ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين... الجمال والموت على سرير واحد

هل كان ارتباطهما الزوجي هو الفخ الذي نصبه القيصر للإيقاع بالشاعر؟

بوشكين
بوشكين
TT

ناتاليا نيكولايفنا وبوشكين... الجمال والموت على سرير واحد

بوشكين
بوشكين

لم يكن الشاعر والكاتب الروسي ألكسندر بوشكين مجرد تفصيل عابر في تاريخ بلاده الأدبي، بل هو لا يزال يُعد منذ قرنين من الزمن وحتى اليوم تجسيداً ساطعاً لكل ما يرمز إلى العبقرية الروسية، كما إلى وحدة الشعب الروسي، تاريخاً وثقافةً وتطلعات. فمن شواطئ البلطيق غرباً إلى أقاصي سيبيريا في الشرق، ثمة شعور لدى الجميع بأن أياً من الشعراء والكتاب الروس لم يقيض له امتلاك الموهبة الاستثنائية التي امتلكها بوشكين، ولا أن ينقل الأدب واللغة الروسيين من طور إلى طور، أو يبلور الوجدان الروسي القومي في كتبه وأعماله، كما فعل صاحب كتاب «الغجر». ولعل أحداً من الذين عاصروا بوشكين أو تأخروا عنه، لم يستطع الإفلات من لغته وأسلوبه ومقارباته للوجود والأشياء، حتى لو كان الكاتب المعني من وزن غوغول وتولستوي وليرمانتوف وتورغينيف وديستويفسكي. كما لم تكن حدوس غوغول إراء رسوخ الشاعر الروسي في ذاكرة الأجيال المقبلة، ليجافي الحقيقة بشيء، حين وصف بوشكين بقوله: «إنه الإنسان الروسي في تطوره، وصولاً إلى الصورة التي سيكون فيها بعد مائتي عام. إن فيه الطبيعة الروسية واللغة الروسية والطباع الروسية، معكوسة بالنقاء نفسه والجمال المصفى إياه، كانعكاس المنظر الطبيعي على السطح المحدّب لعدسة مرئية».
والواقع أن بوشكين قد استطاع خلال حياته القصيرة التي لم تتجاوز الـ38 عاماً أن ينقل اللغة والأدب الروسيين من طور إلى طور موزعاً نفسه بين الشعر والرواية والقصة والمسرح وأدب الرحلات. وإذا كانت أعماله بمجملها تتسم بالجدة والرشاقة والليونة الأسلوبية، فهو في عمله الروائي المتميز «يفجيني أونيغين»، لا يكشف عن تفاعله الخلاق مع وجدان شعبه الجمعي فحسب، بل يستشرف في الوقت ذاته مصيره المأساوي من خلال الشاعر الحالم لينسكي الذي كان يعيش حياة هانئة في الريف الروسي مع زوجته الجميلة والمرحة أولغا، قبل أن يتعرف إلى أونيغين، الشاب الوسيم والثري القادم إلى الريف هرباً من صخب موسكو المضجر. وإذ يقوم لينسكي بترتيب لقاء للتعارف بين أونيغين وتتيانا، شقيقة أولغا الحالمة والمنطوية على نفسها، تجد هذه الأخيرة نفسها واقعة في غرام أونيغين، الذي لا يكتفي بصدها والأعراض عنها، بل يقوم بمغازلة أختها أولغا، الأمر الذي لم يترك لزوجها لينسكي خياراً للدفاع عن كرامته، سوى دعوة أونيغين إلى المبارزة، وفق التقاليد الروسية آنذاك. وكان من نتيجة المواجهة الظالمة تلك أن دفع لينسكي حياته ثمناً لشرفه المطعون في الصميم، بما بدا كأنه السيناريو الرؤيوي الذي استشرف من خلاله بوشكين مصيره اللاحق.
لم يغفر القيصر ألكسندر الأول لبوشكين وقوفه إلى جانب الأقنان والفلاحين والطبقات الشعبية الفقيرة، في مواجهة الأقطاع والنبلاء وكبار الملاك، الذين شكلوا رافعة النظام القيصري وركيزته الأصلب، في تلك الحقبة من التاريخ الروسي. والواقع أن قرب الشاعر من البلاط، بحكم كونه حفيد إبراهيم بانيبال، الرجل الأفريقي الذي أسر في تركيا وتم إهداؤه إلى بطرس الأكبر، قد أسهم إلى حد بعيد في إثارة حفيظة القيصر، الذي لم يغفر لبوشكين تمرده وانحيازه إلى صفوف الثوار. وكان من نتيجة ذلك أن أوعز ألكسندر الأول بنفي بوشكين إلى سيبيريا، قبل أن يقرر بفعل شفاعات بعض النافذين بتعديل وجهة النفي من سيبيريا إلى القفقاس، ومن ثم إلى القرم. ورغم أن الديسمبريين الجنوبيين رأوا في وجوده بينهم دعماً معنوياً عالياً لانتفاضتهم، فإنهم لم يشجعوه على الانخراط التنظيمي في صفوفهم، حماية له من مغبة الانكشاف، ومن الثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفعه تبعاً لذلك.
