نجاح عسكري فرنسي في «الساحل» على خلفية توترات سياسية

القضاء على قيادي «داعشي» متورط في مقتل 6 ناشطين بالنيجر

جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)
جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)
TT

نجاح عسكري فرنسي في «الساحل» على خلفية توترات سياسية

جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)
جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)

صبيحة 9 أغسطس (آب) من العام الماضي، فجعت فرنسا بمقتل 6 عاملين في الحقل الإنساني وسائقهم ومرشدهم السياحي النيجريين، بعملية إرهابية تبناها بعد شهر من وقوعها تنظيم «داعش»، في محمية معروفة باسم «كوريه» تقع على بعد 60 كيلومتراً جنوب شرقي نيامي؛ عاصمة النيجر. والستة؛ وكلهم فرنسيون، هم: 4 نساء ورجلان؛ كانوا قد وصلوا حديثاً إلى النيجر للانخراط في العمل الإنساني في إطار منظمتين غير حكوميتين هما «أكتد» و«إيمباكت». الستة؛ الذين كانت أعمارهم تتراوح بين 25 و31 عاماً، كانوا يريدون زيارة محمية الزرافات «كوريه» التي تضم آخر قطعان الزرافات في غرب أفريقيا، وقضاء أيام عدة للتعرف عليها، عندما هاجمهم 3 أشخاص مدججين بالسلاح ويتنقلون على دراجات نارية. وعمد هؤلاء إلى الإجهاز على المجموعة؛ بمن فيهم السائق والمرشد السياحي رمياً بالرصاص، فيما عمدوا إلى قتل شابة نحراً. بعد ذلك؛ قام الإرهابيون الثلاثة بإحراق السيارة رباعية الدفع «لاند روفر كرزيز» التي كانوا يتنقلون فيها.
وقال الكولونيل باسكال إياني، الناطق باسم هيئة الأركان الفرنسية، أمس، إن الجيش الفرنسي نجح في القضاء على أحد قتلة المجموعة الفرنسية. وجاء في بيان لهيئة الأركان، نقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ما حرفيته: «قمنا أول من أمس في منطقة تيلابيري (غرب النيجر)، من خلال ضربة جوية، بتحييد المسؤول في (تنظيم داعش في الصحراء الكبرى)، سومانا بورا، أحد منفذي عملية قتل 6 رعايا في محمية كوريه، في 9 أغسطس 2020». وأضاف الناطق للوكالة المذكورة أن سومانا بورا عمد إلى «تصوير عملية الإعدام، ووفّر نشرها في وسائل الإعلام». ووفق المعلومات التي وزعها الجيش الفرنسي، فإن القاتل كان يقود مجموعة من المقاتلين تنشط غرب النيجر؛ «أي قريباً من حدود مالي والمنطقة المسماة الحدود المثلثة: النيجر ومالي وبوركينا فاسو». وبحسب الجيش الفرنسي؛ فإن عملية القضاء على سومانا بورا جرت من خلال مسيّرة أصابته عندما كان يقود منفرداً دراجته النارية، مضيفاً أن العملية جرت بـ«التنسيق الوثيق مع سلطات النيجر». وعمد الجيش الفرنسي إلى إرسال دوريات للتأكد من العملية ومن شخص الإرهابي.
يأتي هذا النجاح في الوقت الذي تعاني فيه قوة «برخان» الفرنسية المنتشرة في 4 من 5 دول في منطقة الساحل، من صعوبات في التعامل مع الرأي العام في النيجر وبوركينا فاسو ومالي. والدليل على ذلك الصعوبات التي واجهتها قافلة عسكرية تابعة لـ«برخان» كانت متجهة من أبيدجان؛ العاصمة الاقتصادية لساحل العاج، إلى قاعد «غاو» وسط مالي؛ إذ جرى توقيفها لأيام في بوركينا فاسو ثم في النيجر حيث وقعت صدامات مع الأهالي أدت إلى سقوط 3 قتلى. وقبل 3 أيام؛ أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، انتهاء «تحقيق داخلي» أجرته القوة الفرنسية لتجلية ظروف الحادث. وأفادت بارلي أن التحقيق أظهر أن «الجيش الفرنسي تصرف بالشكل المناسب في مواجهة مظاهرات بالغة العنف».
