روسيا 2021: عام التحولات في سياسات الكرملين

من «الخطوط الحمر» لبوتين إلى شروط الضمانات الأمنية

الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف 16 يونيو الماضي (أ.ب)
الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف 16 يونيو الماضي (أ.ب)
TT

روسيا 2021: عام التحولات في سياسات الكرملين

الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف 16 يونيو الماضي (أ.ب)
الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف 16 يونيو الماضي (أ.ب)

العبارة التي استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إيجازه مجريات 2021، تعكس جوهر التحولات الكبرى، التي شهدتها السياسة الروسية خلال عام. «روسيا لا تغضب... روسيا تتأهب». استعار بوتين العبارة من رجل الدولة الروسي ألكسندر غورتشاكوف الذي لعب أدواراً بالغة الأهمية في القرن التاسع عشر.
من مفارقات التاريخ، أنّ هذه العبارة قيلت بعد هزيمة الإمبراطورية الروسية في حرب القرم (1853)، وتوقيعها في 1856 على اتفاق السلام، الذي ساهم غورتشاكوف بدور رئيسي في تخفيف شروطه على روسيا.
مرة أخرى، وجدت روسيا نفسها أمام تحدٍ كبير يتعلق بمحيطها الحيوي. ومرة أخرى، أعلنت أنها «تتأهب».
لكن مجريات العام 2021 تختلف كثيراً عن أجواء الهزيمة ولملمة الجراح، التي عاشتها البلاد في منتصف القرن التاسع عشر. وموسكو استهلت العام محاطة بضغوط غير مسبوقة، بدأت برزم عقوبات مشددة على خلفية قضية تسميم المعارض أليكسي نافالني، وتواصلت على شكل اتهامات متصاعدة وطرد للدبلوماسيين، وإغلاق قنوات الحوار، وصولاً إلى مواجهة الحشود العسكرية على حدودها، والجولات الاستعراضية للسفن الحربية الغربية في البحر الأسود بالقرب منها. لكنها نجحت في تحويل مسار الأحداث، وتعزيز سياسة «الضغط الأقصى» مع حلول نهاية العام.
وفي عودة سريعة لمجريات العام، فقد بدا منذ بدايته أنّ العلاقة مع أوروبا، وصلت إلى أسوأ مراحل التدهور، ولوحت موسكو بـ«قطعها نهائياً» في فبراير (شباط) قبل أن تقوم بإغلاق قنوات الحوار مع حلف شمالي الأطلسي في وقت لاحق. في حين تركزت أنظار موسكو على ترتيبات الإدارة الأميركية، التي استهلت عهدها للتو، وراقبت التعيينات في الملفات المختلفة في مسعى لتقدير تأثيرها على مستقبل العلاقة مع واشنطن وعلى الملفات المطروحة بين الجانبين، وعلى رأسها الوضع في الفضاء السوفياتي السابق، وسوريا وأفغانستان في وقت لاحق وغيرها من الملفات.
ومع حلول منتصف العام، كانت المواجهة المتصاعدة مع الغرب اتجهت إلى مزيد من التعقيد، خصوصاً بعد انعقاد قمة الحلف الغربي التي ركزت على مواجهة «السلوك الروسي». وبرزت التجليات الأولى لهذا التطور في البحر الأسود، من خلال تنشيط التحركات العسكرية للطرفين الروسي والغربي في المنطقة وتنفيذ مناورات عسكرية للحلف كانت الأضخم منذ عقود، قابلتها موسكو بتنفيذ مناورات مماثلة، في البحرين الأسود والمتوسط. لكن الأبرز هنا كان الاحتكاك غير المسبوق للقطع البحرية الروسية مع سفن ثقيلة تابعة لبريطانيا أولاً ثم هولندا. وهو الأمر الذي انعكس في رؤية طرحها دبلوماسيون روس حول تحول البحر الأسود إلى «ساحة مواجهة أساسية بين روسيا والغرب».
ولم تقتصر المواجهة المتصاعدة على الملفات، التي باتت مطروحة بشكل دائم على طاولة مباحثات الجانبين، وأبرزها الوضع حول ملف الحريات وحقوق الإنسان على خلفية احتجاز ومحاكمة المعارض الروسي أليكسي نافالني، وملف التدخلات في استحقاقات انتخابية في دول أخرى. إذ بدا أن موضوع ضم القرم إلى روسيا عاد ليظهر مجدداً، من خلال مطالبات الإدارة الأميركية الجديدة بانسحاب روسيا من شبه الجزيرة، وبدا ذلك لافتاً خصوصاً أنّ واشنطن كانت قلّصت من اهتمامها بهذا الموضوع تدريجياً في السنوات الأخيرة. وبدا بعد ذلك مباشرة أنّ ذروة الأزمة تتجه سريعاً لتكون حول أوكرانيا.
ولم تنجح القمة الروسية - الأميركية الأولى، في جنيف في 16 يونيو (حزيران) في خفض التوتر، على الرغم من حرص الطرفين على إضفاء روح إيجابية على المناقشات.

