خالدة سعيد وأدونيس: الصداقة تاج الحب... والإبداع يمنعه من التحلل

ستة عقود ونصف من الزواج والتكامل الإنساني والانقطاع «التنسكي»

خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
TT

خالدة سعيد وأدونيس: الصداقة تاج الحب... والإبداع يمنعه من التحلل

خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)
خالدة سعيد وأدونيس (صورة أرشيفية)

ترددت كثيراً في الكتابة عن العلاقة العاطفية الاستثنائية التي جمعت بين أدونيس وخالدة سعيد، والتي ظللتها خيمة الزواج منذ ستة عقود ونصف العقد، وليس ذلك لأنني لم أعثر في هذه العلاقة على ما يستحق الكتابة، وهي واحدة من أوثق العلاقات التي جمعت بين شاعر مبدع وناقدة متميزة في العالم العربي، بل لأن الكتابة عن الشؤون الشخصية للمبدعين الأحياء لا بد أن توقع الكاتب في الكثير من المزالق والمطبات. وفي طليعتها يأتي الاتهام بالتطفل أو المحاباة أو الافتئات على الحقيقة تبعاً لطبيعة العلاقة الشخصية التي تربط بين طرفي الكتابة. أدرك تماما أن مثل هذه المحاذير تظل قائمة حتى بالنسبة للمبدعين الراحلين، حيث يُنظر إلى الأمر في العالم العربي بوصفه مجافاة للأخلاق وقواعد السلوك وانتهاكاً سافراً لحرمة الموتى. ولعل هذه النظرة القاصرة هي التي ألحقت أفدح الضرر بأدب المذكرات والاعترافات وبفن السيرة العربي، حيث يتم حجب الحقائق وتمويه الحيوات أو تزويرها، فيما تأخذ الأمور في الغرب منحى مغايراً تماماً. فالشخصيات العامة والكتاب والفنانون لا يتوانون باعتبارهم بشراً غير منزهين عن الاعتراف بعيوبهم ونزواتهم.
مع ذلك أعترف وأنا أتصدى لهذه المقاربة الشائكة، بأن ما سهل مهمتي إلى حد بعيد، هو الطبيعة المركبة للعلاقة التي جمعت بين خالدة وأدونيس، حيث كان التكامل واضحاً بين الشأنين العاطفي والأدبي، وحيث بدا الافتتان بحضور الآخر، وجهاً من وجوه الافتتان بمنجزه التعبيري. فمنذ اللحظة الأولى للقاء المصادفة الذي جمع في منزل المذيعة المعروفة عبلة خوري بين الشاعر الفتي الذي شاء أن يتكنى باسم أدونيس تيمناً بالإله الفينيقي المترنح بين الموت والانبعاث، والقادم من الساحل السوري ليلتحق بجامعة دمشق، وبين خالدة صالح التي تصغره بعامين اثنين، والملتحقة بدار المعلمين مسلحة بقدر غير قليل من الذكاء والجمال. تكفلت الكيمياء المتبادلة بين الطرفين بدفع العلاقة بعيداً إلى الأمام، فيما تكفل الانسجام الأدبي والإبداعي والعقائدي أيضاً بما تبقى من المسافة.
كانت العاصمة السورية ترزح آنذاك تحت وطأة الأحداث السياسية الساخنة والانقلابات العسكرية المتلاحقة، فلم تستطع أن توفر للثنائي العاشق الطافح بالحيوية ما يلزمه عناصر الاستقرار والحرية ومستلزمات الطموح الإبداعي. الأمر الذي أجبرهما على الفرار إلى بيروت بحثاً عن فرصة ملائمة لتحويل أحلامهما المشتركة إلى حقيقة ملموسة. ولم يطل الأمر كثيراً حتى كان الشاعر اللبناني يوسف الخال العائد حديثاً من الولايات المتحدة الأميركية يدشن عبر مجلة «شعر» عصر الحداثة الثانية للشعر العربي، بعد سنوات قليلة من ظهور مجلة «الآداب»، مستعيناً بكوكبة من الشعراء والمثقفين المتطلعين بحكم انتماء معظمهم للحزب السوري القومي إلى ثقافة وفكر «قياميين» يحاكيان أسطورة تموز الناهض من موته بعد سبات شتوي طويل.
