نجاح عسكري فرنسي في «الساحل» على خلفية توترات سياسية

القضاء على قيادي «داعشي» متورط في مقتل 6 ناشطين بالنيجر

جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)
جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)
TT

نجاح عسكري فرنسي في «الساحل» على خلفية توترات سياسية

جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)
جندي فرنسي أمام عربات مدرعة بقاعدة للجيش شمال مالي ضمن قوة «برخان» المناهضة للمتشددين بمنطقة الساحل (أ.ف.ب)

صبيحة 9 أغسطس (آب) من العام الماضي، فجعت فرنسا بمقتل 6 عاملين في الحقل الإنساني وسائقهم ومرشدهم السياحي النيجريين، بعملية إرهابية تبناها بعد شهر من وقوعها تنظيم «داعش»، في محمية معروفة باسم «كوريه» تقع على بعد 60 كيلومتراً جنوب شرقي نيامي؛ عاصمة النيجر. والستة؛ وكلهم فرنسيون، هم: 4 نساء ورجلان؛ كانوا قد وصلوا حديثاً إلى النيجر للانخراط في العمل الإنساني في إطار منظمتين غير حكوميتين هما «أكتد» و«إيمباكت». الستة؛ الذين كانت أعمارهم تتراوح بين 25 و31 عاماً، كانوا يريدون زيارة محمية الزرافات «كوريه» التي تضم آخر قطعان الزرافات في غرب أفريقيا، وقضاء أيام عدة للتعرف عليها، عندما هاجمهم 3 أشخاص مدججين بالسلاح ويتنقلون على دراجات نارية. وعمد هؤلاء إلى الإجهاز على المجموعة؛ بمن فيهم السائق والمرشد السياحي رمياً بالرصاص، فيما عمدوا إلى قتل شابة نحراً. بعد ذلك؛ قام الإرهابيون الثلاثة بإحراق السيارة رباعية الدفع «لاند روفر كرزيز» التي كانوا يتنقلون فيها.
وقال الكولونيل باسكال إياني، الناطق باسم هيئة الأركان الفرنسية، أمس، إن الجيش الفرنسي نجح في القضاء على أحد قتلة المجموعة الفرنسية. وجاء في بيان لهيئة الأركان، نقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ما حرفيته: «قمنا أول من أمس في منطقة تيلابيري (غرب النيجر)، من خلال ضربة جوية، بتحييد المسؤول في (تنظيم داعش في الصحراء الكبرى)، سومانا بورا، أحد منفذي عملية قتل 6 رعايا في محمية كوريه، في 9 أغسطس 2020». وأضاف الناطق للوكالة المذكورة أن سومانا بورا عمد إلى «تصوير عملية الإعدام، ووفّر نشرها في وسائل الإعلام». ووفق المعلومات التي وزعها الجيش الفرنسي، فإن القاتل كان يقود مجموعة من المقاتلين تنشط غرب النيجر؛ «أي قريباً من حدود مالي والمنطقة المسماة الحدود المثلثة: النيجر ومالي وبوركينا فاسو». وبحسب الجيش الفرنسي؛ فإن عملية القضاء على سومانا بورا جرت من خلال مسيّرة أصابته عندما كان يقود منفرداً دراجته النارية، مضيفاً أن العملية جرت بـ«التنسيق الوثيق مع سلطات النيجر». وعمد الجيش الفرنسي إلى إرسال دوريات للتأكد من العملية ومن شخص الإرهابي.
يأتي هذا النجاح في الوقت الذي تعاني فيه قوة «برخان» الفرنسية المنتشرة في 4 من 5 دول في منطقة الساحل، من صعوبات في التعامل مع الرأي العام في النيجر وبوركينا فاسو ومالي. والدليل على ذلك الصعوبات التي واجهتها قافلة عسكرية تابعة لـ«برخان» كانت متجهة من أبيدجان؛ العاصمة الاقتصادية لساحل العاج، إلى قاعد «غاو» وسط مالي؛ إذ جرى توقيفها لأيام في بوركينا فاسو ثم في النيجر حيث وقعت صدامات مع الأهالي أدت إلى سقوط 3 قتلى. وقبل 3 أيام؛ أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، انتهاء «تحقيق داخلي» أجرته القوة الفرنسية لتجلية ظروف الحادث. وأفادت بارلي أن التحقيق أظهر أن «الجيش الفرنسي تصرف بالشكل المناسب في مواجهة مظاهرات بالغة العنف».
