الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً

وسط تفاقم الخلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة... والمخاوف من عودة الإرهاب

الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً
TT

الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً

الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً

حالة من القلق والترقب تشغل راصدي أوضاع القرن الأفريقي، في ظل توترات تنذر بعودة الصومال مجدداً إلى مربع الصراع الداخلي والحرب الأهلية، وذلك وسط تفاقم الخلافات بين الرئيس محمد عبد الله فرماجو، ورئيس الحكومة محمد حسين روبلي، واستغلال «الجماعات الإرهابية المسلحة» - وعلى رأسها «حركة شباب المجاهدين» - حالة الفوضى السياسية لفرض سيطرتها على البلاد.
وحقاً، يقف الصومال الآن على مفترق طرق بين إكمال العملية السياسية وإجراء الانتخابات المتعثرة، أو الاحتكام للشارع والسلاح من جديد، وسط مخاوف من الانزلاق إلى «الحرب الأهلية» بعد عقدين من محاولات استعادة الاستقرار. وطيلة الأسبوع الماضي احتدم الصراع السياسي الداخلي إثر قرار الرئيس فرماجو تعليق مهام رئيس وزرائه، «ووضع حد لصلاحياته بسبب ضلوعه في قضايا فساد»، وفق بيان الرئاسة الصومالية. إلا أن الحكومة الصومالية لم تقف مكتوفة الأيدي ووصفت مساعي الرئيس بأنها «محاولة انقلاب غير مباشر على السلطة»، ويرفض روبلي اليوم تنفيذ القرار، ويتهم فرماجو بـ«تخريب العملية الانتخابية»، معلنا تشكيل لجنة للتحقيق في اقتحام مكتبه. وهذا، بينما دعا فيه المجتمع الدولي القوى قادة الصومال إلى «تغليب مصلحة البلاد وتهدئة التوترات السياسية المتصاعدة التي من شأنها تقويض السلام والاستقرار، واستكمال العملية السياسية وإتمام الانتخابات المؤجلة منذ فبراير من العام الماضي».
عقد رئيس الوزراء الصومالي محمد حسين روبلي طوال يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين «المؤتمر التشاوري الوطني حول عملية الانتخابات» بمشاركة الحكومة الفيدرالية والولايات بهدف تسريع خطوات العملية الانتخابية. وهو المؤتمر الذي دعت ماري كاثرين في، مساعدة وزير الخارجية الأميركية، الرئيس محمد عبد الله فرماجو إلى دعمه، مطالبة بـ«بقاء القوات المسلحة على الحياد وتحاشي التورط في الأحداث السياسية». وكانت واشنطن قد أكدت كذلك دعمها «اتخاذ إجراءات ضد من يحاولون عرقلة عملية السلام في الصومال»، بحسب تغريدة لمكتب شؤون أفريقيا التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
فرماجو وروبلي
لم تظهر حالة التوتر السياسي في الصومال فجأة، بل ظهرت بوضوح عند انتهاء ولاية فرماجو في 8 فبراير (شباط) الماضي، إذ عمل على الحصول على تأييد «مجلس الشعب» لتمديد فترة ولايته سنتين أخريين، وهو ما أغضب قوى المعارضة، وأدى إلى صدامات في الشارع أجبرت الرئيس الصومالي على التراجع. وهنا تقول الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة في الشؤون الأفريقية والمنسق العام لمركز «فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية» لـ«الشرق الأوسط» إن «فرماجو يتحمل وحده اللوم على ما وصلت إليه البلاد، لأنه لم يجر الانتخابات في موعدها، ولم يقد العملية السياسية في الطريق الصحيح». وتضيف «المشهد يزداد سوءًا، منذ قرار الرئيس الصومالي تأجيل الانتخابات، ولقد تعقد أكثر في ظل تصاعد الخلافات بينه وبين روبلي، وكلا الجانبين معارض لبقاء الآخر في السلطة، كما ترى قوى المعارضة أن فرماجو رئيس غير شرعي منتهية ولايته».
