غراس: أهوال النازية ليست ذريعة للصمت

قصيدته «ما ينبغي أن يقال» قادت إلى حملة إسرائيلية شعواء ضده

غونتر غراس
غونتر غراس
TT

غراس: أهوال النازية ليست ذريعة للصمت

غونتر غراس
غونتر غراس

منذ أن نشر الكاتب والأديب الألماني غونتر غراس، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، الذي رحل أمس، قصيدته النثرية «ما ينبغي أن يقال»، في صحيفة «سودوتشي تسايتونغ»، في 4 أبريل (نيسان) 2012، عدته إسرائيل محرضًا، وقادت آلتها الإعلامية حربًا بلا هوادة ضده، لانتقادها واعتبار تهديدها بضرب المنشآت النووية في إيران، تهديدا للسلام العالمي.
في مطلع تلك القصيدة جاء: «ولهذا أقول ما ينبغي أن يُقال.. لكن لماذا صمتُ حتى الآن؟.. لأني اعتقدت أن أصلي.. المدان بجرائم لا يمكن أبدًا التسامح فيها.. منع من مواجهة دولة إسرائيل بهذا الواقع كحقيقة واضحة.. لماذا أقول الآن فقط وأنا كبيرٌ في السن، وبآخر قطرة حبر من فكري: إن القوة النووية لإسرائيل خطر على السلام العالمي الهش بطبيعته؟».
وفي قصيدة غراس، الذي شارك العام 1944 في الحرب العالمية الثانية كمساعد في سلاح الطيران الألماني، ووقع في أسر القوات الأميركية بعد انتهاء الحرب عام 1946، وأطلق سراحه في السنة نفسها، قال غراس إنه «سئم من نفاق الغرب فيما يتعلق بإسرائيل، و(إن) أهوال النازية ليست ذريعة للصمت».
وقال غراس للصحيفة التي نشرت قصيدته، إن «ما دفعه لكتابة القصيدة، كان سلوك، رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي يخلق المزيد من الأعداء لإسرائيل ويزيد عزلتها»، مشيرًا إلى أن «الخطر الفوري هو الخطر الذي لا مثيل له، ضربة وقائية إسرائيلية ضد إيران يمكن أن تكون لها عواقب فظيعة».

* حملة إسرائيل الشعواء
يمكن القول، إن موقف إسرائيل من انتقادات الأديب الألماني ورد فعلها عليه تجاوز كل حدود، إذ لم يتخلف أي سياسي معروف في إسرائيل عن المشاركة في الحملة عليه. فهو في كل الأحوال ألماني، وهذا يكفي للقول إن النازية عادت لتطل برأسها! وإن ذلك قد يشجع على تنامي مظاهر العداء للسامية في أوروبا تحديدًا. ولا يهم في هذا السياق، إذا كان أباطرة الأدب والفكر الإسرائيلي منذ ما قبل العام 1967، يكنون تقديرا هائلا لغونتر غراس أم لا، فالمهم هنا أن انتقاداته حكومة الاحتلال الإسرائيلي، جعلت منه عدوًا للشعب اليهودي بأسره و«معاديًا للسامية».
وذهب الكثير من المعلقين والساسة الإسرائيليين في موقفهم من غراس، إلى حد محاولة تصفية الحساب وتأديب ألمانيا بأسرها، إذ كيف يجرؤ ألماني، خصوصا إذا كان قد نال جائزة نوبل للآداب، على توجيه انتقادات لإسرائيل وحكومتها وسياستها؟ ومن أين يمكن أن تأتيه الجرأة لأن يعتبر إسرائيل خطرًا على العالم؟
حين ذاك، رد نتنياهو قائلا: «إن من يدعم منظمات الإرهاب التي تطلق الصواريخ على المدنيين الأبرياء، هي إيران لا إسرائيل». وتساءل: «من يدعم المجزرة التي ينفذها النظام السوري ضد مواطنيه؟ إيران لا إسرائيل. من يقتل النساء ويشنق المثليين ويضطهد عشرات الملايين من مواطنيه؟».
وهكذا رأى الإسرائيلي، أن نزعات عنصرية تعشّش عميقا في نفوس الألمان، وأنها تتجلى بين الحين والآخر. وما يهمه في هذا الصدد، هو أن يتشكل لدى الألمان خصوصا والأوروبيين عموما، خطًا أحمر لا يمكنهم تجاوزه، ويشكل «تابو» يمنعهم من ممارسة انتقادات علنية.
وهكذا لم تشفع لغراس مواقفه وصداقاته في إسرائيل مع كبار الأدباء، من شاي عجنون إلى الشاعر ناتان ألترمان، فهو غير مسموح له بإطلاق انتقادات. ولهذا السبب، بادر وزير الداخلية الإسرائيلي، آنذاك، إيلي يشاي، الذي ربما لم يسمع أبدا بغراس، أو يقرأ أيًا من كتبه، إلى الإعلان عن غراس، «شخصية غير مرغوبة»، ومنعه من دخول إسرائيل.
ورأى يشاي في قصائد غراس، «محاولة لتغذية الكراهية ضد دولة إسرائيل وشعبها، وتحقيق الفكرة التي كان شريكًا لها في ماضيه عندما ارتدى لباس وحدات إس إس النازية». وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، حينها، أن غراس «مستعد للتضحية مرة أخرى بالشعب اليهودي على مذبح المجانين المعادين للسامية».

