السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

مئات الآلاف من المحتجين يكسرون الحواجز ويدعون للاعتصام

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

شهد السودان أمس احتجاجات واسعة؛ حيث تمكن المتظاهرون، للمرة الأولى، من اختراق الحواجز الأمنية الكبيرة حول القصر الرئاسي، وتلك المؤدية إليه، رغم إطلاق الشرطة والقوات الأمنية الرصاص وقنابل الغاز بكثافة على أجساد المحتجين مباشرة، ما أدى إلى إصابات عديدة.
واستمرت حالات الكر والفر بين المحتجين والقوات الأمنية في محيط القصر حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، بينما دعت «لجان المقاومة» التي تقود الحراك الشعبي، المتظاهرين، للاعتصام أمام القصر حتى تسليم السلطة للمدنيين.
وأصيب عدد من المحتجين بالرصاص شاركوا في أكبر تظاهرة تشهدها الثورة السودانية، واخترق مئات الآلاف من الثوار السلميين السياجات الأمنية المُحكمة التي وضعتها السلطات العسكرية أمام الطرق المؤدية للقصر الرئاسي، وفتح المحتجون عنوة الجسور المؤدية لوسط الخرطوم، والتي أغلقتها السلطات منذ وقت مبكر من صباح أمس. ولم يمنع الاستخدام الكثيف للغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص، وصول الحشود القادمة من أنحاء البلاد إلى القصر الرئاسي وسط الخرطوم، بينما استخدم البعض القوارب لعبور النهر.
واتخذت السلطات العسكرية السودانية حزمة إجراءات أمنية متشددة، تضمنت نشر قوات كبيرة في وسط الخرطوم، وإغلاق كل الجسور المؤدية إلى مركز المدينة، بيد أن الثوار أفلحوا عنوة في فتح الجسور وإزالة الحواجز، واضطرت القوات العسكرية التي كانت تسد تلك الجسور للتنحي جانباً، في وقت لوحظ فيه تلاحم بين بعض قوات الجيش والمحتجين الذين رددوا هتاف: «شعب واحد... جيش واحد».
ودعت لجان المقاومة لموكب مليوني يستهدف القصر الرئاسي –يعرف محلياً بالقصر الجمهوري– يطالب بإسقاط الانقلاب العسكري، وتكوين حكومة مدنية، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي صادفت يوم أمس. وللمرة الأولى وضعت القصر الرئاسي هدفاً لتجمعها.
وتحسباً وللحيلولة دون وصول المحتجين للقصر الرئاسي، أغلقت سلطات الأمن جسور: الفتيحاب، والنيل الأزرق، وشمبات، والمك نمر، والجيش، والمنشية، وهي الجسور الرئيسة التي تربط مدن العاصمة الثلاث عبر نهر النيل وفرعيه الأبيض والأزرق؛ لكن كثافة المحتجين وكبر أعدادهم، أجبرا قوات الشرطة والجيش التي كانت تحرس تلك الجسور على التراجع، ما أتاح للثوار القادمين من الخرطوم بحري وأم درمان وشرق النيل، العبور عنوة إلى القصر الرئاسي.
وقال وزير الثقافة والإعلام السابق، فيصل محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن مواكب أمس دونت يوماً عظيماً من أيام السودان، وضع نهاية لمرحلة من مراحل التاريخ السوداني، وفتح صفحة لمرحلة جديدة، وأضاف: «واضح جداً أن الانقلاب سقط، وانتصرت إرادة الشعب السوداني»، وتابع: «الشارع يحتاج قيادة سياسية تخرج من صفوفه، وترتب صورة المشهد الجديد». وأوضح صالح أن مرحلة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان حميدتي، وبقية ممثلي المكون العسكري «قد انتهت، وأن المدنيين بحاجة لقيادة جديدة للقوات المسلحة، يتحاورون معها حول الدور المطلوب منها خلال المرحلة القادمة»، وأضاف: «المرحلة القادمة مرحلة صعبة ومعقدة، لم تتشكل ملامحها بعد؛ لكن الواضح أنه لا يمكن العودة حتى لأوضاع ما قبل انقلاب أكتوبر (تشرين الأول)، ولم تعد الشراكة المدنية العسكرية بشكلها القديم مقبولة، وهناك دور جديد للمؤسسة العسكرية، تجب مناقشته وتحديده».