                                           الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الدفاع سيرغي شويغو في موسكو 21 ديسمبر (أ.ب)

حمل تبني بيان مشترك حول الاستقرار الاستراتيجي دلالة مهمة، أضيفت إلى الاتفاق على عودة سفيري البلدين لتولي مهامها بعد انقطاع دام شهوراً؛ ما وفّر الفرصة لاستئناف عمل قنوات الحوار في ملفات مختلفة.
في المقابل، راوح عدد من الملفات الخلافية الأساسية بعد فشل الطرفين في تقريب وجهات النظر حيالها، وعلى رأسها الوضع حول أوكرانيا وفي الفضاء السوفياتي عموماً، وملف حقوق الإنسان في روسيا، وموضوع الأمن السيبراني الذي برزت فيه لهجة أميركية حازمة، فضلاً عن تأجيل النظر في ملفات إقليمية ودولية مهمة لم تجد فرصة لتناولها بشكل نهائي في هذه القمة.
على هذه الخلفية، بدا أن نقطة التحول الروسي بدأت في يوليو (تموز) مع إقرار النسخة الجديدة لاستراتيجية الأمن القومي، التي تضمنت آليات لمواجهة أبرز التهديدات المعاصرة لروسيا، وبينها مبدأ «حماية الشعب الروسي» التي وضعتها كأولوية مطلقة.
حدّدت الاستراتيجية الجديدة التهديد الأساسي بأنه الناجم من محاولات «دول غير صديقة استخدام المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في الاتحاد الروسي لتدمير وحدته الداخلية، وإلهام حركات الاحتجاج وجعلها راديكالية، ودعم الفئات المهمشة، وتقسيم المجتمع الروسي. وتفاقم استخدام الأساليب غير المباشرة لإثارة عدم الاستقرار على المدى الطويل داخل الاتحاد الروسي».
ومع تركز أنظار العالم، خلال أغسطس (آب) على تطورات الوضع في أفغانستان بعد تمكن حركة «طالبان» من السيطرة على الوضع في كابل، وتسريع عملية إجلاء القوات الأميركية والأطلسية، برز مسعى من جانب موسكو لتعميق «المأزق الأميركي». وغدا هذا الموضوع محوراً أساسياً لتعليقات الدبلوماسيين الروس حول «عدم جدوى الرهان على الأميركيين»، فضلاً عن تركيز وسائل الإعلام الحكومية والخبراء المقربين من الكرملين على عقد مقارنات بين «الخروج السوفياتي المنظم في عام 1989 من أفغانستان، والفوضى العارمة الحالية».
ومع التعليقات الكثيرة التي حملت شماتة واضحة بما وصف بأنه «الهزيمة الكبرى» أو «الفشل الذريع» لواشنطن في أفغانستان، بدا أن موسكو تستعد للإفادة من هذا التطور بتحميل واشنطن كل المسؤولية عن تدهور الموقف «في كل مكان تعرض لغزو أميركي».