* ممنوع من دخول فلسطين
ووصل الأمر بالسلطات الإسرائيلية، أن منعت غراس من دخول فلسطين في أبريل 2012، أي بعد أيام من نشر قصيدته «المشينة»، كما وصفها بعض الإسرائيليين.
وتجدر الإشارة إلى أن وزراء الداخلية في دولة الاحتلال، سبق وأن أصدروا قرارات تجعل من عدد من المفكرين، بينهم يهود، شخصيات غير مرغوب فيها في إسرائيل، فأصدر أبراهام بوراز، في يونيو (حزيران) 2004، قرارا يحظر على الصحافي البريطاني بيتر هونام، دخول إسرائيل، بدعوى علاقته بالخبير النووي مردخاي فعنون. كما أن «الشاباك» أمر في مايو (أيار) 2008، بحظر دخول المؤرخ اليهودي الأميركي نورمان فينكلشتاين. وفي مايو 2010، منعت إسرائيل دخول الكوميديان الإسباني إيفان باردو، لأسباب مماثلة. وفي الشهر نفسه أيضا مُنع المفكر ناعوم تشومسكي، وهو أيضا يهودي، من دخول إسرائيل بسبب مواقفه السياسية.
ويرى د. موسى الكيلاني، الكاتب والناقد الأردني، أن غراس «يمثل ضمير الشعب الألماني بصدق وأمانة وموضوعية. ولأنه كذلك، استشاط رئيس الوزراء الإسرائيلي غضبًا عليه بسبب قصيدة. غونتر غراس، الذي فاز بجائزة نوبل للآداب العام 1999، واعتبره الألمان فخرًا للشعب كله، سبق أن تعرض لعذابات السجون، وحارب في الجبهات العسكرية دفاعًا عن الوطن، وجاء عمله الأدبي ثلاثية داين - تسيغ، تتويجًا لأعماله السابقة التي سبرت عمق المواطن الألماني كإنسان ومشارك في إعادة صياغة الكوزموس الكوني».
وأضاف الكيلاني: «لم يتنكر الرجل لمبادئه الإنسانية بعد فوزه، بل استمر مبشرًا بأقوال صديقه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي قال إن على الشاعر أن يلتزم بقضايا وطنه أولاً، ثم عليه أن يتبنى قضايا المظلومين في أميركا اللاتينية، ومعاناة الجائعين في أفريقيا، وآمال الأطفال المحرومين في العالم أجمع، وخصوصا مآسي اللاجئين الفلسطينيين.. والمثقف الذي لا يلتزم بقضايا أمته والناس، فهو فاقد للاحترام، ولا يصلح إلا أن يكون جليسًا للطغاة الديكتاتوريين، ليشارك في حفلات الترفيه عنهم وتقديم الفكاهة والتسلية لهم، وتدبيج مقالات النفاق بأمجادهم».

* تحول في المواقف
عندما أعلنت لجنة جائزة نوبل منح غراس الجائزة العام 1999، قالت في ديباجتها إن «ذلك تقدير لدوره في الارتقاء بالأدب العالمي، باختياره ثيمات تركز على كون الفرد جزءًا من المجتمع الإنساني الأكبر، وليس فقط جزءًا من مجتمعه الإقليمي أو الأسري، كما جسّد ذلك في ثلاثية داين - تسيغ.
في حينها، حيا أدباء إسرائيل غونتر غراس بعد فوزه بالجائزة قبل ثلاثة عشر عامًا، باعتباره داعية للفكر الإنساني العالمي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية، بل ينحو إلى آفاق أوسع من الأخوة الشاملة مهما كان العرْق أو الدين أو اللغة أو لون بشرة الجلد. لكنهم ومنذ العام 2012، لم يتوقفوا عن انتقاد غراس وشن حملات عليه.



حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».


المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية
TT

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «آفاق عالمية»، تقديم الناقد والأكاديمي محسن فرجاني، بمشاركة المترجمات أسماء مصطفى عيطة، وبسمة طارق، ودينا تهامي، وسارة عزت، وبسمة طارق، ورانيا فتحي وياسمين شوري.

