الانتخابات الأميركية.. كلينتون في مواجهة بوش سيناريو محتمل

قبل 20 شهرًا من السباق.. بدأت الحملة في التسخين

الانتخابات الأميركية.. كلينتون في مواجهة بوش سيناريو محتمل
TT

الانتخابات الأميركية.. كلينتون في مواجهة بوش سيناريو محتمل

الانتخابات الأميركية.. كلينتون في مواجهة بوش سيناريو محتمل

كل أربعة أعوام، يترشح سياسيون أميركيون لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الديمقراطي، أو الحزب الجمهوري، أو أحزاب أخرى صغيرة. ويتابع الأميركيون الحملات الانتخابية، الجاد منها وغير الجاد. غير الجاد في برامج تلفزيونية فكاهية. وذلك لأن إقبال الأميركيين على السياسة والسياسيين، ربما مثل شعوب أخرى، ليس قويا. وتظل نسبة تصويت الأميركيين أقل من نسبة 50 في المائة. وتظل نسبة عدم الثقة بالسياسيين عالية جدا. (نسبة التصويت 90 في المائة في شيلى، وأستراليا، وبلجيكا، و80 في المائة في السويد والنمسا).
ومن المفارقات أن نسبة تصويت الأميركيين منخفضة جدا، لكن حملاتهم الانتخابية تبدأ مبكرة جدا. ها هي بدأت قبل عشرين شهرا من يوم التصويت. وحسب كتاب «سبلنديد غيم» (اللعبة الرائعة)، الذي كتبه كريستيان بوثولوم، صارت الحملة الانتخابية وكأنها «حملة ترفيهية».

هذه المرة، مثل مرات سابقة، يتندر الأميركيون على المرشحين. وتقود حملات التندر برامج فكاهية، مثل «ساتدرداي نايت لايف» (ليلة السبت حية). عندما أعلنت هيلاري كلينتون ترشيحها، قدم البرنامج ممثلة تمثلها، وتقول: «أيها الأميركيون والأميركيات، يجب أن تصوتوا لي. يجب أن أكون رئيستكم». ثم اقترب منها ممثل يمثل زوجها، ووضع يده فوق كتفها، وقال لها، في ود: «لا تقلقي يا حبيبتي. مثلما صوتوا لي لأكون رئيسهم، سيصوتون لك لتكوني رئيستهم». (يشير هذا إلى اتهامات لهما بأنهما أدمنا العمل السياسي أكثر مما يجب. وأنهما صارا يعتقدان أن قيادة الشعب الأميركي حق مقدس لهما).
وعندما أعلن السناتور تيد كروز (جمهوري، ولاية تكساس) ترشيحه لرئاسة الجمهورية، تندر عليه البرنامج. وقدم ممثلا يتحدث باللغة الإسبانية إلى مهاجرين لاتينيين. ويقول لهم: «كندا أفضل لكم من الولايات المتحدة، سأساعدكم في الهجرة إلى هناك». (يشير هذا إلى أن كروز ولد في كندا، والده مهاجر من كوبا، ووالدته أميركية. وهو من كبار المعارضين لتوطين المهاجرين اللاتينيين غير القانونيين في الولايات المتحدة).
وعندما أعلن السناتور راند بول (جمهوري، ولاية كنتاكي) ترشيحه لرئاسة الجمهورية، تندر عليه البرنامج. وقدم ممثلا صغير السن، يمثل بول. وممثلا كبير السن يمثل والده. وقال بول لوالده، وهو يلومه: «هذه هي تلقيحاتك». (يشير هذا إلى أن بول كان قال إن تلقيح الأطفال يسبب لهم مشكلات عقلية. ودعا الحكومة إلى تخفيض ميزانية تلقيح الأطفال. في نفس الوقت، والد بول هو الطبيب السياسي رون بول).
يوم الاثنين الماضي، أعلن السناتور مارك روبيو (جمهوري، ولاية فلوريدا) ترشيحه. ربما سيكون ذلك موضوعا فكاهيا في برنامج ليلة السبت القادم. وربما سيظهر ممثل يمثله في صورة لاجئ من كوبا، ويقول: «ها أنا ذا أترشح لرئاسة الولايات المتحدة، ولرئاسة كوبا. وشكرا للرئيس أوباما لأنه مهد الطريق». (يشير هذا إلى أن والد روبيو هاجر إلى الولايات المتحدة من كوبا قبل 50 عاما. وأن ابنه السناتور يعارض معارضة قوية تحسين العلاقات مع كوبا).