ورأى صالح أن أهم واجبات المرحلة اللحظية في التاريخ السوداني، يتمثل في فتح حوار عاجل وصريح بين لجان المقاومة الشعبية، والقوى السياسية والمدنية، لبلورة تصور واضح حول مستقبل الحكم في البلاد خلال المرحلة القادمة.
وقال الصحافي والمدافع الحقوقي، ومؤسس «صحافيون لحقوق الإنسان» (جهر)، فيصل الباقر، إن «الجماهير التي خرجت اليوم تجاوزت أي حديث عن إصلاح المرحلة الانتقالية، أو العودة لما قبل 25 أكتوبر، وطرحت شعاراتها بوضوح: لا تفاوض، لا اعتراف، لا مساومة، ولا مشاركة». وأضاف: «هذا يعني أن شعب السودان حسم أمره في العاصمة والأقاليم، لاستكمال ثورته المجيدة». وأوضح أن القوى التي ستُسقط النظام الانقلابي المتمثلة في لجان المقاومة، وكل من يؤمن بشعار الثورة (حرية سلام وعدالة)، مؤهلة لصنع معجزة تاريخية جديدة، تنقل البلاد إلى خطوة متقدمة في مواجهة الديكتاتورية، وتابع: «معركة المدنية طويلة؛ ولكن شعبنا له القدرة والمعرفة، على اتخاذ التكتيكات المناسبة لتحقيق المقولة المهمة: (الثورة مستمرة والنصر أكيد)».
وبينما لم ترد معلومات موثقة عن أعداد الجرحى والمصابين، تناقلت تنظيمات مدنية أن اثنين على الأقل أصيبا بالرصاص الحي، وأصيب عشرات جراء الاستخدام المفرط للغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، بينما سُمعت أصوات قنابل صوتية بكثافة في محيط القصر الرئاسي والشوارع المجاورة.
وشارك في المواكب ثوار قدموا راجلين من عدد من ولايات السودان المختلفة، واستقبلت العاصمة أول من أمس ثواراً قادمين من مدن الحصاحيصا، ومدني، وسنار، والأبيض، بينما تدفق مئات الآلاف من شوارع ومدن العاصمة الخرطوم إلى القصر الرئاسي، ودخلوا معارك شرسة مع قوات الشرطة والجيش التي كانت تسد الطريق إلى القصر، بأفراد منها وبالأسلاك الشائكة والمتاريس الإسمنتية، بيد أن المتظاهرين استطاعوا إجبارهم على التراجع وإزالة المتاريس، ووصلوا إلى الساحة الرئيسية للقصر الرئاسي، لأول مرة منذ بدء الحراك المناوئ للانقلاب.
وقالت المتظاهرة هالة شروني، إنها خرجت من أجل إسقاط الانقلاب العسكري، والإتيان بحكومة مدنية كاملة من دون شراكة مع العسكريين، وأضافت: «اقتربنا من نيل مطالبنا، وسنواصل ثورتنا حتى تتحقق كامل مطالبنا»، ودعت الثوار للصمود والتماسك ومواصلة مسيرتهم للنهاية، مبدية استعدادها لمواصلة الاحتجاجات حتى «سقوط الانقلاب».
بينما قالت الصحافية والناشطة السياسية درة قمبو لـ«الشرق الأوسط»، إن اليوم شهد أكبر خروج شعبي في تاريخ السودان، وإنه لن يمر كسابقيه، وأضافت: «هذا يوم مفصلي في تاريخ السودان، ومستقبل الانقلابات في البلاد، وقد وضع حداً نهائياً للانقلابات العسكرية في السودان»، وتابعت: «على قِصَر عمره، فهذا آخر انقلاب يحكم السودان».