وأجري التحقيق بناء على طلب من الرئيس النيجري محمد بازوم. ودارت اتهامات متبادلة بين من يؤكد أن القوة الفرنسية هي التي أطلقت النار ومن يؤكد أن الشرطة النيجرية هي المسؤولة، جاءت لتغذي الشعور المناهض للوجود العسكري الفرنسي في البلدان الثلاثة.
وحرصت وزيرة الدفاع الفرنسية على التأكيد أن بين باريس ونيامي «حواراً جيداً»، وأنها تأمل في أن يساعد على تجنب أحداث مماثلة في المستقبل.
بالنظر إلى ما سبق؛ فإن النجاح العسكري الفرنسي الأخير من شأنه تلميع صورة القوة الفرنسية بعض الشيء. وسبق لـ«برخان» أن نجحت في القضاء على زعيم «القاعدة في الصحراء الكبرى» عدنان أبو الوليد الصحراوي، في منتصف أغسطس الماضي بمنطقة الحدود المثلثة التي تتركز فيها بشكل كبير العمليات الجهادية الإرهابية.
في المقابل؛ فإن الأجهزة الأمنية النيجيرية ألقت القبض على ما لا يقل عن 11 شخصاً يظن أنه كانت لهم صلة من قريب أو بعيد بعملية القتل الجماعية التي استهدفت الناشطين الإنسانيين.
وتعدّ باريس أن القضاء على سومانا بورا «سيتيح مكافحة تمدد (القاعدة في الصحراء الكبرى) ومنعه من إحكام سيطرته على بعض مناطق الحدود المثلثة». وختمت قيادة الأركان الفرنسية بتأكيد أنها مستمرة في محاربة المجموعات الإرهابية بالتعاون شركائها وحلفائها في منطقة الساحل. حقيقة الأمر؛ أن باريس تجد نفسها في وضع حرج في الساحل وبلدانه التي هي مستعمراتها السابقة. وليس سراً أن ثمة حملات إعلامية وسياسية معادية لفرنسا جارية في مالي، وأيضاً في النيجر وبوركينا فاسو. وتعدّ باريس أن جهات أجنبية «روسية وتركية وصينية» لها ضلع في تأجيجها. وفي الأشهر الأخيرة؛ تدهورت العلاقات الفرنسية - المالية. ونهاية الأسبوع الماضي، ألغى الرئيس إيمانويل ماكرون زيارة له كانت مقررة إلى باماكو أول من أمس، بحجة انتشار متحور «أوميكرون» السريع جداً، والحاجة إلى بقائه في فرنسا. وفي الوقت عينه، عمدت قيادة الأركان إلى تنفيذ خطته الهادفة إلى خفض عديد قوة «برخان» من 5200 رجل إلى النصف في منتصف العام الحالي أو بداية العام المقبل. وحتى اليوم، انسحبت «برخان» من 3 قواعد رئيسية شمال مالي سلمت إحداها لقوة الأمم المتحدة، والاثنتين الباقيتين إلى الجيش المالي.
والخلاف الأساسي اليوم بين العاصمتين يدور حول رغبة سلطات باماكو المنبثقة من ثاني انقلاب عسكري في الاستعانة بمجموعة «فاغنر» الروسية لملء الفراغ المتأتي عن انسحاب فرنسا كما تدعي. وما فتئت باريس ترفع سيف التهديد وتؤكد أن وصول ميليشيات «فاغنر» يعني خروج القوة الفرنسية الذي سيجر وراءه انسحاب الأوروبيين. وحتى اليوم؛ تنفي سلطات باماكو وجود أي اتفاق. إلا إن معلومات تتحدث عن وصول أفراد من التنظيم الروسي إلى العاصمة المالية، ويجري الحديث عن توافق على استقدام ألف فرد من هذه الميليشيا مقابل 10 ملايين دولار شهرياً. يضاف إلى ذلك؛ أن باريس، كما عواصم غرب أفريقيا، تريد من سلطات مالي الوفاء بوعودها وإجراء الانتخابات العامة في فبراير (شباط) المقبل من أجل إعادة السلطة إلى حكومة مدنية. ولا شيء يؤشر حتى اليوم إلى أن باماكو ستفي بوعودها؛ مما يزيد العلاقة مع باريس توتيراً؛ وكذلك مع العديد من العواصم الأفريقية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».