حصاد 2021 للسينما العالمية

تيارات وأرقام ومهرجانات مخيِّبة للأمل

«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر
«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر
TT

حصاد 2021 للسينما العالمية

«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر
«ذا كارد كاونتر» لبول شرادر

على عكس ما سجّلته السينما العربية في هذا العام الآيل لتوديعنا من مواقف واتجاهات وأفلام، كما أوردنا هنا في الأسبوع الماضي، تتمتّع السينما العالمية بذلك القدر الكبير من السعة والشمولية بحيث يمكن نشر صفحات عنها إذا ما شاء الناقد التوسع في كل ناحية من نواحيها.
السينما العالمية انتعشت بنسبة 40% عمّا كان الحال عليه تجارياً في العام الماضي، 2020، لكنّ هذا لا يعني أنها تقدّمت كثيراً على صعيد استعادة جماهيريّتها من أنياب الداء المنتشر واستغلال المنصّات المنزلية لحاجة ورغبة الكثير منّا البقاء في المنازل.
حسب إحصاءات مؤكدة، فإن صناعة السينما الأميركية على وجه التحديد (وهي الأكبر والأنجح عالمياً) شهدت الوضع التالي:
> في عام 2019 سجلت 11 ملياراً و320 مليوناً من الإيرادات.
> في عام 2020 اكتفت بمليارين و90 مليون دولار.
• حتى منتصف هذه السنة، 2021، تنبأ المعنيون بأن الخسارة الإجمالية للسينما حول العالم ما بين 2021 و2025 ستبلغ 160 مليار دولار.
> هذه الخسارة المتوقعة ستشمل صالات السينما التي ستخسر قرابة 8 مليارات دولار كل سنة.
طبعاً سيتغيّر كل شيء للأفضل لو صدق المسؤولون حين أعلنوا (ولو على نحو متضارب) أن أيام «كورونا» و«كوفيد» ومتحوراتهما ستصل إلى نهايتها مع نهاية العام المقبل.