ودعت لجان المقاومة الشعبية المواطنين كافة للتوجه إلى القصر الجمهوري، والاعتصام أمامه، و«إعلان حصار الطاغية، وتحرير السودان من حكم الميليشيات العسكرية»، وناشدت القوى الثورية والمهنية والسياسية كافة، للاصطفاف خلف مطالب التغيير الجذري والتخلص من الحكم الشمولي العسكري. وقالت في نشرة على الوسائط: «أخيراً نعلن اعتصاماً أمام قصر الشعب السوداني، لإنجاز مهام الثورة وإسقاط النظام».
ولم تقتصر الاحتجاجات التي شهدها أمس على الخرطوم وحدها؛ إذ خرجت عشرات المدن السودانية في تظاهرات عارمة، تنادي بالأهداف ذاتها، وخرجت مواكب صاخبة في مدن: ود مدني، والحصاحيصا – وسط، وسنار، والدمازين، وسنجة – جنوب الوسط، والأبيض، والفاشر، ونيالا، وزالنجي – غرب، ودنقلا، وعطبرة، وحلفا – شمال، وبورتسودان، وكسلا، والقضارف – شرق، ومدن أخرى.
وفي أول رد فعل سياسي على تدفق مئات الآلاف التي احتشدت أمام القصر الجمهوري بالخرطوم، طالب حزب «الأمة القومي»، قادة الجيش، بتسليم السلطة المدنية للشعب وإعادة المسار الانتقالي الديمقراطي في البلاد. وقال الحزب الذي يعد أحد أكبر الأحزاب السياسية في بيان أمس، إن الجموع الغفيرة التي خرجت في كل مدن البلاد، تؤكد بجلاء أن الديمقراطية عائدة وراجحة حتماً، وأن عهد الديكتاتورية والانقلابات قد ولى إلى غير رجعة.
وناشد الحزب أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأخرى، العمل على حماية الجماهير المحتشدة أمام القصر الجمهوري، وفي كافة مدن السودان المختلفة، وتكوين غرفة متابعة من قياداته للتواصل مع كافة قوى الثورة والتغيير، للتعامل مع الراهن «بما يحقق تطلعات الشعب السوداني، ليسترد حقوقه المغتصبة، وتحقق الأمن والاستقرار بصورة آمنة».
من جهته، دعا تجمع المهنيين السودانيين –وهو التنظيم المهني الذي قاد الثورة- العسكريين لتسليم السلطة كاملة لقوى الثورة، وحث القوات النظامية على التزام جانب الشعب، وردع أي محاولة لضرب التجمع السلمي، ووجه «نداءً عاجلاً» للمواطنين وجميع الثوار، للالتحاق بالتجمع في محيط القصر، وإغلاق كل الطرق المؤدية للقصر بالمتاريس.
ومنذ أكتوبر الماضي، وعقب تولي قائد الجيش السلطة، حل الحكومة بمجلسيها: السيادي والوزراء، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وعدداً من وزرائه، وقادة في المجلس السيادي، ولجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، أبرزهم عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، وأعلن حالة الطوارئ، وأقال حكومات الولايات، قبل أن يتراجع بفعل الضغوط الشعبية ليوقع إعلاناً سياسياً مع رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، عاد بموجبه لممارسة مهام منصبه مجدداً.
بيد أن المحتجين والقادة الشعبيين رفضوا بشكل قطعي الاتفاق، واعتبروه خيانة لثورتهم، ورفعوا من سقف مطالباتهم لرفض أي شراكة مع المكون العسكري، والممثل في كل من رئيس مجلس السيادة، ونائبه قائد قوات الدعم السريع، وأعضاء المجلس العسكريين. ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف الاحتجاجات المطالبة بالعودة للمدنية، التي استخدمت القوات الانقلابية عنفاً مفرطاً ضدها، نتج عنه مقتل 45 محتجاً بالرصاص، وإصابة المئات؛ لكن ذلك لم يثنِ المحتجين عن مواصلة احتجاجاتهم.