ذكر أنه سادت حالة من التفاؤل الأوساط الدولية فور تولي فرماجو السلطة في فبراير (شباط) عام 2017، بأمل أن يقود الصومال إلى انتخابات تعددية مباشرة في نهاية ولايته، بموجب دستور عام 2016. غير أن ذلك لم يحدث، بل بدأت بوادر الأزمة تظهر في منصف عام 2018، عند إعلان رئيسة «اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات» صعوبة إجراء الانتخابات في موعدها عام 2020 «واحتمال تأجيلها 13 شهراً»، الأمر الذي رفضته قوى المعارضة في حينه. لكن محاولات فرماجو لم تنته عند هذا الحد، إذ حصل على تصديق من البرلمان بتمديد فترة ولايته لسنتين، قبل التراجع مرة أخرى تحت ضغط المعارضة.
وبعد مناقشات ومفاوضات على خلفية قرار فرماجو تأجيل الانتخابات اتفقت القوى السياسية الصومالية في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي على إجراء الانتخابات بالطريقة التي أجريت بها عام 2016. أي أن ينتخب رئيس الدولة من جانب مجلس الشعب، بدلا من انتخابات شعبية مباشرة. وبالفعل، بدأت العملية الانتخابية، وانتخب «مجلس الشيوخ» المكون من 54 عضوا، بينما تعرقلت انتخابات «مجلس الشعب» المكون من 275 عضوا، وسط اتهامات بـ«خرق قواعد الانتخابات ومنع مرشحين من خوض السباق الانتخابي، لتتعقد الأوضاع من جديد».
محمد عبد الله غوسار، الباحث المتخصص في شؤون القرن الأفريقي والمرشح لعضوية مجلس الشعب في البرلمان الصومالي، كتب في مقال نشره موقع «مركز الصومال للبحوث ودراسة السياسات» أن «فرماجو خطط كيف يبقى في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة وبأي ثمن، مستخدما الدعاية الإعلامية وتضليل الرأي العام، ومحاولات تطويع مجلس الشعب وتجميد مجلس الشيوخ وإقصاء حكام الولايات». لكن المعارضة القوية لمحاولات فرماجو البقاء في السلطة أرغمته على تفويض صلاحيات الانتخابات لرئيس حكومة تصريف الأعمال روبلي، الذي تولى مهام منصبه في سبتمبر (أيلول) 2020، خلفا لرئيس الوزراء حسن علي خيري الذي أقاله «مجلس الشعب». مع هذا، يبدو أن هذا التفويض ما كان حقيقيا، فما لبث أن اشتعل الخلاف السياسي بين روبلي وفرماجو، وسط محاولات الأخير السيطرة على مقاليد العملية الانتخابية.
قبلية وانقسام
يشهد الصومال حاليا حالة انقسام بين فرماجو وروبلي، إذ يستمد فرماجو قوته من تقارب بعض الولايات الإقليمية له مثل جلمدغ وهيرشبيلي وجنوب غربي الصومال، كما تدعمه بقوة «فرق الدفاع الشعبي» - أو «كتائب الظل» - التي أسسها بهدف الترويج لسياساته، إضافة إلى ضمان تأييد بعض القوات الحكومية له، بالتزامن مع مساندة بعض حلفائه الإقليميين.
في المقابل، يعتمد رئيس الوزراء روبلي إلى قوته من «الشرعية الدستورية» التي كفلها له الدستور المؤقت، خاصةً أن ولاية فرماجو الرئاسية انتهت في فبراير 2021 وليس لديه أي صلاحيات تنفيذية منذ فبراير الماضي. ويضاف إليها تأييد ولايات إقليمية له مثل جوبالاند وبونت لاند اللتين لديهما إصرار على التعجيل بإجراء الانتخابات الرئاسية ورفض تأجيلها، ودعم بعض المعارضة، وبعض القوى الدولية مثل واشنطن، حسب مقال لأحمد عسكر، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي يخشى من أن «تتطور الأزمة السياسية والدستورية، إلى انقسام في صفوف المؤسسة العسكرية ما قد يفضي إلى حرب أهلية في البلاد».
