«اسمي العلني والسري»... كتاب يوثق حوارات محمود درويش

وجوده بالقاهرة وبيروت كان نقطة تـحوّل أساسية فـي تـجربته الشعرية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«اسمي العلني والسري»... كتاب يوثق حوارات محمود درويش

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر حديثاً عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع الأردنية كتاب «اسمي العلني والسري» يتضمن عدداً من الحوارات التي أجرها عدد من النقاد والشعراء والكتاب المصريين والعرب مع الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وتغطي الفترة من 1971 وحتى عام 1982، التي قضاها بين القاهرة وبيروت، وباريس، جمع المقابلات ودققها وقدّم لها الكاتب المصري محب جميل، وتكشف عن نقاط وأحداث مفصلية وهامة في حياة درويش، وترسم صورة جليَّة حول طبيعة الفترة التي عاشها خارج وطنه، وبين جمهوره وقرائه في الوطن العربـي.
لم يمكث درويش في القاهرة التي وصلها في فبراير (شباط) 1971، سوى فترة قصيرة، بعدها غادر إلـى بيروت. وهناك عمل مستشاراً بقسم الشؤون الإسرائيلية بمركز الأبحاث التابع لـمنظمة التحرير الفلسطينية. وانضم لهيئة تـحرير مـجلة «شؤون فلسطينية» فـي يونيو (حزيران) عام 1972، وفـي مايو (أيار) عام 1977، أصبح رئيساً لها، كما أصبح فـي التاريخ نفسه مديراً لـلمركز قبل أن يستقيل فـي يوليو (تموز) عام 1978، ويعود مـجدداً فـي شتاء عام 1981 من أجل إصدار العدد الأول من مـجلة «الكرمل» الفصلية.
قضى درويش عشر سنوات فـي بيروت وسط مناخ ثقافـي انعكست ظلاله علـى تـجربته الشعرية والنثرية، وراح ينشر قصائده وإبداعاته، ويشارك بالـمهرجانات الشعرية والأمسيات، كما أصدر عدداً من الدواوين الشعرية الـمتميّزة، وتبرز الـحوارات التي تضمنها الكتاب، وعددها 16 مقابلة، أفكار ووجهات نظر ورؤى درويش عن الشعر والسياسة، والفلسفة، والـمرأة، والطبيعة، وفلسطين. وقدمها محب جمال بحسب الـمدة الزمنية التي نُشرت خلالـهـا، كما نوّه بتاريخ كل لقاء، واسم الصحيفة أو المجلة المنشور فيها، وكذلك اسم المحرر الذي قام بإجراء الحوار.
ويعتبر الكتاب بما تضمنه من مقابلات وثيقة مهمة لا لقراء الشعر وباحثيه والمهتمين بإبداعات محمود درويش، فحسب، لكنه أيضاً يلقي الضوء على الكثير من المواقف والأحداث التاريخية والمنعطفات التي مرت بها القضية الفلسطينية، وألقت بظلالها على إبداعاته، وهو ما يساعد في كشف الكثير من الـمتغيِّرات التي طرأت علـى شعر درويش من مرحلة لأخرى، وطبيعة الـمواقف التي عايشها منذ خروجه من الأرض الـمحتلة حتى مغادرة بيروت، ومحاولاته الـمتواصلة لـضخ دماء جديدة فـي شـرايين القصيدة، وسعيه للتحرر من فكرة «الشاعر - الرمز» نـحو الشاعر فقط.
وتشكل الـحوارات التي تضمنها الكتاب وأجراها نقاد وشعراء ومبدعون أمثال معين بسيسو وفريدة النقاش، وفؤاد مطر، وياسين رفاعية، وغسان مطر، وشربل داغر، وإبراهيم العريس، قاعدة أساسية للتقرب من أفكار درويش، وهواجسه الـمتواصلة تـجاه وطنه، وقصيدته، ورفاقه. ورغم أن ولادته الـشعرية الـحقيقية، كمـا كان ينوّه، ترسخت وبرزت فـي باريس. إلا أن وجوده بالقاهرة وبيروت لـم يكن عابراً، بل كان نقطة تـحوّل أساسية فـي تـجربته الشعرية الـمتميّزة، وذلك عبر ديوان «أحبك أو لا أحبك» عام 1972، والذي ضمَّ قصيدته الشهيرة «سرحان يشرب القهوة فـي الكافتيريا»، وهكذا بدأت تـجربته تأخذ منحى آخر نـحو آفاق أكثر اتساعاً تفيض بالأحلام، والـهزائم، والانتصارات، والتنقلات، والـخيبات، وفي حواره مع الناقدة المصرية فريدة النقاش في فبراير عام 1971 في صحيفة «الجمهورية» المصرية يكشف درويش أسباب مغادرته فلسطين واضطراره إلى حياة المنافي، مشيراً إلى أنه في شهوره الأخيرة داخل إسرائيل صار يشك كثيراً في جدوى الاستمرار لأنه أصبح مشلولاً، ولا يستطيع أن يمارس تأثيره السابق سياسياً بعد أن فقد القدرة على الحركة. أما تفاعله مع الجماهير الفلسطينية فقد كان مفقوداً بسبب احتجازه في حدود مدينته نهاراً، ووراء أسوار بيته ليلاً.
وقال درويش، إنه في السنوات الأخيرة كان شاعراً مرفوضاً من قبل القراء بسبب هذه القضية. وقد كانوا يرونه غامضاً ورمزياً ومرتداً عن الأمل الذي عهدوه في شعره. وبعضهم بدأ يشك في التزامه وانتمائه الفكري. وكانت له مشكلات مع حزبه لهذا السبب، امتدت بعيداً وجرت مناقشات حولها في موسكو خلال عام 1970، أي قبل وصوله للقاهرة بعام تقريباً.