على أن فرحة بوشكين بوفاة ألكسندر الأول واندلاع ثورة الديسمبريين المسلحة ضد النظام القيصري، لم يقدّر لها أن تدوم طويلاً، بسبب تمكّن القيصر الجديد نقولا الأول من القضاء على الثورة وإلقاء القبض على كثير من قادتها. لكن الألم المعتمل في الشاعر نفسه، ما لبث أن حول قصائده اللاحقة إلى عاصفة عاتية من الغضب والعصف الروحي في وجه نظام الحكم. وحيث لم يتردد القيصر في إعدام قادة الثورة، وبينهم الشاعر الثائر ريلييف، أطلق بوشكين عبر قصيدته «النبي» دعوة غير مواربة للإطاحة بنظام الاستبداد الدموي:
ألا انهض يا رسول روسيا
والتفّ بهذه الحلة المنسوجة من العار
وتقدّمْ، والحبْل يشد على عنقك
أمام القاتل الكريه
وسط كل ذلك المشهد القاتم، تراءى لبوشكين أن الأمل بتحسين ظروف حياته قد حان، إثر الرسالة المؤثرة التي وجهها إلى القيصر بخصوص الرقابة الصارمة المفروضة عليه، وقيام هذا الأخير بدعوته للقائه. إلا أن قرار نقولا الأول بوضع الشاعر تحت رقابته المباشرة، لم يفضِ إلى جعل حياة الأخير أكثر سهولة، بل حوّلها إلى جحيم حقيقي من التربص اليومي والمراقبة المتواصلة من قبل الشرطة وأجهزة المخابرات. وحين ضاق صاحب «الفارس البرونزي» ذرعاً بحصاره الخانق، التمس من القيصر السماح له بالسفر إلى أوروبا أو الصين فلم يُسمح له، بذريعة الخوف من تأليب الرأي العام في الخارج ضد نظام الحكم.
في ظل تلك الظروف الشخصية القاسية، التقى بوشكين في موسكو بالشابة الحسناء ناتاليا نيكولايفنا، وعرض عليها الزواج فلم توافق. إلا أن الشاعر المفتون بجمال ناتاليا الآسر، لم يكف عن ملاحقتها طيلة عام كامل، إلى أن وافقت في النهاية على الاقتران به. وإذ أقطعه أبوه جزءاً من ممتلكاته الريفية في بولدينو، لم يتأخر من جهته في الذهاب إلى هناك لترتيب أمور الزواج وتوفير استحقاقاته المادية الداهمة. لكن انتشار وباء الكوليرا في تلك المنطقة قطع عليه طريق العودة إلى موسكو لفترة طويلة. حتى إذا تم الزواج وتذليل كثير من المصاعب، وشعر بوشكين أخيراً بأن القدر قد بدأ يبتسم له، كتب إلى أحد أصدقائه قائلاً: «إنني متزوج وسعيد، وأمنيتي الوحيدة هي ألا يتغير في حياتي أي شيء. إنني أشعر كأنني وُلدت من جديد».
لكن بوشكين الذي ظفر بواحدة من أجمل نساء روسيا، لم يكن ليُسمح له بأن يحظى بحياة هانئة، وهو الشاعر العصي على التدجين، والذي ترتعد لمواقفه المناهضة للطغيان فرائص القيصر الروسي وأتباعه. وما زاد الطين بلة هو السلوك العدائي الذي أظهرته تجاهه والدة زوجته، المصابة بنوع من الاختلال العقلي، الأمر الذي اضطره لنقل مسكنه إلى بطرسبورغ، دون أن يكف البوليس السري عن مراقبته وتتبع خطواته. أما مبادرة القيصر إلى تعيينه في سلك الخدمة الحكومية فلم تكن، وفق الناقد الروسي كيربوتين، سوى الشرك الذي أعده نقولا الأول لاستدراج الشاعر إلى زيارة البلاط مصحوباً بزوجته الفاتنة التي كان جمالها قد أثار انتباه القيصر، بعد أن شاهدها غير مرة في مناسبات البلاط الرسمية. وإذا لم يكن ثمة من أدلة دامغة على اضطراب العلاقة بين الزوجين، فإن ذلك لا ينفي حقيقة التباين في اهتمامات كل منهما، حيث كانت علاقة الشاعر بالإبداع ترقى إلى حدود التنسك، فيما كانت ناتاليا أميَل إلى اللهو والترف الصاخب والشغف بالحياة.