في سياق مواز، قال اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن القومي المتخصص في الشأن الأفريقي، لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في الصومال حرج في ظل نظام يرفض ترك السلطة ويستمد قوته من عمقه القبلي... فالتفكير القبلي مسيطر في أولويات الفكر الصومالي، رغم عدم انتشار ذلك. وهكذا يرفض الرئيس تسليم السلطة، وترى المعارضة أنه يتلاعب في الدوائر الانتخابية، وسط نظام انتخابي معقد يمنح سلطة انتخاب الرئيس لمجلس الشعب، وهو ما يحاول فرماجو استغلاله بالاعتماد على قبيلته، واستمالة رؤساء القبائل في صفقة سياسية للسيطرة على مجلس الشعب ومن ثم البقاء في السلطة».
الحرب الأهلية
ويعد شبح الحرب الأهلية «السيناريو الأسوأ» الذي يردده معظم المراقبين لتطورات الوضع في الصومال. ذلك أن الصومال الذي لم يتعاف نهائياً من تأثيرات عقد من الصراع الداخلي في فترة التسعينيات، مهدد بالعودة إلى النفق المظلم، الذي خرج منه عام 2000 باتفاق على صيغة انتقالية للحكم مبنية على المحاصصة العشائرية لمدة ثلاث سنوات، تنتقل بعدها البلاد إلى التعددية السياسية. ولكن بعد عقدين من الزمان ما زال هذا الاتفاق في مرحلته الأولى.
وهنا تؤكد الباحثة نرمين توفيق أن «السيناريو. والأقرب هو عودة الصومال إلى ما كانت عليه في فترة التسعينيات من القرن الماضي، واندلاع الحرب الأهلية من جديد». ويتفق معها اللواء عبد الواحد بقوله إن «الوضع في الصومال ينذر بحرب أهلية، في ظل ضعف الحكومة الصومالية المركزية وعجزها عن السيطرة على كامل أجزاء البلاد... وهو ما لم يحدث طوال تاريخها فهي تسيطر على العاصمة مقديشو، وبعض المناطق الشرق، بينما يسيطر تنظيم «حركة الشباب» على مناطق مثل صومالي لاند ووسط الصومال».
وعليه، يرى المراقبون أن «نظام فرماجو يحاول وضع البلاد أمام خيارين إما القبول به على سدة الحكم، سواء بانتخابات أو بدونها، أو عودة البلاد إلى حالة الاقتتال الداخلي التي عانت منها في تسعينيات القرن الماضي». بينما يقول غوسار «يتواصل الصراع السياسي في الصومال بين سلطة استنفدت ولايتها الدستورية وتكمل عامها الأول كحكومة تصريف أعمال، وتسعى جاهدة البقاء في السلطة لولاية ثانية، وبأي ثمن (...)، وبين معارضة ترى استفزازات السلطة بمثابة استباحة لكرامتها وحقوقها الدستورية، وأن حمل السلاح في وجه هذه السلطة هو الخيار الوحيد بعد استنفاد بقية الخيارات السلمية المتاحة».
من ناحية أخرى، فإن انهيار الأوضاع في الصومال لن ينحصر ضرره داخل حدوده، وفق ما يقدر الباحث أحمد عسكر في مقاله الذي حذر فيه من تحول الصومال إلى «ساحة صراع تتورط فيه جميع القوى والحركات السياسية بمختلف انتماءاتها ومصالحها، وبعض الأطراف الإقليمية والدولية التي تسعى لحماية حلفائها في الداخل بهدف حماية مصالحها الاستراتيجية في الصومال والمنطقة وتعزيز نفوذها هناك، الأمر الذي يفاقم من أزمات الصومال ويهدد وحدته وتماسكه».
