طائرات «عاصفة الحزم» تدك معاقل الحوثيين في صعدة.. والضالع على وشك «التطهير»

مفوض حقوق الإنسان ينتقد قنص المدنيين من قبل قوات صالح والحوثيين

دخان كثيف يتصاعد من منشآت استولى عليها مليشيات الحوثي بعد قصف قوات التحالف لها أمس في عدن (أ.ف.ب)
دخان كثيف يتصاعد من منشآت استولى عليها مليشيات الحوثي بعد قصف قوات التحالف لها أمس في عدن (أ.ف.ب)
TT

طائرات «عاصفة الحزم» تدك معاقل الحوثيين في صعدة.. والضالع على وشك «التطهير»

دخان كثيف يتصاعد من منشآت استولى عليها مليشيات الحوثي بعد قصف قوات التحالف لها أمس في عدن (أ.ف.ب)
دخان كثيف يتصاعد من منشآت استولى عليها مليشيات الحوثي بعد قصف قوات التحالف لها أمس في عدن (أ.ف.ب)

كثفت طائرات عملية «عاصفة الحزم»، أمس، قصفها العنيف على معاقل الحوثيين في محافظة صعدة بشمال البلاد وعدد آخر من المحافظات. وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن طيران التحالف قصف مواقع عسكرية للحوثيين ومخازن الوقود الذي يستخدمونه في العمليات العسكرية والحرب ضد الجنوب وبقية المحافظات. وقدرت مصادر محلية عدد الطلعات التي نفذت بـ38 غارة، خلال 24 ساعة، وقصف طيران التحالف مواقع في عمران بشمال صنعاء وغيرها من المناطق التي يتجمع فيها الحوثيون وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
وفي محافظة تعز، بجنوب صنعاء، لقي نحو 20 مسلحا حوثيا مصرعهم، وذلك عندما قاموا بمهاجمة «اللواء 35» المؤيد للشرعية والذي يسعى، منذ أيام، إلى السيطرة على المحافظة بصورة كاملة وإنهاء وجود الحوثيين الذين ينفذون بعض الهجمات على مواقع ونقاط عسكرية تتبع اللواء، في الوقت الذي استمرت فيه ميليشيا الحوثيين وقوات صالح في قصف أحياء مدينة عدن السكنية بالدبابات ومدافع الهاون، في ظل وضع إنساني متأزم تعانيه المدينة.
وفي محافظة عدن، شن طيران التحالف، صباح أمس، هجوما على مواقع وجود القوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح وزعيم ميليشيات الحوثي، عبد الملك الحوثي. وقال مصدر في المقاومة الشعبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن طيران التحالف استهدف أمس القوات المتمركزة في ملعب «22 مايو» شرق مدينة الشيخ عثمان، وكذا القوات المدرعة المنتشرة في جزيرة العمال ومطار بدر العسكري الملاصق لمطار عدن الدولي. وأضاف المصدر أن الطيران الحربي لـ«عاصفة الحزم» كان استهدف، مساء أول من أمس، قوات موالية لصالح والحوثي بينما كانت في طريقها إلى منطقة صلاح الدين غرب عدن، إذ تم وقف زحفها في منطقة عمران الساحلية المتاخمة لصلاح الدين الواقعة ضمن الشريط الساحلي ذاته.
من جهة ثانية، أكد قائد عسكري في المقاومة الشعبية في عدن أنه وبعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي، مساء أول من أمس، قامت مجاميع من ميليشيات الحوثي وصالح بترديد صرختها المعروفة، والتي تهتف «الموت لأميركا وإسرائيل»، في المواضع التي تسيطر عليها وتحديدا في مدخل مدينة المعلا، إذ شوهدت هذه الجماعات وهي متمترسة في مدخل الشارع الرئيسي والدكة وحافون، لافتا في الوقت ذاته إلى أن المقاومة الشعبية تسيطر على معظم مدن محافظة عدن باستثناء الشريط الساحلي الممتد من منطقة العريش شرق مطار عدن إلى تخوم مدينة كريتر جنوبا، وكذا بعض الجيوب المتمثلة في الملعب الرياضي في ضواحي الشيخ عثمان وجزيرة العمال في خور مكسر ونادي التلال في كريتر، وتكاد تكون بقية المناطق تحت سيطرة المقاومة الشعبية.
وعلى الصعيد الإنساني في محافظة عدن، قال عدد من السكان، لـ«الشرق الأوسط»، إن معاناتهم بدأت في التفاقم نتيجة الانطفاءات الكهربائية الآخذة بالتصاعد يوما عن يوم، فضلا عن الأزمة التموينية الناتجة عن شح المواد الغذائية والدوائية المعروضة في السوق. وأفاد هؤلاء بأن حرارة الصيف وارتفاع الرطوبة في عدن لا يمكن تحملهما دون تشغيل تيار الكهرباء وعلى مدى ساعات الليل والنهار. ووصفوا انقطاع التيار عن مساكنهم وفي أيام الصيف المعروفة بشدة حرارتها الواصلة للأربعين درجة بأنه أشبه بالعيش في لظى الجحيم. وناشد السكان دول الخليج والعالم سرعة إغاثتهم في النواحي الإنسانية وعلى وجه الدقة معالجة وضعية هذه الانقطاعات المتكررة والتي تسببت لهم بكثير من المشكلات خاصة للأطفال والشيوخ والمرضى الذين لم يحتملوا مثل هذه الانقطاعات، ناهيك عن إغاثتهم بالمواد الغذائية الأساسية التي اختفت من السوق وإن وجدت فارتفاع سعرها جعلها بعيدة المنال لغالبية سكان المدينة الذين يعتمدون على مرتباتهم المتواضعة وعلى إعانات الرعاية الزهيدة التي لم تصرف لهم نظرا لتوقف معظم المؤسسات والوزارات والخدمات وحتى مصارف النقد الخاصة والعامة.