وفي الحوار اعترف درويش بأنه ربما يكون غامضاً، وهو غموض غير متعمد، وسببه افتقاده اليقين، وأنه صار مشغولاً بالإنسان أكثر من الشعارات، لكنه رفض أن يسمى شاعراً رمزياً، وقال «أنا واقعي، أستخدم وأستفيد من كل أشكال التعبير. والرمز حجر في البناء العام الواقعي في النهاية، والواقعية كرؤية ومنهج تستطيع أن تتسع لكل أشكال التعبير وتستفيد منها».
وفي حواره مع الشاعر معين بسيسو والذي نشرته صحيفة «الأهرام» المصرية في فبراير 1971، أشار للندوة الشعرية التي دعي لها فـي طشقند، عاصمة جـمهورية أوزبكستان السوفياتية عام 1968، حين وقف وفد أدبـي عربـي، مؤلفاً من الـملحق العسكري فـي أنقرة، ومن الـمؤرخ الرسمي للأسرة السنوسية يعلن أنه سيقاطع الندوة، لو اشترك فيها لأنه «فـي مهرجان الشباب الذي انعقد فـي صوفيا عام 1967، كان ضمن وفد الـحزب الشيوعي الإسرائيلـي»، وهذا لم يكن صحيحاً، فقد كان درويش ضيفاً على الـمهرجان، وتحدث درويش عن حصاره شعرياً في إسرائيل، وقال، إن وجوده فـي القاهرة يشكل موقعاً أكثر انطلاقاً وحرية لـخدمة قضيته التي كان يؤديـها فـي الأرض الـمحتلة، وإنه غيّر موقعه، ولـم يغيـّر موقفه، ويعتبر الـمقاومة إحدى نوافذه إلـى الأمل وتأشيرة مروره للعالم.
وفي الحوار الذي أجراه معه الكاتب اللبناني فؤاد مطر، ونشره في الملحق الثقافي لصحيفة «النهار» البيروتية تحدث درويش عن تجربة النزوح إلـى لبنان، ووقوفه مع اللاجئين، وهم يـحصلون علـى مساعدات وكالة غوث من طحين وجبن أصفر وملابس مستعملة، وهي تجربة التقط ملامـحها وراح يصنع صورة لمـخيمات اللاجئين وما بها من بؤس وانتظار، وذكر أنه ليس مرتاحاً للاستمرار في تصوير الفلسطينيين على أنهم مجموعة من اللاجئين، رغم ما في ذلك من جوانب إنسانية مفزعة، وقال، إن الأهم هو وضع القضية الفلسطينية فـي إطارها الصحيح، فليس من الضروري أن يكون الشعب بائساً ومسلولاً لكي نقول، إن له قضية، فهو يرفض فكرة استيطان الـمخيم، لأنه لا يعبر عن انتمـائه، وقال «إن أكبر ثأر لنا عند إسرائيل، هو أنـها تـحاول أن تأخذ دينها من النازية، من الشعب الفلسطيني، وإنـها قذفتنا إلـى رصيف الـحياة وتنفست من رئاتنا، ولا أستطيع أن أفهم كيف يطمئن شعب إلـى مستقبله وهو يسكن جلود الآخرين. إن فرح الإسرائيليين هو فرح مـجنون وإن أخطر ما يواجه إسرائيل هو رفضها للمنطق واحتكامها الدائم إلـى الـخرافات الدينية الـمسلحة بالدبابات والطائرات».
وقال درويش، إنه لو طُلب إليه وضع نشيد قومي لفلسطين فسوف يكتب عن الأشياء الصغيرة فـيها، عن الشبابيك الـمهجورة والناس الـمنتظرين، والشجر ورائحة الـمداخن وصوت الريح فـي الـجليل والنساء الصغيرات، وأشار إلى أن هذا هو الذي سيعمّق إحساس الفلسطيني بالانتمـاء إلـى الوطن، فيـجب أن نملأ حواسه برائحة التراب، وليس بالـخطب التي لا رصيد لـها.
وفي مقابلته مع ياسين رفاعية والذي نشر في صحيفة «الأسبوع العربي» البيروتية عام 1975، قال درويش، إن الـحياة أصبحت تعجبه، وما عاد يفكر في الانتحار، وقد جرى وفاق بينه وبينها، بعد أن استطاع كتابة قصيدة جديدة، ولفت إلى أن «الشاعر يتورط فـي عملية الشعر إلـى درجة أن لـحظة القدرة علـى الكتابة تتحول إلـى رهان علـى الـحياة، شعري لا يعجبني؛ ولـهذا أواصل الكتابة، وقصيدتـي هي هويتي، أكتبها حين تقرع أجراسها صدري».
أما الحوار الذي أجراه معه الشاعر والناقد اللبناني شربل داغر، فقد أشار خلاله إلى أنه كان شاعراً مـجتهداً حاول أن يحفر صوتاً علـى صخرة، وقد خرج ليهرب من دور الرمز، لكي لا يكون صنمـاً، وهكذا أنقذ نفسه، وشِعره، وتطورت تجربته حين حقق الانفصال بين الشاعر والرمز، ورأى أنه «دائمـاً يتخطى الشاعر الرمز ليثبت حضوره الـخاص»، فهو يصرُّ علـى التقدم شاعراً، لكي لا يخدع، ولا يوهم، ولكي لا يتقدم إلـى الناس باسم فلسطين، وذكر أن الـخوف من الاتكاء علـى قداسة عامة خارجة عن الشعر، فـي علاقة القصيدة بعناصر شاعريتها، هو الذي طوَّر التوازن بين الشاعر والـمواطن فـيه، وأعطاه القدرة علـى خدمة بلاده أكثر وأفضل.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.