العليمي للسفراء: الحوثيون اختاروا الحرب وعليهم تحمل نتائجها

العليمي مجتمعاً بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
العليمي مجتمعاً بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
TT

العليمي للسفراء: الحوثيون اختاروا الحرب وعليهم تحمل نتائجها

العليمي مجتمعاً بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
العليمي مجتمعاً بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)

حمّل رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي جماعة الحوثيين مسؤولية جولة التصعيد الحالية، مؤكداً أنها «اختارت التصعيد» وعليها تحمل نتائجه وتداعياته الإنسانية والأمنية، ودعا المجتمع الدولي إلى تغيير مقاربته للأزمة اليمنية، محذراً من أن احتواء التصعيد دون معالجة أسبابه ومنع إعادة التسلح يحول التهدئة إلى فرصة للإعداد لجولة جديدة من الحرب.

وقال العليمي، خلال لقائه، الأربعاء، سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، إن التجربة أثبتت أن التهدئة التي لا تقترن بالتزامات قابلة للتحقق، ولا تمنع إعادة التسلح واستئناف الهجمات، «غالباً ما تتحول إلى فرصة لإعداد جولة جديدة من الحرب».

وأكد أن الحوثيين يكررون التصعيد عندما يفهمون أن السلام «رسالة ضعف»، مشدداً على أنه لا يجوز أن تتحول الدعوات إلى التهدئة إلى مساواة بين من يعتدي ومن يدافع عن مواطنيه، أو أن يُطلب من الدولة الامتناع عن أداء واجبها بينما تواصل الجماعة استخدام القوة لفرض أمر واقع.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وحذر رئيس مجلس القيادة اليمني من أن استمرار التساهل مع انتهاكات الحوثيين سيقود إلى جولة جديدة من الحرب والنزوح والكوارث الإنسانية، قائلاً إن ما حذرت منه الحكومة «يحدث الآن تماماً».

المطلوب من المجتمع الدولي

في معرِض حديثه عن الدور المطلوب من المجتمع الدولي، قال العليمي إن الحكومة اليمنية لم تبدأ الجولة الحالية من التصعيد، ولم تكن تسعى إليها، وإن الحوثيين هم من اختاروا التصعيد، وعليهم تحمل المسؤولية عن نتائجه وتداعياته.

وأضاف: «لذا ننتظر من المجتمع الدولي أن يقول بوضوح من بدأ التصعيد، وأن يحمّل الميليشيات مسؤولية ما ترتب عليه، وأن يدعم حق الدولة في حماية مواطنيها وسيادتها وفق القانون الدولي».

وأكد أن اليمن لا يطلب من المجتمع الدولي أن يحارب بدلاً عن اليمنيين، بل «أن ينفذ قراراته»، ويدعم جهود الدولة اليمنية لاستعادة مؤسساتها، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلام بيدها، وإنهاء التهديد الذي طال اليمنيين والمنطقة والملاحة الدولية.

واعتبر أن تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القرارات 2140 و2216 و2722، ليس مطلباً يمنياً منفصلاً عن الإرادة الدولية، وإنما التزام قائم ينبغي أن يجد طريقه إلى التنفيذ الفعال.

ووضع العليمي السفراء أمام مجمل التطورات على الساحة اليمنية، وفي مقدمتها تصعيد الحوثيين لهجماتهم التي لم تقتصر على الداخل اليمني، بل امتدت إلى استهداف أراضي المملكة العربية السعودية، فيما وصفه بأنه إمعان في «نهجها الابتزازي المكشوف».