وأجري التحقيق بناء على طلب من الرئيس النيجري محمد بازوم. ودارت اتهامات متبادلة بين من يؤكد أن القوة الفرنسية هي التي أطلقت النار ومن يؤكد أن الشرطة النيجرية هي المسؤولة، جاءت لتغذي الشعور المناهض للوجود العسكري الفرنسي في البلدان الثلاثة.
وحرصت وزيرة الدفاع الفرنسية على التأكيد أن بين باريس ونيامي «حواراً جيداً»، وأنها تأمل في أن يساعد على تجنب أحداث مماثلة في المستقبل.
بالنظر إلى ما سبق؛ فإن النجاح العسكري الفرنسي الأخير من شأنه تلميع صورة القوة الفرنسية بعض الشيء. وسبق لـ«برخان» أن نجحت في القضاء على زعيم «القاعدة في الصحراء الكبرى» عدنان أبو الوليد الصحراوي، في منتصف أغسطس الماضي بمنطقة الحدود المثلثة التي تتركز فيها بشكل كبير العمليات الجهادية الإرهابية.
في المقابل؛ فإن الأجهزة الأمنية النيجيرية ألقت القبض على ما لا يقل عن 11 شخصاً يظن أنه كانت لهم صلة من قريب أو بعيد بعملية القتل الجماعية التي استهدفت الناشطين الإنسانيين.
وتعدّ باريس أن القضاء على سومانا بورا «سيتيح مكافحة تمدد (القاعدة في الصحراء الكبرى) ومنعه من إحكام سيطرته على بعض مناطق الحدود المثلثة». وختمت قيادة الأركان الفرنسية بتأكيد أنها مستمرة في محاربة المجموعات الإرهابية بالتعاون شركائها وحلفائها في منطقة الساحل. حقيقة الأمر؛ أن باريس تجد نفسها في وضع حرج في الساحل وبلدانه التي هي مستعمراتها السابقة. وليس سراً أن ثمة حملات إعلامية وسياسية معادية لفرنسا جارية في مالي، وأيضاً في النيجر وبوركينا فاسو. وتعدّ باريس أن جهات أجنبية «روسية وتركية وصينية» لها ضلع في تأجيجها. وفي الأشهر الأخيرة؛ تدهورت العلاقات الفرنسية - المالية. ونهاية الأسبوع الماضي، ألغى الرئيس إيمانويل ماكرون زيارة له كانت مقررة إلى باماكو أول من أمس، بحجة انتشار متحور «أوميكرون» السريع جداً، والحاجة إلى بقائه في فرنسا. وفي الوقت عينه، عمدت قيادة الأركان إلى تنفيذ خطته الهادفة إلى خفض عديد قوة «برخان» من 5200 رجل إلى النصف في منتصف العام الحالي أو بداية العام المقبل. وحتى اليوم، انسحبت «برخان» من 3 قواعد رئيسية شمال مالي سلمت إحداها لقوة الأمم المتحدة، والاثنتين الباقيتين إلى الجيش المالي.
والخلاف الأساسي اليوم بين العاصمتين يدور حول رغبة سلطات باماكو المنبثقة من ثاني انقلاب عسكري في الاستعانة بمجموعة «فاغنر» الروسية لملء الفراغ المتأتي عن انسحاب فرنسا كما تدعي. وما فتئت باريس ترفع سيف التهديد وتؤكد أن وصول ميليشيات «فاغنر» يعني خروج القوة الفرنسية الذي سيجر وراءه انسحاب الأوروبيين. وحتى اليوم؛ تنفي سلطات باماكو وجود أي اتفاق. إلا إن معلومات تتحدث عن وصول أفراد من التنظيم الروسي إلى العاصمة المالية، ويجري الحديث عن توافق على استقدام ألف فرد من هذه الميليشيا مقابل 10 ملايين دولار شهرياً. يضاف إلى ذلك؛ أن باريس، كما عواصم غرب أفريقيا، تريد من سلطات مالي الوفاء بوعودها وإجراء الانتخابات العامة في فبراير (شباط) المقبل من أجل إعادة السلطة إلى حكومة مدنية. ولا شيء يؤشر حتى اليوم إلى أن باماكو ستفي بوعودها؛ مما يزيد العلاقة مع باريس توتيراً؛ وكذلك مع العديد من العواصم الأفريقية.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.