التمثيل بالكمامة

سينمات العالم ما زالت أقل رغبة في تقديم مواضيع حول الوباء الكبير. عدد محدود من الأعمال السينمائية هذا العام دار حوله والكثير منه تسجيلي (أفضلها مما شاهده هذا الناقد فيلم صيني بعنوان «76 يوماً» حققه وايكسي تشن والصيني- الأميركي هاو وو، والذي تناول الأيام الأولى من انتشار الوباء). سبب وجيه لذلك يعود إلى أن التمثيل تحت الأقنعة لا يمكن تحمّله لا حين التصوير ولا حين المشاهدة. كيف ستقرأ انفعال الممثل إذا ما كان نصف وجهه غير مرئي بكامله؟ كذلك لا يمكن الآن تناول الموضوع إلا على نحو محدد. مثل المواضيع التي تدور حول الحروب الكبيرة منها والصغيرة ومثل تلك التي تتحدث عن أوضاع اجتماعية عامّة مطروحة اليوم (كالهجرة غير الشرعية، أو الشرعية منها) يحتاج موضوع «كورونا» إلى سيناريوهات مكتوبة باتجاه نقدي أو -على الأقل- بموقف يعكس إلماماً ويحتوي اتجاهاً ذا رأي محدد.
في مطلع العام شاهدنا «حظ سيئ في ممارسة الحب Bad Luck Banging or Loony Porn» للمخرج الروماني رادو يود الذي عرضه مهرجان برلين وخرج منه بجائزة الدب الذهبي (الأولى). فيه نرى بطلة الفيلم وهي تسير في شوارع بوخارست وقد غطّت وجهها بالكمامة معظم الأحيان. كذلك من تمر بهم من رجال ونساء. نعم هو واقع، لكن ما يجعله مقبولاً في هذا النطاق هو أسلوب المخرج القائم على اللا- حكاية (أو «الحكاية المحدودة») ضمن أسلوبه السردي الممطوط.
مهرجان برلين الذي توجّه للعروض الافتراضية مطلع 2021 ما زال أحد أهم خمسة مهرجانات دولية إلى جانب «كان» و«فنيسيا» و«صندانس» و«تورونتو». كل من «صندانس» و«تورونتو» عانى مما فرضه الوباء حول العالم. لكن «كان» و«فنيسيا» أقدما على إقامة دورتيهما حتى آخر نقطة في قاموس التحدي.
«كان»، الذي انتقل مرحلياً إلى منتصف السنة عوض ربيعها، أهدى جائزته الأولى إلى فيلم عنيف بعنوان «Titane» للفرنسية جوليا دوكورناو. أما المهرجان الإيطالي فمنح جائزته الأولى لفيلم «يحدث Happening» للفرنسية الأخرى أودري ديوان.
عندي، أخفقت المهرجانات الثلاث، عبر لجان تحكيمها، إطلاق سهامها صوب الأهداف الصحيحة. مقابل «يحدث» كان هناك «ذَا كارد كاونتر» لبول شرادر الذي هو أعمق وأهم من معظم ما عرضه المهرجان الإيطالي. عوض «تيتان» الذي خطف السعفة في «كان»، فقدت لجنة التحكيم قدرتها على التحكيم بإغفالها فيلم شون بن «يوم العَلَم». أما عروض برلين فقد شملت أقل عدد مميّز من الأعمال، اثنان منها كانا جديرين بالجائزة الأولى لو أن التحكيم استبعد أفلام الدهشة والصدمة كحال «حظ سيئ في ممارسة الحب»، هما: «عجلة الحظ والفانتازيا» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي، و«دفاتر مايا» للثنائي اللبناني جوانا حاجي توما وخليل جريج.
«دفاتر»، برلين، يشترك مع «أوروبا» لحيدر رشيد (الذي عُرض في «كان» ضمن تظاهرة «نصف شهر المخرجين») في أنهما عن الهجرة. الأول حين يزور الماضي لبنانية وابنتها المهاجرتين إلى كندا، والثاني عبر حكاية شاب يسعى للبقاء حيّاً وقد دخل بلغاريا آتياً من تركيا خلسة.
موضوع الهجرة -مشروعة أو غير مشروعة- تم طرحه على نحو أفضل في «Limbo» للبريطاني بن شاروك، عبر حكاية شاب سوري يهوى عزف العود الذي جلبه معه حين لجأ إلى بريطانيا. الآن هو في منزل يحوي طالبي لجوء آخرين ينتظر أوراقه.
هناك شعور إنساني عميق لهذا الفيلم البسيط كذلك الحال بالنسبة للفيلم الصربي «بقدر ما أستطيع السير As Far as I Can Walk» لستيفن أرسنييفيتش. هذا ينتقل باهتمامه إلى مخيّم صربي للاجئين حيث يحاول الأفريقي (إبراهيم كوما) التأقلم مع زوجته (نانسي منسه- أوفاي) في الوضع الجديد. هذا إلى أن تهرب الزوجة مع لاجئ سوري (مكسيم خليل) ما يُطيح بمستقبله ذاك.
في كل الأحوال، فإن المهرجانات عموماً ما زالت المعين الأفضل للتعرّف على السينمات المختلفة والبديلة والمخرجين ذوي البصمات الخاصة. هؤلاء (مثل جين كامبيون وبدرو ألمودوفار وباولو سورنتينو وشون بن) ما زالوا المعيار الصحيح لقياس حركة سينما المؤلف واتجاهاتها. والفضل في ذلك للمهرجانات، كون الأسواق التجارية محدودة الأثر والتأثير.