تيد كروز:

قبل أسبوعين، وفي الحملات الانتخابية غير الفكاهية، كان أول سياسي يعلن ترشيحه هو تيد كروز (جمهوري، ولاية تكساس). أعلن ترشيحه في خطاب ألقاه في جامعة ليبرتي (ولاية فيرجينيا). وهو من قادة الجناح اليميني في الحزب الجمهوري.
وصفته صحيفة «دالاس مورننغ نيوز» بأنه «مرشح حزب الشاي المفضل». ومن قادة الحملات الرسمية (والشخصية) ضد الرئيس باراك أوباما.
في عام 2102، انتخب لمجلس الشيوخ بعد أن ركز على انتقاد عنيف لبرنامج الرعاية الصحية الذي قدمه الرئيس أوباما (أوباماكير). وفي عام 2013، ألقى خطابا حماسيا ضد «أوباماكير»، كان أطول خطاب في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي، لأنه استمر 21 ساعة، بدون توقف. قرأ خلالها كل مسودة البرنامج المكون من ألف وخمسمائة صفحة. وعلق على كل كبيرة وصغيرة في البرنامج.
لكن، يشك قادة في الحزب الديمقراطي (وبعض منافسيه في الحزب الجمهوري) في أحقيته في الترشيح لرئاسة الجمهورية، لأنه مولود في كندا. وفعلا، في العام الماضي، أرغم على التخلي عن الجنسية الكندية. لكن، طبعا، وكما جاء في البرنامج الفكاهي «ساترداي نايت لايف»، سينتقد انتقادا قويا، ليس فقط لأنه، مثل أوباما، قيل بأنه لم يولد في الولايات المتحدة، ولكن لأنه، فعلا، لم يولد في الولايات المتحدة.
مثلما فعلت هيلاري كلينتون بعده، يعتمد السناتور كروز على موقع «تويتر» في نشر تعليقاته، وأخباره، وصورة. مؤخرا، كتب: «سأشارك في الانتخابات الرئاسية، وسأعول على دعمكم. صار ضروريا أن يأتي جيل جديد من المحافظين الشجعان ليعيدوا إلى أميركا عظمتها».
هكذا، يبدو أن السناتور كروز لا يركز على احتمال عدم قانونية ترشيحه. ولا يركز، أيضا، على نقطة أخرى، وهي خلفيته الكوبية. والدته كندية، ووالده مهاجر من كوبا إلى كندا. عندما فاز في ولاية تكساس واجه تناقضا بين خلفيته اللاتينية (الليبرالية بالنسبة للاتينيين في الولايات المتحدة)، و«حزب الشاي» الذي ينتمي إليه (ويقود حملة ضد ملايين اللاتينيين الموجودين في الولايات المتحدة بصورة غير قانونية).
في موقعه في الإنترنت، قدم السناتور كروز آراء خبراء قانونيين قالوا إنه يملك حق الترشيح لرئاسة الجمهورية رغم أنه ولد في كندا، وذلك لأن والدته أميركية.

راند بول:

قبل أسبوع، في لويفيل (ولاية كنتاكي)، أعلن السناتور الجمهوري راند بول ترشيحه لرئاسة الجمهورية. وهو عكس السناتور كروز، رغم أنه من ولاية جمهورية محافظة، من القادة السياسيين والفكريين المدافعين عن الحريات الشخصية. لكنه، طبعا، لن يقدر على الفوز من دون تأييد الجناح اليميني الذي يكاد يسيطر على الحزب.
لهذا، كتب في حسابه في «تويتر»: «أنا نوع مختلف من الجمهوريين (لم يقل أنا جمهوري ليبرالي)». كسب الجناح اليميني أو لم يكسبه، يعتمد بول على الشباب، والوسطيين، والأقليات داخل الحزب الجمهوري.
لكن، كتبت صحيفة «لويفيل كاريار جورنال»: «ليس بول عدوا لحزب الشاي. بول من الذين أسسوا حزب الشاي». وأشارت الصحيفة إلى أن تركيز بول على الحريات الشخصية (حريات الأقليات، مثل: لاتينيين، وسود، ومثليين جنسيين، ومهاجرين) هو الذي يفصل بينه وبين حزب الشاي. وأن بول لا يختلف كثيرا عن كروز في معارضة «أوباما كير». وذلك كجزء من معارضته لدور كبير للحكومة في الحياة الأميركية.
في العام الماضي، عندما انكشف برنامج التجسس السري الذي كانت تقوم به وكالة الأمن الوطني (إن إس إيه)، كان بول واحدا من سيناتورات جمهوريين قلائل اتفق مع سيناتورات ديمقراطيين في هجوم شديد على التجسس على المواطنين الأميركيين، وفي المطالبة بوضع رقابة قوية على «إن إس إيه».
ولا يُذكر السيناتور بول إلا ويُذكر والده النائب السابق رون بول. كان من قادة الجناح المعتدل في الحزب الجمهوري. وهو الطبيب المتقاعد، أيد برنامج «أوباماكير»، عكس ابنه. وترشح مرتين لرئاسة الجمهورية، من دون دعم قيادة الحزب الجمهوري (لأنه جمهوري ليبرالي).
وحسب صحيفة «بوليتيكو»: «نصف راند بول هو والده الليبرالي، ونصفه الثاني هو حزب الشاي».

هيلاري كلينتون:

يوم الأحد الماضي، كانت هيلاري كلينتون ثالث شخص يترشح لرئاسة الجمهورية، وأول شخص من الحزب الديمقراطي. قبلها، أعلن كل من السناتور كروز والسيناتور بول ترشيح نفسه في خطاب جماهيري. ثم استخدما موقع «تويتر». لكن، أعلنت كلينتون ترشيح نفسها في «تويتر»، وبدا وكأنها ستقود «حملة انتخابية «تويترية».
منذ أول يوم بعد إعلان ترشيحها، عندما سافرت من نيويورك إلى ولاية إيوا (واحدة من ولايتين، مع ولاية نيوهامبشير، جرت العادة على أن تبدأ الحملات الانتخابية فيهما)، بدأت تستعمل «تويتر»، وكأنها صحافي يتابع الحملة.
بالإضافة إلى أول تغريدة في موقع «تويتر» أعلنت فيها ترشيح نفسها، وضعت تغريدات وصلتها من شخصيات هامة تؤيدها. منها تغريدة رئيس وزراء فرنسا، مانويل فالس: «حظ سعيد». وتغريدة رئيس فرنسا السابق، نيكولا ساركوزي: «حظ سعيد». ورسالة طويلة من وزير خارجية ألمانيا، فرانك شتاينماير. وفيها: «أثبتت أن لديها موهبة فطرية فيما يتعلق بأزمات العالم. من أفغانستان إلى الشرق الأوسط. وأثبتت أنها تعرف أوروبا، وتفهم طريقة تفكيرنا. هذه امرأة تخوض السباق وهي، كقلة قليلة من الناس، أستاذة في مهنة السياسة، خصوصا الشؤون الخارجية».
وكتبت وكالة «أ.ف.ب»: «لم يكن تأييد ترشح كلينتون عاديا، وذلك لأن الحكومات الأجنبية تحجم في أغلب الأحيان عن الحديث عن سياسات الانتخابات في الدول الأخرى. الخطوة مذهلة أكثر في حالة شتاينماير، بسبب ما يعرف عنه بأنه سياسي حذر. لكن، رسائل التأييد الواردة من الخارج ربما لن تكون مفيدة تماما. وذلك لأن خصوم كلينتون الجمهوريين سيستهدفون تاريخها..».
وكتبت وكالة «رويترز»: «ربما أرادت هيلاري كلينتون أن تضفي على نفسها هالة من التواضع بإعلانها البسيط عن ترشيح نفسها. لكن، يصير صعبا عليك الظهور في صورة الأميركي العادي عندما يعرفك معرفة جيدة كثير من الناس حول العالم».
وبعد ساعات قليلة من إعلان ترشيحها، بدأت بالسيارات رحلة ألف ميل من نيويورك إلى ولاية إيوا. ونشرت صورا من الرحلة في حسابها في موقع «تويتر»، مع تعليقات واضح فيها أنها تتعمد أن تكون شعبية. في تغريدة، نشرت صورة ذاتية (سلفي) تظهر فيها مع عائلة في محطة للبنزين في ولاية بنسلفانيا.
تسافر، مع الوفد المرافق لها، في حافلة عملاقة، يطلق عليها اسم «سكوبي» (من أسماء الرسوم المتحركة)، كتبت كلينتون في «تويتر»: «قبل فترة، قابلنا عائلة رائعة. سنقابل المزيد..».
من المفارقات أن كلينتون، في انتخابات عام 2008، نافست أوباما على رئاسة الجمهورية، وها هي، في انتخابات عام 2016، تحظى بتأييد قوي منه.
في نفس يوم إعلان ترشيحها، قال الرئيس ياراك أوباما، في مؤتمر صحافي في ختام قمة الدول الأميركية في بنما، في أميركا الوسطى: «أعتقد أنها ستكون رئيسة ممتازة». وأضاف: «كانت داعما كبيرا لي في انتخابات عام 2008 (بعد فوزه عليها كمرشح للحزب الديمقراطي). وكانت وزيرة خارجية رائعة. إنها صديقتي.. ستكون واضحة للغاية في إعلان رؤيتها لسير البلاد قدما إلى الأمام».
وتشير استطلاعات الرأي إلى تأكيد فوزها كمرشحة للحزب، وذلك بسبب حصولها على نحو 60 في المائة من أصوات الذين أكدوا أنهم سيصوتون في الانتخابات التمهيدية.