لم يكن من المستغرب أن يجد صاحب «البئر المهجورة» في أدونيس ظهيراً لمشروعه الثقافي ومنظراً له، وهو الذي كشف منذ يفاعته عن نزوع واضح إلى المغايرة والتمرد. شكلت الإسهامات النقدية التي ظهرت في الأعداد الأولى للمجلة موقعة باسم خزامى صبري، وتناولت أكثر من شاعر مجدد وفي طليعتهم أدونيس نفسه، مفاجأة حقيقية للكثير من المتابعين، بما حملته من عناصر التميز والحساسية العالية والعمق المعرفي. وسرعان ما تكشف لهؤلاء أن المرأة التي تناولت بالنقد مغامرة أدونيس المبكرة في «قصائد أولى» و«البعث والرماد». لم تكن سوى خالدة سعيد بالذات التي دفعها خجلها الفطري وتحرجها من الكتابة عن زوجها الشاعر إلى التنكر باسم مستعار، قبل أن تعاود التوقيع باسمها الصريح، بدءاً من مقالتها «الأسطورة في الشعر المعاصر» ثم «الشعر في معركة الوجود» و«بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث». لم تقتصر على تجربة أدونيس وحده، بل تناولت تجارب مماثلة لفدوى طوقان ويوسف الخال ومحمد الماغوط وسلمى الجيوسي، وتضمنتها لاحقاً باكورتها النقدية «البحث عن الجذور». ولم يقتصر دور خالدة النقدي على المقالات المنشورة في المجلة، بل كان لها إسهامها الحيوي في الندوات الفكرية الحوارية التي أعطيت اسم «خميس شعر»، تبعاً لموعد انعقادها الدوري آنذاك.
والواقع أن أعمال خالدة النقدية تعدت الشعر نفسه، لتطال عبر كتبها «أفق المعنى» و«فيض المعنى» و«يوتوبيا المدينة المثقفة» و«في البدء كان المثنى»، المسرح والأغنية والموسيقى وفنون السرد والتشكيل، بما دفع الكثير من المشتغلين بالأدب والفن إلى اعتبارها إحدى أبرز أيقونات الحداثة والنقد العربيين. على أن اهتمامها بالكثير من التجارب الشعرية الطليعية لا يمكن أن يحجب عن الأنظار إعجابها المفرط بالتجربة الأدونيسية، ورؤيتها هذه التجربة بوصفها حجر الزاوية الأهم في مشروع التحديث العربي. وهو ما بدا جلياً في كتابها «حركية الإبداع» الذي تضمن مقاربتها المميزة لقصيدة أدونيس الشهيرة «هذا هو اسمي»، وكتابها «جرح المعنى» المتمحور حول قصيدة أدونيس النثرية «مفرد بصيغة الجمع».
لكن كل ما تقدم ذكره حول التكامل الفكري والإبداعي بين خالدة وأدونيس لا يغلق الباب بالضرورة على الأسئلة المتصلة بطبيعة العلاقة الشخصية بين الطرفين، ومدى الانسجام القائم بين الوعي النظري وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع المعيش، خصوصاً أن هذه الإشكالية الشائكة هي المجال الحيوي الأهم لهذه السلسلة من المقالات. وإذا كانت موجبات الأمانة الأخلاقية تقتضي الإشارة إلى تكتم الثنائي الزوجي حول كل ما يتصل بخصوصية العلاقة التي تجمعهما، وإبقائها بعيدة عن ألسن الفضوليين والمصطادين في المياه العكرة، فإن المتابع لآراء الطرفين المعلنة لا بد أن يكتشف التباين الواضح في موقفهما من تبعات المؤسسة الزوجية والمفاهيم المتعلقة بالحرية والجسد وتعدد العلاقات. والواضح في هذا السياق أن أدونيس يذهب في اعتناقه لمبدأ الحرية أكثر بكثير مما هو الحال مع خالدة التي تظهر المسافة واضحة بين اعتناقها النظري للحرية وبين التزامها الطوعي بموجبات التحفظ الأخلاقي والرصانة السلوكية، معتبرة أن هذا الالتزام بحد ذاته هو وجه من وجوه الحرية الشخصية وليس نفياً لها.
والحقيقة أن من يتابع كتابات أدونيس وحواراته المتنوعة لا بد أن يلاحظ حرص الشاعر على ألا يحول تهذيبه الفطري وتردده في الإفصاح عن مكنونات قلبه، دون حقه في التعبير عن قناعاته وآرائه في شؤون الحب والزواج والجنس وما إلى ذلك. وهو إذ يعلن في حواره المطول مع صقر أبو فخر، بأنه لم يكن الطرف المبادر في كل علاقاته مع النساء، بما فيها علاقته بخالدة، بل هن من كن يأخذن زمام المبادرة، يضيف تجنباً لسوء الفهم، بأن مرد هذا الأمر ليس الشعور بالصلف أو التشاوف، بل يعزوه إلى تأثره اللاواعي بالتقاليد المتخلفة التي تحكم المجتمع العربي، وإلى نشأته الفقيرة وظروفه الحياتية القاسية. وإذ يشير في بعض حواراته إلى أن شغفه بالنساء كان يأتي في الدرجة الثانية من سلم اهتماماته، أي بعد القراءة والكتابة، فهو لا يتوانى في حوارات أخرى عن إعلاء الجسد الإنساني بوصفه «قبة الروح»، كما يعبر القديس بالاماس، وعن الرؤية إلى العلاقة الجسدية مع المرأة بوصفها شكلاً من أشكال الشعر، وبحثاً رمزياً عن الينبوع الأصلي للتكوين.