القارة والإرهاب
حالة الفوضى والاضطراب ليست جديدة على الصومال، فقد عانى لسنوات من الفوضى والحرب الأهلية، وهو ما جعله بيئة خصبة لنمو الجماعات المسلحة الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم «حركة شباب المجاهدين»، الذي ينتمي شق منه لتنظيم «القاعدة»، والآخر لتنظيم «داعش». وكان التنظيم يسيطر على نحو 85 في المائة من البلاد في وقت من الأوقات، غير أن هذه السيطرة «تراجعت في أعقاب الحرب عليه بمساعدة القوات الدولية وخاصةً الولايات المتحدة». الفرصة سانحة للعودة من جديد، ففي الأسبوع الماضي «قتل ستة أشخاص على الحدود الكينية مع الصومال»، وسط اتهامات للتنظيم بتنفيذ الهجوم، ونقلت مواقع صومالية أخباراً عن تنفيذ «حركة الشباب» عملية اغتيال تجاه في مديرية بوهكبا، إضافة إلى الهجوم على قاعدة عسكرية تابعة للقوات الأفريقية. وأشارت صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية، في تقرير لها الأسبوع الماضي إلى «استغلال تنظيم الشباب للوضع السياسي في الصومال، وهو ما يهدد بسقوط البلاد في حالة فوضى أكثر عمقاً». وتابعت الصحيفة أن «المسؤولين المحليين في الصومال يقدرون عدد قتلى الاشتباكات بين القوات الإقليمية والفيدرالية وبين «فصيل أهل السنة والجماعة» المنشق عن الشباب بنحو 12 شخصاً منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في مدينة غوريال التي شهدت أكثر المعارك دموية، كما فر أكثر من 100 ألف شخص من المنطقة»، مشيرة إلى «مخاوف السكان من اقتراب حركة الشباب من العاصمة مقديشو».
وتلفت الدكتور نيرمين توفيق إلى «تواكب الصراعات السياسية المتسارعة مع قرب انسحاب قوات «الاتحاد الأفريقي» من البلاد والذي كان من المفترض أن يتم نهاية العام الماضي لكن تم تمديد بقائها إلى مارس (آذار) المقبل، ما ينذر بأوضاع متفجرة في البلاد، في ظل ضعف سيطرة قوات الأمن الصومالي ومحاولات حركة الشباب استغلال الفرضة لفرض السيطرة على البلاد». وأشارت إلى أن «ما يحدث في الصومال ليس بعيداً عن دول الجوار، فإذا أخذنا في الاعتبار التطورات في وسط أفريقيا، ونمو الكيانات الإرهابية الموالية لـ«داعش» وتحالفه مع «حركة شباب موزمبيق» فإن هذا ينذر بتفجر الوضع في القارة ككل».
من جانبه، يؤكد اللواء عبد الواحد أنه «من الطبيعي أن يحاول تنظيم «حركة الشباب» استغلال الحراك السياسي في الشارع، والمخاوف هنا تكمن في أنه بعد إنشاء حوار مع حركة طالبان، بات لدى هذه التنظيمات آمال في أن تندمج بالعملية السياسية للبلاد، وتحصل على اعتراف سياسي وإقليمي... وربما كان نموذج «أبو منصور» مثالا على ذلك، الذي كان متحدثا باسم «الشباب» وحارب في صفوفه، قبل أن ينضم للحكومة الصومالية ويحارب في صفوفها، وهذه فكرة تحتاج إلى دراسة وتثير تساؤلات حول إمكانية انضمام هذه التنظيمات للعملية السياسية».

«حركة الشباب»... الخطر الإرهابي الدائم
> مع توتر الأوضاع السياسية في الصومال عادت المخاوف من الإرهاب لتبرز من جديد على السطح، في ظل وجود تنظيم «حركة الشباب». والمعروف أن «الحركة» التي ما زالت تسيطر على بعض المناطق في الصومال، رغم نجاح الحملات العسكرية بقيادة «الاتحاد الأفريقي» في طردها من مناطق مهمة في البلاد. وتسعى «الحركة» حالياً لمد نفوذها إلى أماكن أخرى مستغلة حالة الانفلات السياسي التي تشهدها الصومال، لتوسيع نطاق سيطرتها الجغرافية في البلاد، وزيادة نفوذها المحلي والإقليمية.