مرشحون جمهوريون:

بعد يوم من إعلان هيلاري كلينتون ترشيحها، أعلن ثالث مرشح جمهوري ترشيحه: السيناتور ماركو روبيو، الكوبي الأصل.
في نفس الوقت، يتوقع أن يكون المرشح الجمهوري الرابع هو جيب بوش، حاكم سابق لولاية فلوريدا (لفترتين). وشقيق الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وابن الرئيس السابق جورج إتش بوش.
في الحقيقة، ترشح جيب، لكنه لم يترشح رسميا. قبل شهور كتب في حسابه في موقع «تويتر»: «قررت أن أستكشف جديا إمكانية أن أكون مرشحا لرئاسة الولايات المتحدة».
كان متوقعا أن يترشح مرة أخرى ميت رومني، الذي ترشح ضد أوباما في انتخابات عام 2012، وسقط. لكن، قبل شهرين، قال لأنصاره خلال اجتماع في نيويورك: «أحس بأن الوقت حان لجيل جديد من الجمهوريين للسعي لشغل منصب البيت الأبيض». وأضاف: «بعد التفكير، في تان، حول جدوى الترشح للرئاسة مرة أخرى، قررت أنه سيكون من الأفضل منح قادة آخرين في حزبنا فرصة الترشح».

استطلاعات:

في الشهر الماضي، قبل أن تعلن كلينتون ترشيحها، أوضح استطلاع للرأي أجراه تلفزيون «سي إن إن» أنها تتصدر المرشحين الديمقراطيين المحتملين لانتخابات الرئاسة. وأن 62 في المائة يؤيدونها، مقابل 15 في المائة يؤيدون نائب الرئيس جو بايدن. و16 في المائة يؤيدون السناتور اليزابيت وارين.
بالنسبة للجمهوريين، أوضح الاستطلاع أن جيب بوش في المقدمة: بنسبة تأييد تصل إلى 16 في المائة. يليه حاكم ولاية ويسكنسون، سكوت ووكر، بنسبة 13 في المائة. وجاء السيناتور بول في المرتبة الثالثة. والسيناتور كروز في المرتبة الرابعة، وحاكم ولاية أركنسا السابق، مايك هوكايبي، في المرتبة الخامسة.
في الأسبوع الماضي، في استطلاع أجراه مركز «غالوب» حول منافسة نهائية بين هيلاري كلينتون وجيب بوش، نالت 54 في المائة من الأصوات مقابل 41 في المائة لبوش.
وفي الأسبوع الماضي، أيضا، أظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» أنه، من بين 15 مرشحا جمهوريا محتملا، تقدم جيب بوش بنسبة 23 في المائة من أصوات الجمهوريين، مقابل 14 في المائة من أصواتهم حصل عليها في استطلاع مماثل في نهاية العام الماضي.
وحصل حاكم ولاية نيوجيرسي، كريس كريستي، على 13 في المائة من أصوات الجمهوريين. وجاء جراح الأعصاب الأسود بنجامين كارسون في المرتبة الثالثة، والحاكم السابق لولاية أركنسا، مايك هاكبي، في المرتبة الرابعة، والسيناتور بول في المرتبة الخامسة.
وهكذا، لا يبدو أن هناك فرقا كبيرا بين استطلاع الشهر الماضي، واستطلاع الأسبوع الماضي بالنسبة للمرشحين الجمهوريين. وهو أن بوش في المقدمة، رغم أنه لم يترشح رسميا حتى الآن.