وفي حواره الأكثر جرأة مع ابنته نينار يعبر أدونيس عن اعتقاده بعدم قدرة الرجل على أن يمضي حياته مع امرأة واحدة، لأن الجسد الإنساني «بحاجة إلى أجساد كثيرة»، وفق تعبيره الحرفي الذي ينم بشكل موارب عن تعدد مغامراته العاطفية. وهو لا يتحرج في الحوار نفسه من التصريح بأن مؤسسة الزواج باتت مؤسسة نافلة وينبغي إلغاؤها. وإذ يعترف لنينار بأنه لم يكن راغباً في إنجاب الأطفال، يستدرك منعاً لأي لبس بأن الأمر كان عائداً للضائقة المعيشية التي وقعت العائلة تحت وطأتها في سنوات الزواج الأولى، لا لأي سبب آخر. كما يكشف صاحب «المسرح والمرايا» عن شعوره بالندم، لأنه لم يقم بالدور الذي توجب أن يؤديه في رعاية ابنتيه، مشيراً من جهة أخرى إلى أن ذلك التخلي، على سلبيته قد منحهما الكثير من الحرية، وأتاح لشخصيتيهما أن تنضجا بعيداً عن سلطة الأب وتعاليمه وتوجيهاته.
أما من الزاوية المتعلقة بخالدة، فالأمور تتخذ وجهة مغايرة وأكثر جنوحاً إلى التحفظ، حيث لا إشارة إلا لما هو ناصع ومضيء ووردي في حياة الزوجين. ومع أن خالدة تلمح في غير مناسبة إلى ما أحاط بها طفلة من متاعب الحياة وشظف العيش، وهو ما استمرت مفاعيله بعد ارتباطها بأدونيس، إلا أنها لا تكف عن التأكيد بأن ما دفعته على امتداد حياتها من أكلاف لا يقارن أبداً بحصاد عمرها الوفير، أو بإقامتها الطويلة في كنف الرجل الاستثنائي الذي ارتبطت به. وهي في حوارها المطول مع محمد ناصر الدين، تعتبر تلك التجربة «أعظم نِعم الله عليها. ليس فقط بسبب لطف أدونيس ونبله. فإلى جانب ذلك يشعر من يعيش قربه أنه مطالب دائماً بأن يكون بالغ الذكاء، سريع الفهم، واسع الاطلاع، يستبق الأشياء ويتنبأ بمصدر النور». وفي رد مباشر على الذين يزعمون بأن احتضانها المبكر لتجربة أدونيس قد أسهم إلى حد بعيد في تظهير صورته وإعلاء مكانته الأدبية، تقول خالدة في حوار آخر «لم أعط أدونيس ما لم يملكه. فهو ليس مجرد شاعر كبير، بل لطالما كان في مساره الشعري رائياً وملهِماً وشجاعاً. لذلك أرفض القول إنني دفعت به إلى دائرة الضوء، بل أنا التي استضأت به»، ثم تضيف دون تحرج «أحب أدونيس أكثر من روحي، وهذا يكفي».
لم تكن خالدة سعيد أخيراً بعيدة عن منابع الإلهام الشعري الأدونيسي. وإذا كان أدونيس قد أهدى لخالدة عمله المميز «أغاني مهيار الدمشقي»، كتعبير عما يكنه لها من مشاعر الحب، فأغلب الظن أن لها بصمات واضحة في الكثير من قصائده وأعماله، وفي كتابه السير - ذاتي «مفرد بصيغة الجمع» على وجه الخصوص. أما في «تحولات العاشق»، فثم غير قرينة وإشارة تومئان إلى حضور خالدة الطيفي. والواقع أن أدونيس لم يكن يريد عبر هذه القصيدة الفريدة، أن يحتفي بثنائية المرأة/ الرجل فحسب، بل أراد التنويه في الوقت ذاته إلى أن كل علاقة حقيقية بين عاشقين، هي إعادة تأسيس رمزي لأسطورة الخلق. ولأنها كذلك فعليها أن تظل، ولو في كنف الزواج، محمية بلهب الشغف ومغلفة بالأسرار. ولهذا لا أجد ما أختتم به هذه المقالة أفضل من قول أدونيس في أحد مقاطع القصيدة:
« - كيف تزوجتني؟
- كنتُ أسير وحشياً ليس عندي ما أسكن إليه وأرتاح
فنمت نومة واستيقظتُ
وإذا على وسادتي امرأة
وتذكرتُ حواء والضلع الآدمي وعرفتُ أنكِ زوجتي
- وكيف تزوجتِني؟
- كان جسدي هبوباً إليكَ
يتلون بالأرض هبوباً إليكَ
يا فلَك الزمهرير».



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.