وأشار إلى أن جولة التصعيد الحالية تعكس، بحسبه، «الارتهان للأجندة الإيرانية»، موضحاً أن مسار التصعيد بدأ بمحاولة تسيير رحلات غير مصرحة إلى صنعاء، وصولاً إلى محاولة بلوغ باب المندب، وجعل الملاحة الدولية رهينة لتحسين الشروط التفاوضية لداعمي الجماعة.

التزام بقواعد الاشتباك

وشدد على أن حماية المدنيين ستظل في صميم واجبات الدولة، مؤكداً التزام القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية الحكومية بالقانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك، وحماية الأعيان المدنية، وحسن معاملة المحتجزين، وتسهيل وصول المساعدات.

وأكد أن المعركة ليست مع أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ولا مع أي مكون اجتماعي أو مذهبي، وإنما مع مشروع مسلح «يقوض الدولة ويصادر حق اليمنيين في السلام والحرية والحياة الطبيعية».

مقاتلون من الجيش اليمني خلال تقدم القوات في محافظة الجوف (إكس)

ودعا المواطنين في مناطق سيطرة الجماعة والمغرر بهم إلى عدم الزج بأبنائهم في هذه الحرب، وتغليب المصلحة الوطنية، مشيداً في الوقت ذاته بأداء القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية الحكومية وقدرتها على التصدي للهجمات الحوثية، واستعادة المبادرة وحماية المواطنين.

وحذر العليمي من أن استمرار الدعم العسكري والتقني الإيراني للحوثيين، وتدفق الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا إليهم، يسهمان في توسيع نطاق التهديد الحوثي، ويقوضان فرص استعادة مؤسسات الدولة عبر خيار السلام.

وقال إن دعم الدولة اليمنية في حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ومنع تهريب الأسلحة «ليس شأناً يمنياً فحسب، بل هو جزء من مسؤولية مشتركة عن أمن المنطقة والممرات البحرية».


الجيش اليمني يتقدم ميدانياً في الجوف ومأرب

قوات الجيش اليمني خلال تقدمها في محافظة الجوف (إعلام حكومي)
قوات الجيش اليمني خلال تقدمها في محافظة الجوف (إعلام حكومي)
TT

الجيش اليمني يتقدم ميدانياً في الجوف ومأرب

قوات الجيش اليمني خلال تقدمها في محافظة الجوف (إعلام حكومي)
قوات الجيش اليمني خلال تقدمها في محافظة الجوف (إعلام حكومي)

وسَّعت القوات الحكومية اليمنية، الأربعاء، عملياتها العسكرية ضد الجماعة الحوثية على عدة جبهات، مع إحراز تقدم ميداني شرق مدينة الحزم في محافظة الجوف وقطع خطوط إمداد حوثية باتجاه الجبهات الشرقية، بالتزامن مع إطلاق عملية واسعة جنوب مأرب، واشتداد المواجهات في جنوب تعز والساحل الغربي، وإحباط هجوم حوثي بزوارق في البحر الأحمر.

وقال مصدر عسكري للمركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية إن القوات الحكومية واصلت تقدمها شرق حزم الجوف وصولاً إلى مشارف منطقة بئر المرازيق، وتمكنت من قطع خطوط إمداد الحوثيين في الجبهات الشرقية للمدينة.

وأضاف المصدر أن القوات سيطرت على المطهفات وتبة المصارية والتباب المجاورة لتبة الفرايد شمال اللبنات العليا، إلى جانب السواتر الترابية والخنادق الممتدة لنحو 20 كيلومتراً، من مواقع الدحيضة مروراً بالسعراء وصولاً إلى بئر المرازيق شرق مدينة الحزم.

وأوضح أن العمليات لا تزال مستمرة وسط خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، مشيراً إلى احتجاز وتحييد عدد من عناصر الجماعة وإصابة آخرين خلال المواجهات.