استهل فرجاني، الأستاذ المساعد بكلية الألسن بجامعة عين شمس، الكتاب البالغ 447 صفحة بمقدمة مستفيضة خلُص فيها إلى أن ترجمة المسرح الصيني الحديث تستلزم وعياً عميقاً بالأوبرا الكلاسيكية وتقنياتها ورموزها، مشيراً إلى أن طغيان الآيديولوجيا السياسية على العمل المسرحي الصيني قد غيّب أحياناً شخصيته الفنية الجمالية في بعض مراحل البدايات الأولى، لا سيما في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وشهد المسرح الحديث خلال الستينات والسبعينات قفزة نوعية في الأداء والمحتوى، لا سيما في الجانب التجريبي الذي ركز على مسرحة الأعمال الأدبية، ورغم أن رياح التحديث شملت عموم الأدب الصيني، فإن المسار لم يكن سهلاً حتى في المناطق المنفتحة جغرافياً وتاريخياً على الغرب؛ حيث لم تنضج هذه التجربة وتتوسع آفاقها إلا في الستينات.

وفي هونغ كونغ، مثّلت الستينات حقبة النهوض الفعلي، ممهدةً لظهور فرق مسرحية متطورة نصاً وعرضاً. ومع حلول الثمانينات، بدأ تحول جذري بانتقاد الهيمنة السياسية والتاريخية على الدراما؛ ما أطلق «فترة جديدة» من الإبداع غير المسبوق. تعززت هذه المرحلة بحركة ترجمة واسعة للمسرح الغربي، أتاحت للمسرحيين الصينيين التفاعل مع الاتجاهات العالمية المعاصرة وتجاوز النمط الواقعي التقليدي. واستمر هذا التمازج مع التيارات الغربية حتى نهاية القرن العشرين؛ ليتزامن مع النهضة الاقتصادية للصين ظهور تيار مسرحي حديث يجمع بين الحداثة والخصوصية الصينية.

ويؤكد الباحث أن اختيار تلك النصوص يهدف إلى سد الفجوة المعرفية في المكتبة العربية، حيث توقفت الترجمات المباشرة والوسيطة للمسرح الصيني عند مطلع السبعينات؛ ما جعل من الضروري متابعة تطور هذا الفن كتابةً وعرضاً. وفيما يخص المسرح الكلاسيكي الصيني، يرى فرجاني أن المكتبة العربية عانت شحٍاً واضحاً، باستثناء محاولات نادرة مثل ترجمة بهي الدين زيان لمسرحية «الفتاة ذات الشعر الأبيض» للكاتب هوشنغ شي عام 1957. ويظل الكاتب تساو يو هو الأكثر حضوراً على الساحة العربية من خلال أعمال، مثل «عاصفة رعدية» و«شروق الشمس» الصادرتين عن سلسلة «المسرح العالمي» بالكويت، و«أهل بكين» عن وزارة الثقافة السورية.

ومن أبرز النصوص التي يضمها الكتاب مسرحية «المسافر» لرائد الأدب الصيني لوشون (1881- 1936)، وهو المفكر والشاعر والناقد الأدبي الذي تعدّه الدوائر الثقافية اليابانية المعاصرة «أهم كاتب من جنوب شرقي آسيا في القرن العشرين»، بصفته المبدع الأكثر شهرة خارج بلاده.

ورغم أنه معروف روائياً وقاصاً، وكان أول كاتب قصة حديثة في تاريخ الصين، فإن العمل يكشف عن وجه مختلف له، لا سيما أنه يترجم للعربية للمرة الأولى في لغة تحافظ على سمة الحس الشعري التي ميزت النص الأصلي الذي نُشر للمرة الأولى عام 1925. وهناك كذلك مسرحية «اصطياد النمر» لأحد أهم مؤسسي الدراما الصينية الحديثة وهو المبدع تيان هان (1898- 1968)، وهو أيضاً شاعر ومترجم وكاتب سيناريو وروائي، والذي تحولت المقاطع الأولى التي وضعها لأغنية السور العظيم لتصبح كلمات النشيد الوطني للبلاد.، كما أن كتاباته الدرامية كان لها أثرها في نشأة المسرح الصيني الحديث. ومن أبرز كتاباته في المسرح الحديث «ليلة في المقهى»، و«سبع فتيات تحت المطر»، و«أنشودة عودة الربيع» و«أعداء بلا بنادق».

وبالكتاب أيضاً مسرحية «اخفض صوتك» للكاتب المسرحي والفنان تشن ليتنيغ الذي ترادفت سنوات عمره مع سنوات زمن الحداثة الصينية تقريباً، حيث عاش مائة وثلاث سنوات (1910- 2013)، بالإضافة إلى كتاباته المسرحية في فترة مبكرة من حياته؛ فقد اتسعت دائرة نشاطه الفني فشملت الإخراج المسرحي والسينمائي وكتابة السيناريو.

ويضم الكتاب أيضاً ثلاثة نصوص درامية للمسرحي الصيني دينيغ شيلين (1892 -1974)، ويعدّ أهم من كتب دراما الفصل الواحد.


أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».