أما على صعيد جبهة محافظة الضالع، شمال عدن، فما زالت المواجهات مستمرة بين المقاومة الشعبية المدافعة عن المدينة وقوات صالح والحوثي التي لم تتوقف يوما عن إطلاق نيرانها في أرجاء المدينة خاصة حي العرشي الواقع غرب المدينة والذي لم يتوقف فيه الضرب طوال الأسابيع الثلاثة الماضية. وقال قائد عسكري في المقاومة الشعبية بمدينة الضالع، لـ«الشرق الأوسط»، إنه وبعد تسلم هذه المقاومة للأسلحة المتوسطة والخفيفة التي تم إنزالها من خلال طيران التحالف بدأت كفة المقاومة تزيد يوما عن يوم. وأشار المتحدث إلى أن الأيام المقبلة ستشهد تحسنا ملحوظا في أداء المقاومة الشعبية المدافعة عن المدينة إذ بدأت المقاومة في مهاجمة مواضع القوات المتمردة على شرعية الرئيس هادي والدولة. وأشار إلى أن قوات صالح والحوثي تعتمد كليا على السلاح الثقيل المتوافر بكثافة لديها فضلا عن اعتماد أسلوب التسلل إلى المنشآت والمساكن بما في ذلك دور العبادة والمستشفيات والمدارس التي يتسلل إليها القناصة، وإلى أن تفوق القوات الموالية لصالح والحوثي كان في ناحية الأسلحة الثقيلة مقارنة بأسلحة المقاومة الشعبية المقتصرة على الأسلحة المتواضعة والشخصية، ومع هذا التفوق وقفت المقاومة سدا منيعا أمام الدبابة والمدفع والمصفحة.
في السياق ذاته، شهد يوم أمس تبادلا لإطلاق النار بين المقاومة والقوات المهاجمة التي ما زالت تسيطر على مرتفعات جبال المظلوم والخزان المطلة على مدينة الضالع من جهتي الشرق والشمال، علاوة على موضع القشاع ومعسكري عبود والأمن المركزي، بالإضافة إلى مدخل مدينة الضالع من جهة الشمال، وهذه هي المواقع التي توجد بها مدفعية ودبابات صالح والحوثي وتطلق منها معظم القذائف.
من ناحية أخرى، يتزايد قلق المنظمات الحقوقية إزاء الأوضاع الجارية في اليمن، وبالأخص استهداف المدنيين. ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، جميع أطراف النزاع في اليمن للعمل على ضمان أن يكون هناك تحقيق فوري في الهجمات التي أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين، ودعاهم إلى الاحترام الكامل والدقيق للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي أثناء العمليات العدائية في البلاد. وقال الحسين، في بيان صادر عنه حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إن 264 مدنيا قتلوا، بينهم 84 طفلا على الأقل و25 امرأة، وجرح 681 مدنيا آخرون، في المواجهات منذ أواخر مارس (آذار) الماضي. وأضاف أنه «خلال الأسبوع الماضي اشتدت حدة الاشتباكات في شوارع المناطق المكتظة بالسكان في عدن، بين الجماعات المسلحة الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي من جهة، والمجموعات المسلحة الموالية للحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح من جهة أخرى، وكانت هناك أيضا تقارير تفيد بحدوث حالات تجنيد للأطفال كمقاتلين في عدن والضالع ومأرب».
وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان إن «مثل هذه الأعداد الكبيرة من القتلى المدنيين يجب أن تكون دلالة واضحة لجميع الأطراف في هذا النزاع على أنه قد تكون هناك مشاكل خطيرة في إدارة العمليات العدائية»، وإن «أطراف النزاع ملزمة بضمان احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بدقة، وأن تتم حماية السكان المدنيين. ويجب التحقيق بشكل عاجل في أي انتهاك للقانون الدولي بهدف ضمان حقوق الضحايا في العدالة والإنصاف وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات». وأشار إلى أنه «يتوجب على أطراف النزاع اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتجنب وضع الأهداف العسكرية في المناطق السكنية المأهولة بالسكان، ويجب بذل العناية القصوى لضمان حماية المدنيين والأهداف المدنية من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية».
وتطرق بيان مفوض حقوق الإنسان إلى استهداف المستشفيات وسيارات الإسعاف، واعتبر أن «الاستهداف المباشر للمستشفيات وسيارات الإسعاف التي تُستخدم بصورة مباشرة للأغراض الطبية قد يرقى إلى اعتباره جريمة من جرائم الحرب». وحذر من أن «الاستهداف المباشر للمدنيين الذين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية قد يرقى إلى اعتباره جريمة من جرائم الحرب». كما تطرق إلى «التقارير التي تفيد بمقتل مدنيين على أيدي قناصة متمركزين على أسطح المنازل في الضالع».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.