جمهور ونقاد وأرقام

أميركياً، حاولت السينما استعادة مكانتها بين المشاهدين. لم يكن هذا هيّناً على الإطلاق في النصف الأول من السنة، لكن الأمور تحسّنت تدريجياً من مطلع فصل الصيف عندما سجّل «Jungle Cruise» لخوام كوليت – سيرا، نحو 117 مليون دولار.
باعتماد الأفلام العشرة الأولى التي شهدت أعلى نجاح تجاري نجد اليوم أن «سبايدر- مان: نو واي هوم» يتبوأ القمّة بعدما غزا 4336 صالة أميركية وكندية وسجل فيها حتى الآن 297 مليون دولار (من دون حساب الإيرادات العالمية).
في المركز الثاني «شانغ- تشي وأسطورة الخواتم العشر» (225 مليون دولار) وهو أكشن آخر بدوره، ثم فيلم الرعب «فينوم: ليكن هناك غضب» (212 مليوناً)، وفي الرابع عودة لسينما الكوميكس في «بلاك ويدو» (184 مليوناً).
ليس من بين كل هذه الأفلام ما يُثير إعجاب النقاد وهذا ليس غريباً، كذلك ليس من بين الخمسة التالية ما هو مميّز فنياً باستثناء «مكان هادئ 2» الكامن في المركز الثامن (160 مليوناً و72 ألف دولار) هذا بعد فيلم جيمس بوند الجديد «لا وقت للموت» (160 مليوناً و772 ألف دولار).
بطبيعة الحال، كان النقاد على الطرف الآخر بعيداً عن «شبابيك» المصارف وآلات إحصاء النقود. هذا الفريق الذي يواكب السينما وأفلامها أكثر من أي جمهور آخر (وفي كثير من الأحيان أكثر من معظم السينمائيين كذلك) خرج بقائمة مختلفة تماماً. حسب إحصاء قام به موقع «ميتاكريتيك» شمل نقاد الصحف وأهم المواقع الأميركية والبريطانية جاء الفيلم الأسترالي- الأميركي «قوّة الكلب» لجين كامبيون في المركز الأول بـ144 صوتاً، و«سُقْ سيارتي» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي في المركز الثاني بـ123 صوتاً.
تشمل الأفلام الثمانية التالية الفيلم الأميركي «بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن (المرتبة 3)، و«ديون» لدنيس فلنييف (5)، والفيلم التسجيلي «Summer Soul» (7)، «وست سايد ستوري» لستيفن سبيلبرغ الذي لم يلقَ نجاحاً بين الجمهور السائد فحط في المركز السادس لدى النقاد.

وحدة أسلوب

على نحو متوقع، شهدت السينما الأميركية الحجم ذاته من الأفلام المقتبسة عن شخصيات الكوميكس ولو بنجاحات متفاوتة تبعاً لما كانت عليه حال الوباء في الفترة التي تم فيها عرض كل فيلم. من بين هذه «Ant‪- ‬Man and the Wasp quantunmaia» لبيتون ريد، و«Aquaman and the Lost Kingdom» لجيمس وان، و«Black Widow» لكيت شورتلاند، ثم «Eternals» لكليو زاو، و«Shang‪- ‬Chi and the Legend of the Ten Rings» لدستن دانال كريتن، وحالياً «Spider Man‪:‬ No Way Home» لجون واتس.
ما يُثير في هذا الشأن ليس النجاح الكبير الذي تحظى به هذه الأعمال (أو هل نقول النجاح الكبير الذي ما زالت تحظى به؟) بل إنها، كمثيلاتها في الأعوام الماضية، تحتوي على أسلوب عمل واحدة ورؤية فنية وإنتاجية مشتركة بحيث لا يمكن التفريق بين فيلم لجيمس وان أو لبيتون ريد أو أي آخر إلا حين قراءة اسم أحدهم. الطابع المنفرد تم محوه لا بالنسبة لهذه الأفلام فقط، بل لما يتم إنتاجه حول العالم من أفلام تلبّي حاجة الجمهور السائد.
هذا بالطبع على عكس سنوات الأمس عندما كان المشاهد يستطيع التفرقة بين فيلم من إخراج سيدني بولاك وآخر من إخراج ستانلي كوبريك، من مطلع الفيلم. هيتشكوك وكوبولا وسكورسيزي وهال أشبي وآخرون من أساتذة العمل السينمائي لم يحققوا ما أنجزوه من مكانة إلا لأن لكل واحد فنّه الخاص ورؤيته التي لا يشاركه بها أحد آخر.


مقالات ذات صلة

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

يوميات الشرق ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (1995)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون.

سارة باهر (نيويورك)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.