«حركة الشباب» جماعة متشددة متمردة مقرها في الصومال، أسست عام 2006. وبحسب تقرير نشره «مجلس العلاقات الخارجية الأميركي» في منتصف العام الماضي، فإن «أصل الحركة والمغذي للعديد من قادتها هو «الاتحاد الإسلامي»، الجماعة الإسلامية المتشددة التي بلغت ذروتها في التسعينيات من القرن الماضي، بعد سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، وكانت تمول جزئيا من زعيم القاعدة أسامة بن لادن».
إلا أنه في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، نشأ خلاف بين الحرس القديم في «الاتحاد الإسلامي»، الذين كانوا يسعون لتأسيس جبهة سياسية، وبين الأعضاء الأصغر سنا، الذين كانون يحلمون بـ«دولة الصومال الكبرى الإسلامية». ولقد انضم المتشددون إلى ما يعرف بـ«اتحاد المحاكم الإسلامية»، وسيطروا على العاصمة مقديشو في عام 2006، ما أثار مخاوف إثيوبيا، التي قررت غزو الصومال في نهاية العام نفسه، لطرد «تحالف المحاكم الإسلامية».
ويوثق تقرير نشره «مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية» عام 2011 وأعده روب وايز، خبير مكافحة الإرهاب، بالقول إن «تدخل إثيوبيا الذي جاء بناء على طلب من الحكومة الصومالية الانتقالية هو السبب وراء تطرف «حركة الشباب». وكان مسؤولاً عن تحويل المجموعة من جزء صغير غير مهم نسبياً من حركة إسلامية أكثر اعتدالاً إلى أقوى فصيل مسلح راديكالي في البلاد».
وبين عامي 2006 و2008 تنامى نشاط «حركة الشباب» بتنظيم القاعدة، وصنفتها وزارة الخارجية الأميركية كتنظيم إرهابي عام 2008، بينما أعلنت قيادة الحركة الولاء لـ«القاعدة» بشكل رسمي عام 2012، وتقدر الحكومة الأميركية اليوم عدد أعضاء «حركة الشباب» بما بين 5 إلى 10 آلاف شخص.
قائد «الحركة» حالياً أحمد عمر، المعروف باسم «أبو عبيدة»، وجرى تنصيبه عام 2014، بعد مقتل سلفه أحمد عبدي غودان في غارة أميركية بمسيرة. وتمول الحركة أنشطتها من مصادر متعددة بينها القرصنة والخطف وابتزاز المزارعين، والتهريب إضافة إلى الجماعات الإرهابية الأخرى.
من ناحية ثانية، نفذت «الشباب» أكثر من 100 هجوم في الصومال خلال العام الماضي، بحسب تقديرات وتقارير دولية. وتمكنت من تنفيذ هجمات خارج الصومال أيضاً، ما يزيد مخاوف المحللين من أن «تدهور الوضع الأمني في دول القارة الأفريقية نتيجة للصراعات السياسية في الصومال يشكل بيئة خصبة لعودة نفوذ الحركة». وكانت أولى عملياتها الخارجية عام 2010، عبر تفجير انتحاري في العاصمة الأوغندية أسفر عن مقتل 74 شخصاً، ردا على إرسال أوغندا قوات ضمن قوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال «أميصوم» التي تشكلت عام 2007.
وقال المتحدث باسم «الشباب» حينذاك «إننا نرسل رسالة إلى كل دولة ترغب في إرسال قوات إلى الصومال مفادها أنها ستواجه هجمات على أراضيها». أيضاً، أعلن مقاتلو الحركة في عام 2013 مسؤوليتهم عن هجوم على مركز تجاري في العاصمة الكينية نيروبي أسفر عن مقتل 67 شخصاً، وهجوم على جامعة في مدينة غاريسا الكينية عام 2015 أدى إلى مقتل 148 شخصاً.
ومن المنتظر أن يسحب الاتحاد الأفريقي قواته التي يقدر عديدها بنحو 20 ألف جندي من الصومال في مارس (آذار) المقبل، وسط مخاوف من عجز القوات الصومالية عن السيطرة على الأراضي المحررة من «حركة الشباب».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.