أما المفارقة الأكثر إثارة للانتباه والأقرب إلى الكوميديا السوداء، فقد تمثلت في رفض الرقابة كثيراً من أعمال بوشكين الأدبية، بحجة تحريضها السافر على العصيان، في حين كان القيصر من جهته يوشّح الشاعر برتبة النبالة القيصرية، لا لشيء إلا لوضعه في موضع الشبهة من قبل جمهوره الواسع، ولجعل ناتاليا ضيفة دائمة على مناسبات البلاط. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى خصوصيات الشاعر الحميمة والاطلاع على الرسائل المتبادلة بينه وبين زوجته. وفي ذلك يكتب بوشكين: «قد أكون أحد رعايا القيصر أو حتى أحد عبيده، إلا أنني لن أكون أبداً تابعاً ذليلاً ولا مهرجاً. وكم هو أمر غير أخلاقي أن يطلع البوليس على الرسائل الموجهة من زوج إلى زوجته، ثم يحضرها إلى القيصر لكي يقرأها». ورغم غرق بوشكين في الديون وقد بات معيلاً لأربعة أطفال، فإنه قدم عام 1834 التماساً إلى القيصر لإنهاء خدماته، فبادره الأخير بالرفض الصارم، وهو ما جعله يكتب إلى زوجته: «لقد كانت ولادتي محفوفة بالنحس، ولم تكن موهبتي في روسيا، سوى خدعة من خدع الشيطان».
على أن الشاعر الذي قدّر له أن يواجه كل صنوف المتاعب والمكابدات، لم يكن يعلم أن الفصول الأسوأ من حياته لم تكن قد وقعت بعد، وأن القدر، متحالفاً مع القيصر، كان يهيئ له السبيل إلى مصيره المأساوي عبر الضابط الفرنسي دانتس، الذي يعمل في الحرس الإمبراطوري، والذي لم يتورع عن التحرش الوقح بناتاليا، زوجة الشاعر. ولم يكتفِ المتربصون ببوشكين بإطلاق الشائعات المغرضة حول علاقة زوجته بالضابط الوسيم والسادر في وقاحته، بل عمد بعضهم إلى أن يبعثوا له برسالة بريدية مغفلة التوقيع مفادها أنه «انتُخب بالإجماع أستاذاً عاملاً في سلك الأزواج ذوي القرون، ومؤرخاً لهذا السلك في الوقت ذاته». وإذ خشي السفير الهولندي في بطرسبورغ، وهو أب دانتس بالتبني، من أن يقوم بوشكين بدعوته إلى المبارزة، أوعز إلى دانتس بطلب يد كاترينا جونشاروفا شقيقة زوجة بوشكين. ومع أن الزواج قد تم بالفعل، فإنه لم يمنع الضابط المزهو بنفسه من متابعة تحرشه بناتاليا، الأمر الذي لم يترك للشاعر خياراً سوى دعوة دانتس إلى المبارزة إنقاذاً لشرفه الشخصي والعائلي.
لم تكن المواجهة بين بوشكين وغريمه مجرد مبارزة عادية بين ضابط متمرس بالقتل، وشاعر رقيق وبالغ الشفافية، بل بدت في بعدها الرمزي مواجهة بين جلاوزة الطغمة المتسلطة، وشعب روسيا الجائع والمقهور. أما الطلقتان اللتان تم تبادلهما لحظة المبارزة، فقد جسدت أولاهما كل ما أحاق بروسيا من تخلف وفساد وتعصب ظلامي، فيما جسدت الأخرى أكثر ما في تلك البلاد المترامية من عنفوان وشغف بالحرية وتطلع إلى المستقبل. وفيما كانت الطلقة التي سددها ممثل القيصر باتجاه بوشكين كافية للإجهاز عليه، كانت الطلقة التي سددها بوشكين باتجاه خصمه المتشاوف، أوهن من أن تصيبه في مقتل. أما وقد نزل الخبر المشؤوم نزول الصاعقة على الشعب الروسي، فإن السلطة الخائفة من حزن الملايين على شاعرها المغدور، لم تسمح بدفنه كما يليق بأعظم الشعراء الذين أنجبتهم البلاد عبر تاريخها الطويل، بل أمرت بأن يوارى جثمانه في جنح الظلام وتحت حراسة مشددة. لكن بوشكين وهو المدرك تمام الإدراك أن مصير شعره سيكون أفضل بكثير من مصير جثمانه، استبق رحيله الجسدي بقصيدة «نصب تذكاري» التي تحدس ببقاء اسمه راسخاً إلى الأبد في ذاكرة شعبه ووجدانه، والتي جاء فيها:
لن أموت بشكل كلّي
بل ستظل روحي بين أنغام القيثار
تحيا بلا جسد، وغير قابلة للفساد
وسأعرف الشهرة طالما هنالك شاعر واحد
لا يزال حياً تحت السماء
أما روسيا فستعرف اسمي
في كل لغة منتشرة في أرجاء زمامها العظيم



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.