الآلاف من سكان الرمادي يلجأون إلى بغداد سيرا على الأقدام

في أوسع عملية نزوح جماعي.. سكان المدينة يتركونها خشية من «داعش»

نازحون من مدينة الرمادي يعبرون «جسر بزيبز» المنفذ الوحيد الذي يربط محافظة الأنبار ببغداد («الشرق الأوسط»)
نازحون من مدينة الرمادي يعبرون «جسر بزيبز» المنفذ الوحيد الذي يربط محافظة الأنبار ببغداد («الشرق الأوسط»)
TT

الآلاف من سكان الرمادي يلجأون إلى بغداد سيرا على الأقدام

نازحون من مدينة الرمادي يعبرون «جسر بزيبز» المنفذ الوحيد الذي يربط محافظة الأنبار ببغداد («الشرق الأوسط»)
نازحون من مدينة الرمادي يعبرون «جسر بزيبز» المنفذ الوحيد الذي يربط محافظة الأنبار ببغداد («الشرق الأوسط»)

تشهد مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار أكبر المحافظات العراقية، أوسع موجة نزوح لسكانها البالغ عددهم مليون نسمة تقريبا، إلى خارج المدينة، حيث تشير الأرقام إلى نزوح عشرات الآلاف من العائلات بعد سلسلة الهجمات التي شنها مسلحو تنظيم داعش الذين يحاصرون المدينة منذ 5 أشهر ويسيطرون على ما نسبته 90 في المائة من مساحة المحافظة، التي كانت آخرها الاستيلاء على 7 من أهم المناطق التابعة لمدينة الرمادي حيث دخل مسلحو «داعش» إلى مناطق البو فراج والبو ذياب والبو عيثة ومناطق الصوفية والبو سود والبو غانم شمالي المدينة.
مسلحو تنظيم داعش وبعد استيلائهم على هذه المناطق الحيوية أصبحوا يحيطون بمدينة الرمادي من كل جانب واقتربوا من وسط المدينة التي صارت بمرمى نيران أسلحتهم الخفيفة والمتوسطة حيث لا تبتعد فوهات بنادقهم عن المبنى الحكومي في وسط الرمادي سوى مائتي متر من جهة منطقة الحوز وقرابة 2 كم عن جانبها الشمالي. بينما تتساقط قذائف الهاون التي يطلقها المسلحون باتجاه الأحياء السكنية والمباني الحكومية بشكل يومي ومستمر، مما أرعب المدنيين العزل الذين سقط كثير منهم جراء موجات القصف التي طالت حتى محافظ الأنبار صهيب الراوي بعد أن سقطت قرب موكبه.
الأنباء التي يتناقلها الجميع هنا في داخل مدينة الرمادي تشير إلى انسحاب كثير من القطعات التابعة للقوات الأمنية التي ابتدأت بانسحاب قوات الحشد الشعبي من مواقع تموضعها في الأنبار وتحديدًا في الرمادي وضواحيها تلتها انسحابات لقوات تابعة للجيش والشرطة مما ساهم في احتلال مناطق جديدة من قبل مسلحي تنظيم داعش.
هذا الانسحاب أفزع أهالي الرمادي الذين قرروا النزوح من المدينة والهروب من الموت بعد أن شاهد الجميع المجازر التي يرتكبها مسلحو تنظيم داعش عند دخولهم لأي مدينة، فكانت سلسلة الإعدامات التي نفذها المسلحون بحق أبناء مناطق البو فراج والبو غانم، دافعًا قويًا للهروب الجماعي لسكان الرمادي من الموت على يد المسلحين.
عشرات الآلاف من سكان الرمادي اتجهوا صوب العاصمة بغداد سالكين طريق المخاطر باتجاه منطقة الخالدية مرورًا بمنفذ الصديقية وصولاً إلى عامرية الفلوجة 60 كم شرق الرمادي ثم الاتجاه إلى العاصمة بغداد.
النازحون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، التي واكبت موجة النزوح الكبرى لأهالي مدينة الرمادي التي لم يشهد تاريخها أن تعرض سكانه لمثل هذا النزوح الجماعي والقسري.
وقال مثنى محمد صالح أحد النازحين من مدينة الرمادي «هذا ماكسبناه من أكاذيب السياسيين وسارقي أموال الشعب والمتاجرين بأرواحنا ودمنا، اليوم أنا أخرج من بيتي بعد معاناة أشهر من الجوع وضنك المعيشة وحصار من قبل المسلحين، واليوم أحمل أطفالي على ظهري وأسير بهم على أقدامي إلى العاصمة بغداد هربًا من الموت». وأضاف: «أنتم الآن تشاهدون هذه الطوابير من البشر الذين يسيرون معنا هربًا من الموت، كيف لنا أن نثق بحكومة لا تستطيع حتى من توفير وسائل نقل لتنقذ مواطنيها من الموت، كيف لنا أن نثق بعد الآن بأنهم سيدافعون عنا، وهم أصلاً عاجزين حتى على توفير وسائل نقل لآلاف العائلات التي تركت منازلها».
التدريسية في ثانوية الرمادي، وسن كمال محمد، من سكان منطقة الجمعية وسط مدينة الرمادي، قالت: «إن ما شهدته مدن الأنبار من حال سيئ كله بسبب متاجرة حكومة الأنبار وسياسيوها الذين باعوا الأرض والضمير وهربوا إلى عمان وإربيل وسكنوا الفنادق الفارهة هم وعوائلهم وتركونا نحن البسطاء نواجه الموت بين مطرقة (داعش) وسندان الحكومة الفاسدة». وأضافت قائلة: «خرجنا من بيوتنا ولم نتمكن من حمل أي شيء، خصوصًا وأننا نتجه إلى العاصمة سيرًا على الأقدام، وأساسًا كنا لا نملك في البيت خزينًا من المواد الغذائية بعد الحصار على المدينة الذي قارب 6 أشهر.، أنا الآن أسير ولا أعرف إلى أين أتجه وماذا سأطعم أطفالي، إنها عملية إبادة جماعية وجريمة اشترك بها كل السياسيون ومن دون استثناء».
أما ماجد خلف الشيحان من أهالي منطقة البو فراّج التي استولى عليها مسلحي تنظيم داعش قبل أيام وارتكبوا فيها سلسلة من الجرائم تمثلت بإعدام عائلات بأكملها بمجرد انتماء بعض أفرادها إلى الأجهزة الأمنية، قال: «منذ 4 أيام مضت وأنا أفترش الأرض مع أطفالي وزوجتي وأمي العاجزة ونتوسل بالقوات الأمنية من أجل السماح لنا بالخروج من المدينة والاتجاه شرقًا صوب العاصمة بغداد على الرغم من المخاوف التي نسمع عنها هناك بأن البعض يتهم شبابنا بالانتماء لـ(داعش) وتعرضهم للخطف والموت جراء هذا الاتهام».
وأضاف الشيحان: «الآن، أنا كما تراني لا أمتلك سوى رحمة الله، وعائلتي هذه، وفي مخيلتي أنني هربت بعائلتي من موت محقق إلى موت مجهول ومخاطر أخرى قد تصيبني أنا، ولكن هدفي هو حماية عائلتي، وعتبي على الحكومة التي تخلت عنا وباعتنا وقبضت الثمن».
الرمادي التي كانت تزدحم بأهلها وبالنازحين إليها من بلدات الأنبار الأخرى، بدت وكأنها مدينة أشباح، الشوارع خالية والدور مؤثثة بالفراغ والهجران.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.