منح الحدث الأفغاني ورقة ضغط قوية لموسكو، لتعزيز مسار مواجهة الضغوط الغربية. لكن في الوقت ذاته، سعت القيادة الروسية إلى الإفادة من فتح بعض القنوات مع واشنطن؛ ما انعكس في عقد جولات حوار عدة على مستويات مختلفة لمسؤولين من روسيا والولايات المتحدة في جنيف شكلت اختراقاً كبيراً هو الأول من نوعه منذ سنوات.
وأثمر التطور عن اتفاق على تمديد آلية المساعدات الإنسانية الدولية إلى سوريا، وعن رزمة من التفاهمات الأخرى، بينها تخفيف القيود الأميركية على عمل خطوط إمداد الغاز إلى أوروبا (نورد ستريم). لكن بالتوازي مع هذا النشاط، بدا أنّ إلغاء أستراليا صفقة شراء غواصات فرنسية واستبدالها بأخرى أميركية، أثار قلقاً واسعاً لدى موسكو، التي رأت أنّ تداعيات الصفقة الجديدة ستكون بعيدة المدى وتضر بشكل مباشر في نظام منع الانتشار النووي عالمياً؛ ما يعني أنها تفتح على واقع جديد تدخل بموجبه أستراليا في نادي الدول النووية. فضلاً عن أنّ موسكو وجدت نفسها أمام تحدٍ جديد تمثل في تحالف «أوكوس» بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.
وجاءت التطورات حول بيلاروسيا، مع تفاقم التوتر على الحدود مع بولندا بسبب أزمة اللاجئين، والوضع حول أوكرانيا في إطار استمرار الحشود العسكرية والاتهامات المتزايدة لموسكو بالتحضير لهجوم واسع على شرقي البلاد، ليشكلا الحدثين الأبرز في خريف العام، وبدا أنّ موسكو تستعد لاستحقاق جديد قد يكون الأخطر على مستقبلها بعدما وصلت الضغوط بالمعنى المباشر إلى حدودها القريبة.
في هذه الأجواء، أطلق بوتين خلال اجتماع موسع في وزارة الخارجية عقد في نوفمبر (تشرين الثاني) سياسة «الضغط الأقصى»، معلناً وضع «خطوط حمر» قال، إن بلاده لن تسمح بتجاوزها.
وقال الرئيس الروسي، إنه يجب على الغرب «العمل لخفض مستوى المواجهة مع الاتحاد الروسي وتقديم ضمانات أمنية لبلدنا».
لاحظت أوساط روسية، أنّ بوتين نادراً ما يعطي تعليمات مباشرة للدبلوماسية الروسية أمام عدسات الكاميرات. لكنه هذه المرة خاطب وزير الخارجية أمام الحضور بالقول، إنّ «علينا أن نواصل توجيه التحذيرات القوية للغرب، ويجب أن يفكروا جيداً في رد فعلنا».
في هذا الاجتماع، بدأ الحديث عن «طرح السؤال حول توفير ضمانات أمنية جادة» الذي لم يلبث أن تحول إلى آلية عمل دفعتها بقوة الحشود الروسية العسكرية حول أوكرانيا والإشارات إلى غزو محتمل للبلد الجار.
وبين الخطوط الحمر لبوتين ومطالب الضمانات، التي ينتظر أن تشكل العقدة الكبرى في الحوارات الروسية - الأميركية خلال العام المقبل، بدا أنّ سياسة الضغط الأقصى الروسية نجحت خلال 2021 في قلب مسار الأحداث، لمصلحة إطلاق النقاش في محاولة لتحديد قواعد جديدة لعلاقات موسكو مع الغرب.



الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية
TT

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

قالت الشرطة الدنماركية، على موقعها الإلكتروني، اليوم الخميس، إنها بصدد تفتيش سفينة حاويات موجودة في مضيق كاتيجات بين الدنمارك والسويد كانت في طريقها إلى ميناء آرهوس.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أكدت الشرطة لهيئة الإعلام الدنماركية «تي في 2» أن روسيا هي بلد منشأ السفينة، المعروفة باسم «نورا»، ولم يجرِ الكشف عن أسباب التفتيش.

ووفقاً لموقع «فيسل فايندر»، يبلغ طول السفينة «نورا» 227 متراً، وكانت آخِر مرة رست فيها في ميناء سانت بطرسبرغ.

وذكرت وكالة الأنباء الدنماركية «ريتزاو» أن السلطات الملاحية الدنماركية كانت قد احتجزت السفينة، في فبراير (شباط) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي ترسو في الجزء الشمالي من مضيق كاتيجات.

وذكرت أن السفينة «نورا» كانت ترفع عَلم جزر القمر، لكنها مسجلة في إيران.

وأفادت «ريتزاو» أيضاً، بناء على معلومات من وزارة الخزانة الأميركية، بأن السفينة «نورا» كانت مرتبطة بشركة «ريل شيبينج إل إل سي» وتخضع لعقوبات دولية.

وتردَّد أن الشركة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني، الذي كان والده علي شمخاني مستشاراً رئيسياً للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

ولقي كلاهما حتفهما في هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير.


اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

قال اتحاد رائد للبحارة ومجموعات في قطاع الشحن، الخميس، إن للبحارة الحق في رفض الإبحار على متن السفن التي تمر عبر الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، بعد ارتفاع التهديد في المنطقة إلى أعلى مستوى له.

ويوجد نحو 300 سفينة راسية على جانبَي المضيق في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. ومنذ 28 فبراير (شباط)، تعرضت تسع سفن لأضرار، ولقي بحار واحد على الأقل مصرعه، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكجزء من الترتيبات التي تم التوصل إليها، الخميس، بين البحارة وشركات الشحن التجاري، والمعروفة باسم «المنتدى الدولي للتفاوض»، يمكن للبحارة رفض الإبحار في المنطقة، مع إعادة ترحيلهم على نفقة الشركة وتعويضهم بمبلغ يعادل أجرهم الأساسي لمدة شهرين.

وذكر الاتحاد الدولي لعمال النقل في بيان أنه بالإضافة لما هو مقرر، سيحصل البحارة على أجر أعلى، وسيتم مضاعفة التعويض في حالة الوفاة أو العجز.

وقال ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: «يضمن التصنيف الحالي أن البحارة على السفن المشمولة باتفاقيات (المنتدى الدولي للتفاوض) يتمتعون بحماية أساسية إذا كانوا يعملون في هذه المنطقة الخطرة».

وأضاف: «اضطرارنا لاتخاذ هذه التدابير في حد ذاته دليل قاطع على الوضع الذي يواجهه البحارة اليوم. لا ينبغي أن يتعرض أي عامل لخطر القتل أو التشويه لمجرد قيامه بعمله...».


انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
TT

انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالاستراتيجيات العسكرية والقدرات القتالية وحدها، بل تلعب الموارد اللوجستية ومخزونات الأسلحة دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراع ومدته؛ فكلما طال أمد المواجهة، أصبح السؤال حول قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر والمعدات مسألة محورية قد تؤثر بشكل مباشر في مآلات الحرب.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده تمتلك «إمدادات غير محدودة تقريباً» من الأسلحة الرئيسية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الإيرانية أن لديها «القدرة على مقاومة العدو» لفترة أطول مما خططت له الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مخزونات الأسلحة والإمدادات لا يمكن أن تحسم نتيجة الصراع بمفردها؛ فالتاريخ الحديث يبيّن أن التفوق في العتاد لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر، كما ظهر في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث تمتعت موسكو بتفوق واضح في العدد والعدة، ومع ذلك استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع. ومع هذا، تبقى الموارد العسكرية عاملاً مهماً في استدامة العمليات القتالية، وفقاً لتقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

ومنذ بداية الحرب الإيرانية الحالية، كانت وتيرة العمليات العسكرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن كلا الجانبين يستهلكان الأسلحة والذخائر بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاجها.

ويقدّر «معهد دراسات الأمن القومي (INSS)»، في تل أبيب، أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا بالفعل أكثر من ألفي ضربة عسكرية، استخدمت في كل منها عدة أنواع من الذخائر.

في المقابل، يشير المعهد إلى أن إيران أطلقت 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيّرة، وقد تم اعتراض العديد منها. وبالنسبة لكلا الطرفين، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات القتالية أكثر صعوبة، كلما طال أمد الحرب، بحسب «بي بي سي».

آثار الصواريخ في سماء نتانيا الإسرائيلية تظهر وسط وابل جديد من الهجمات الصاروخية الإيرانية (أ.ف.ب)

الوضع الإيراني

يقول مسؤولون غربيون إنهم لاحظوا انخفاضاً في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران؛ حيث تراجع المعدل من مئات الصواريخ في اليوم الأول للحرب إلى عشرات الصواريخ فقط في الوقت الحالي.

