أكثر من 700 محاولة هروب من مخيّم الهول السوري

بمبالغ مالية وشبكة أنفاق... نساء يتحدثن عن تفاصيل عمليات تهريب البشر من مركز إيواء أسر «داعش»

مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)
مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من 700 محاولة هروب من مخيّم الهول السوري

مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)
مخيم الهول بمحافظة الحسكة شرق سوريا يشهد محاولات تهريب نساء «داعشيات» (الشرق الأوسط)

روت ثلاث سيدات «داعشيات» من النمسا وروسيا وداغستان كيف حاولن الهروب من مخيم الهول، بمحافظة الحسكة (شرق سوريا)، عبر شبكة أنفاق وبمبالغ مالية طائلة. وجاءت محاولاتهن في ظل ارتفاع عمليات القتل ومعدلات الجريمة في هذا المخيم الذي يؤوي ما لا يقل عن 60 ألف شخص بينهم أفراد أسر مقاتلين من تنظيم «داعش». وتقول أجهزة الأمن في المخيم إنها أحبطت أو وثّقت منذ مارس (آذار) 2020 قرابة 700 محاولة هروب لأسر «داعشية» من المخيم.
وتحدثت النساء الثلاث اللواتي كن متشحات بالسواد ومنتقبات لا يظهر منهنّ شيء سوى عيون حائرة ونظرة تشاؤمية، عن وجود شبكات لتهريب البشر يتم التواصل معها عبر برامج للاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي، على أن تكون محافظة إدلب أو مناطق أخرى في شمال سوريا خاضعة للنفوذ التركي أول محطة بعد نجاح عملية التهريب من المخيم. وبعد ذلك، تتولى الشبكات نقل من يتم تهريبهم من الهول إلى داخل الأراضي التركية ومنها إلى مواطنهم الأصلية، وهو أمر يتم غالباً لقاء دفع مبالغ مالية طائلة.
بعد سفر زوجها إلى سوريا، أكثر بلدان الشرق الأوسط سخونة، أوائل 2014، تغيّرت حياة النمساوية «حفصة» رأساً على عقب. فقد كانت متزوجة من مواطن من أبناء بلدها يدعى «تشيراك»، التحقت به في سوريا بعد سنة من زواجهما وعاشا في مناطق سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي. وفي أثناء حديثها، بالكاد كانت تتذكر أسماء المدن والبلدات التي عاشت فيها خلال 4 سنوات من التنقل في سوريا، مشيرةً إلى مقتل زوجها في معارك التنظيم بعد مرور عامين على زواجهما، مضيفةً أنه كان خلال هذه الفترة قد تزوج بامرأة ثانية تحمل الجنسية الألمانية. وبعد القضاء على سيطرة التنظيم الجغرافية والعسكرية في بلدة الباغوز بريف دير الزور الشرقي ربيع 2019 نُقلت إلى مخيم الهول في شرق سوريا.
وقالت «حفصة» إنه بعد تكرار حوادث الهروب والقتل في هذا المخيم حاولت الهرب بدورها، لكن محاولتها فشلت. وفي بداية حديثها، قالت هذه المرأة إنها من مواليد غراتس وهي ثانية كبرى المدن النمساوية بعد العاصمة فيينا، وتبلغ من العمر 27 سنة وهي من أصول تونسية.
وعن تفاصيل محاولتها الهروب، كشفت «حفصة» أن «سيدة جهادية»، كما وصفتها، تواصلت معها على رقم هاتفها المحمول وبعثت لها برسالة عبر برنامج «واتساب». وقالت: «بدايةً استغربت كثيراً كيف عثرت على رقمي وكيف تعرف أنني أحاول الهروب. طرحت الكثير من الأسئلة عليها. أجابتني بأنه بعد الهروب ستجيب عن كل شيء». وأشارت إلى أن هذه السيدة كانت تتحدث معها سراً بلغة عربية فصحى لدرجة أنها لم تتمكن من معرفة هوية البلد الذي تتحدر منه. وتابعت: «لم تطلب مني أي مبلغ مالي، أعطتني بعض الأسماء والأرقام وطلبت مني التواصل معهم. وبالفعل تواصلت مع شخص التقيته عند نقطة محددة، وذهبنا عبر نفق طويل إلى سور المخيم الخارجي». وزادت أنها اكتشفت فيما بعد أنه يعمل لقوى الأمن (التي يديرها الأكراد في المخيم)، مشيرة إلى اعتقالها بصحبة 3 نساء أخريات كن يحاولن أيضاً الفرار من مخيم الهول. وتابع: «أخذونا للتحقيق وتعرضنا للتوقيف لكن أُخلي سبيلنا فيما بعد».
أما «راية» المتحدرة من داغستان، وعمرها 28 سنة، فقالت إنها سافرت من بلادها إلى إسطنبول بداية عام 2015، وكانت آنذاك عمرها 22 عاماً. ومن هناك، تواصلت «راية» مع موالين لتنظيم «داعش» عبر منصات التواصل الاجتماعي، فطُلب منها السفر إلى مدينة أضنة التركية، حيث تواصلت مع مهربي بشر ومنها قصدت المناطق الحدودية مع سوريا ودخلت عبر بوابة تل أبيض التابعة لمدينة الرقة. قصدت في البداية بلدة جرابلس (محافظة حلب)، ثم توجهت مع آخرين إلى الطبقة والرقة. وبعد تحرير الرقة من «داعش» عام 2017 هربت مع موالين للتنظيم وقصدوا مدن وبلدات الريف الشرقي لمحافظة دير الزور. وكانوا كلما طُرد «داعش» من منطقة يذهبون إلى جهة ثانية.
