواقب الوخيمة لروسيا إذا جددت عدوانها على أوكرانيا». وزاد: «نحن على وشك اختبار الاقتراح حول المسار الذي سيكون الرئيس بوتين مستعداً لاتخاذه». ونبه أيضاً إلى أنه «إذا ارتكبت روسيا عدواناً متجدداً ضد أوكرانيا، أعتقد أنه من العدل للغاية أن يعزز الناتو مواقعه على طول جانبه الشرقي، الدول المجاورة لروسيا».
لكن المسؤولين الأميركيين أكدوا أنهم يمكن أن يكونوا قادرين على إيجاد أرضية مشتركة مع روسيا في شأن الحد من الأسلحة على نطاق أوسع، ونشر الصواريخ، والمناورات العسكرية، أو قضايا مماثلة.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...