وقبل اندلاع الحرب، كان يُقدَّر أن إيران تمتلك مخزوناً يزيد على ألفي صاروخ باليستي قصير المدى. ومع ذلك، لا تنشر الجيوش عادة أرقاماً دقيقة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها؛ إذ تُبقي هذه المعلومات سرية بهدف عدم كشف قدراتها الحقيقية للخصوم.

وفي هذا الإطار، صرّح القائد الأعلى للقوات الأميركية، الجنرال دان كين، أمس (الأربعاء)، بأن إطلاق إيران للصواريخ الباليستية انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة باليوم الأول للقتال يوم السبت. كما تقول «القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)» إن هناك انخفاضاً بنسبة 23 في المائة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط.

ويُعتقد أن إيران أنتجت عشرات الآلاف من طائراتها المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه «شاهد» بكميات كبيرة، قبل اندلاع الحرب. وقد صدّرت هذه التقنية إلى روسيا، التي تستخدم نسختها الخاصة من «شاهد» بفعالية مدمرة في أوكرانيا. وحتى الولايات المتحدة قامت بنسخ هذا التصميم.

طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق في السماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

غير أن كين قال إن عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة الإيرانية انخفضت أيضاً بنسبة 73 في المائة، منذ اليوم الأول للصراع، ما يشير إلى أن إيران قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وتيرة عمليات مرتفعة لفترة طويلة.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون هذا التراجع الحاد محاولة متعمدة للحفاظ على المخزونات العسكرية. لكن استمرار الإنتاج سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي الوقت الراهن، تتمتع الطائرات الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي واضح فوق إيران.

وتقول القيادة المركزية الأميركية إن المرحلة التالية من الحرب تركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى استهداف مخزونات الأسلحة وتدمير المصانع التي تُنتجها.

ورغم أن التفوق الجوي قد يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل إضعاف القدرة القتالية الإيرانية، فإن تدمير جميع مخزونات أسلحتها سيظل مهمة صعبة للغاية، بحسب تقرير «بي بي سي».

أنظمة الدفاع الجوي تعترض طائرة مسيرة بالقرب من القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة... والجيش الأقوى

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم؛ إذ يفوق مخزونها من الأسلحة التقليدية مخزون أي دولة أخرى.

ومع ذلك، يعتمد الجيش الأميركي بدرجة كبيرة على الأسلحة الدقيقة التوجيه باهظة الثمن، التي تُنتج عادة بكميات محدودة. وتشير التقارير إلى أن ترمب دعا إلى اجتماع مع شركات المقاولات الدفاعية في وقت لاحق من هذا الأسبوع للضغط عليها من أجل تسريع الإنتاج، وهو ما قد يشير إلى أن موارد الولايات المتحدة نفسها قد تتعرض لضغوط إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

وقد خفّ بعض هذا الضغط مؤخراً، بعد أن باتت أميركا تتمتع بحرية نسبية في تنفيذ ضربات قريبة المدى.

طائرة مقاتلة تستعد للهبوط في قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من ليماسول بقبرص (أ.ب)

وأوضح كين أن واشنطن تخلّت بالفعل عن استخدام «الأسلحة بعيدة المدى» في هذه المرحلة من العمليات، وهي أسلحة أكثر تكلفة وتطوراً، مثل صواريخ «توماهوك كروز».

وبدلاً من ذلك، يستخدم سلاح الجو الأميركي الآن أسلحة «بديلة» أقل تكلفة، مثل قنابل JDAM التي يمكن إسقاطها مباشرة فوق الهدف.

ويقول مارك كانسيان، العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية، الذي يعمل في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)» في واشنطن، إنه بعد الهجوم الأولي من مسافة بعيدة «يمكن للولايات المتحدة الآن استخدام صواريخ وقنابل أقل تكلفة».

ويضيف أن واشنطن قادرة على مواصلة هذا المستوى من القتال «إلى أَجَل غير مسمى تقريباً». ومع ذلك، فكلما طالت الحرب تقلّصت قائمة الأهداف العسكرية المحتملة، وهو ما يؤدي عادة إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة العمليات.

وتشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تطوراً لافتاً ومؤثراً، ليس على واقع طهران فحسب، بل قد تنعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة.

ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدَّت إلى مقتل قادة بارزين في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طالت عدة دول عربية، وتسببت في حرائق وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.