انتهى المطاف بـ«راية» مع أرامل أخريات من التنظيم في بلدة الباغوز، آخر معقل لـ«داعش» في سوريا. وبعد استسلامهم عام 2019 خرجوا إلى مخيم الهول. وكشفت «راية» أن شبكة تهريب للبشر موالية للتنظيم تواصلت معها وهي في المخيم من روسيا، وقالت لها إن الشبكة ستدفع أموالاً لمهربين محليين يعملون سائقين لدى منظمات دولية. وأوضحت: «قالوا لنا إنه سيتم نقلنا من المخيم إلى مدينة إدلب السورية، ومنها سيتم نقلنا لتركيا ثم السفر إلى روسيا». وأضافت أن عناصر هذه الشبكة زوّدوها ببضعة أسماء وأرقام للاتصال بها، موضحة: «في إحدى الليالي، قرابة الساعة الأولى بعد منتصف الليل، ذهبت للنقطة (المتفق عليها للقاء) وهناك دخلنا نفقاً ومشينا ربع ساعة حتى خرجنا من فتحة ثانية. لكن يبدو أن حركتنا كشفت أمرنا، فقُبض علينا وأخذونا للاستجواب».
أما الروسية «نوريانا» فتقول إنها تنقلت بين مدن وبلدات سورية عدة حفظتها واحدة تلو الأخرى مع تواريخ السكن، وبعد مقتل زوجها الروسي في غارة جوية هربت مع أطفالها إلى العراق لكنهم عادوا إلى سوريا أواخر 2018 جراء القصف العنيف لطيران التحالف الدولي هناك. وانتهى بها المطاف في بلدة الباغوز بريف دير الزور. وبعد استسلام «داعش» في هذه البلدة، أُخرجت لمخيم الهول الذي تعيش فيه منذ عامين و10 أشهر.
وعن قصة هروبها، تقول «نوريانا» إنها اشترت هاتفاً من سوق المخيم بمبلغ كبير مع شريحة إنترنت وأدخلته سراً إلى خيمتها. وأضافت: «بدأت بالتواصل مع أهلي وكنت أستفسر من الجارات وأخوات وصديقات عن طرق الهروب. وبالفعل تواصل معي شخص قال إنه عراقي سيساعدني للهروب». وأعطى هذا الشخص، المجهول الهوية، حيثيات عملية التهريب وحدد التوقيت والزمان والمكان: «ذهبت إلى النقطة (المحددة) وبعد لحظات داهمت قوة كبيرة من عناصر الأمن المكان وألقوا القبض علينا. لا أعرف كيف افتضح الأمر، ولا أعرف أسماء الأشخاص الذين تواصلوا معي. استخدموا أسماء وهمية وألقاباً».
وأعلنت قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية في مخيم الهول القبض على شبكات تهريب البشر بينهم نساء «داعشيات» بتهم تشكيل «خلايا نائمة إرهابية وتهريب البشر»، وبعد تنفيذ عمليات أمنية شملت عدة أقسام، قبضت قوات الأمن على «قياديات» في «داعش» وأحالتهن إلى مراكز التحقيق. وتشتبه أجهزة الأمن في أن النساء «الداعشيات» تلعبن دور الوسيط مع خلايا نائمة للتنظيم في عمليات التهريب من المخيم وتقديم يد العون لعوائل مسلحي التنظيم المتطرف.
وتكررت في الشهور الماضية حوادث الهروب من المخيم الواقع على بُعد 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة. وكشف المتحدث باسم قوى الأمن الداخلي، علي الحسن، أن محاولات الفرار التي تم إحباطها وتوثيقها منذ مارس 2020 وصلت إلى قرابة 700 محاولة «حاولت فيها أسر (داعشية) من جنسيات مختلفة الهروب من المخيم للوصول إلى تركيا ثم إلى بلدانها الأصلية، حسبما كشفت التحقيقات». ولفت إلى أن جهاز أمن المخيم زاد نقاط المراقبة والتفتيش وتسيير دوريات حول المخيم ومداخله ومخارجه. وزاد أن «مساحة المخيم كبيرة للغاية، وهو محاط بأرض صحراوية وعرة. قمنا بزيادة نقاط المراقبة ومخافر الحراسة. ودورياتنا تجول ليل نهار طوال 24 ساعة داخل المخيم وخارجه».
ويؤوي مخيم الهول القريب من الحدود العراقية 60 ألف شخص، يشكّل السوريون والعراقيون النسبة الكبرى من تعداد قاطنيه. كما يضم قسماً خاصاً بالنساء الأجنبيات «المهاجرات» وأطفالهن، وهم يتحدرون من نحو 50 دولة غربية وعربية. ويبلغ عددهم نحو 11 ألف سيدة وطفل (بينهم 3177 امرأة). ويخضع هذا القسم لحراسة أمنية مشددة، كما يمنع الخروج والدخول إلا بإذن خطّي من إدارة المخيم.


مقالات ذات صلة

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أوروبا أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أعلنت الشرطة الهولندية، الثلاثاء، توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش» على تطبيق «تيك توك»، واتهمتهم بمحاولة «تحريض الآخرين على ارتكاب جرائم إرهابية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

شدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين من سوريا إلى العراق جاء «بقرار سيادي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

السوداني: نقل سجناء «داعش» من سوريا جاء بقرار عراقي

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، اليوم (الثلاثاء)، موقف العراق وحرصه على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج المشاركون في اجتماع المديرين السياسيين للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش» الذي استضافته الرياض الاثنين (واس)

«التحالف الدولي» يرحب بانضمام سوريا ويؤكد استعداده للعمل الوثيق معها

رحَّب التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، الثلاثاء، بانضمام الحكومة السورية، بوصفها العضو التسعين في التكتل، مؤكداً استعداده للعمل بشكل وثيق معها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.