الشرق الأوسط:

من جملة نحو عشرين سياسيا يتوقع أن يترشحوا أو لن يترشحوا، ترشح، حتى الآن، أربعة فقط. لهذا، الوقت مبكر لنشر برامج انتخابية. وحتى عندما تنشر، سيكون تركيزها على المواضيع الداخلية، لا الخارجية. وجرت العادة على أن يهتم المرشحون بالمواضيع الخارجية بعد أن يحسم كل حزب مرشحه لرئاسة الجمهورية، ومع بداية المناظرات التلفزيونية.
لكن، من وقت لآخر، تظهر تصريحات عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط:
أولا: في الشهر الماضي، احتج مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) للسيناتور كروز لأنه ظهر في مؤتمر مع محافظين، من بينهم روبرت سبنسار، الذي يقود حملة قاسية ضد الإسلام والمسلمين.
ثانيا: في العام الماضي، اشتكى دين عبيد الله، فكاهي أميركي عربي، من السيناتور بول الذي كان تحدث في مؤتمر للشباب المحافظين عن الإسلام والمسلمين. ومما قال: «من بوسطن إلى باريس، تدور حرب ضد المسيحية بقيادة مسلمين».
ثالثا: لا يتوقع أن تنتقد هيلاري كلينتون الرئيس أوباما خلال حملتها الانتخابية. لكن، ليس سرا أنها، عندما كانت وزيرة للخارجية، دعت إلى تدخل عسكري أميركي فعال ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد. ورفض أوباما. ثم مؤخرا، وافق على دعم «المعارضة المعتدلة».
وأخيرا، بالإضافة إلى الحملات الانتخابية الحقيقية، والحملات الانتخابية الساخرة في برامج تلفزيونية، توجد حملات انتخابية في مواقع التواصل الاجتماعي.
مثل السخرية على شعار حملة هيلاري كلينتون. قال ناس إن حرف «إتش» في هيلاري بشبه حرف «إتش» الذي يوضع في لافتات في الطرق الرئيسية تشير إلى مستشفى. وقال آخرون إنه يشبه شعار شركة «فيدرال إكسبريس» لنقل الطرود والخطابات. وقال غيرهم إنه يشبه شعار حزب نازي في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
لهذا، لا بد أن البرامج التلفزيونية الفكاهية، مثل «ليلة السبت حية»، ومواقع التواصل الاجتماعي، ستكون مثيرة مع كل مرشح جديد، خصوصا وأن انتخابات الرئاسة ستكون بعد 20 شهرا.

أسماء ترشحت رسميا

> من الحزب الجمهوري: تيد كروز. راند بول. ماركو روبينو.
> من الحزب الديمقراطي: هيلاري كلينتون

قالوا إنهم ربما سيترشحون

> من الحزب الجمهوري: جيب بوش. بنجامين كارسون.
> من الحزب الديمقراطي: جيم ويب، إليزابيت وارين.

يتوقع أن يترشحوا

> من الحزب الجمهوري: سكوت ووكر. لندسي غراهام.
بوب جندال. كريس كرستي. ريك سانتوريوم.
مايك هاكابي. ريك بيري. كارلى فيورينا.
> من الحزب الديمقراطي: مارتن أومالي. مارك وارنر.
ديفال باتريك.
لن يترشحوا

> من الحزب الجمهوري: ميت رومنى. رون بول.
> من الحزب الديمقراطي: جو بايدن. جيري براون.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.