القوات المسلحة اليمنية تخوض معارك ضارية ضد هجوم الحوثيين نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التقدم بعد أيام من تحركات عسكرية حكومية في الجوف، أعقبت استعادة مواقع في منطقة اليتمة، وقبلها مواقع في منطقة اللبنات، في مسعى لتثبيت المكاسب والضغط على خطوط الإمداد الحوثية بدلاً من الاكتفاء باستعادة المواقع الأمامية.

تطورات مأرب وتعز

في مأرب، أطلقت المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني عملية عسكرية واسعة في الجبهات الجنوبية للمحافظة، استهدفت مواقع وتجمعات حوثية، في تحرك قالت القوات الحكومية إنه يهدف إلى تأمين الشريط الجنوبي للمحافظة ودفع الجماعة بعيداً عن خطوطها الدفاعية.

ووفق بيان المنطقة العسكرية، أسفرت العملية، التي بدأت فجر الأربعاء ولا تزال مستمرة، عن مقتل وإصابة وأسر عدد من الحوثيين، إضافة إلى تدمير آليات وعربات قتالية، بينما تمكنت قوات الجيش والمقاومة الشعبية من السيطرة على عدد من المواقع وفرض طوق ناري على خطوط إمداد الجماعة.

وتتزامن هذه العملية مع تحركات عسكرية شهدتها مأرب خلال الأيام الماضية، ومعارك امتدت إلى محاور شمال وغرب وجنوب المحافظة، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية استثمار الضغط الميداني لمنع الحوثيين من إعادة تنظيم صفوفهم وإرسال تعزيزات إلى الجبهات الأخرى.

معارك محتدمة يخوضها الجيش اليمني في غرب تعز وجنوبها الشرقي (إعلام حكومي)

وفي تعز، استمرت المواجهات في جبهات جنوب شرق المحافظة، ولا سيما حيفان، بالتزامن مع قصف مدفعي وغارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات حوثية في الممشاة والأحكوم وعيريم والقبيطة والراهدة وكرش.

وقال مصدر عسكري إن الحوثيين دفعوا بتعزيزات إلى عدد من مواقعهم في مدرسة الأكبوش وسوق الزبيرة ومفرق الأحكوم وتبة حود والخزجة والأعبوس وتبة المنظرة، بينما لا تزال المواجهات مستمرة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه جبهات الكدحة والبرح والوازعية غرب تعز أعنف المعارك، بعد أن بدأت القوات الحكومية وقوات درع الوطن، الثلاثاء، عملية مشتركة في الكدحة وتمكنت من استعادة المكازمة والميهال وتباب محاذية لهما.

وفي مؤشر على حجم المعارك في الساحل الغربي، أعلن الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية إسقاط طائرة مسيّرة انتحارية حوثية في سماء البرح، كما تحدث عن مقتل وأسر عدد من القيادات المرتبطة بخطة الجماعة للهجوم باتجاه باب المندب، بينهم رئيس الشعبة الطبية لقوات الاحتياط والتدخل السريع الحوثية مرتضى النعمي المعروف باسم «عبد الصمد»، الذي قال إن ألوية العمالقة ألقت القبض عليه.

وفي تطور متصل بالساحل الغربي، أعلنت القوات البحرية إحباط هجوم شنته الجماعة الحوثية بزوارق في البحر الأحمر.

القوات المسلحة اليمنية تخوض معارك ضارية ضد هجوم الحوثيين نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

وقال الإعلام العسكري إن القوات البحرية رصدت تحركات زوارق حوثية واشتبكت معها، وأجبرتها على الانسحاب شمالاً باتجاه ميناء الحديدة.

وفي محافظة الضالع، تفقد وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي الجبهات للاطلاع على سير العمليات ومستوى الجاهزية والانتشار، وشدد خلال الزيارة على رفع اليقظة والاستعداد للتصدي لأي محاولات حوثية لاستهداف مواقع القوات الحكومية.


بصمات 11 سبتمبر حاضرة بعد ربع قرن

فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)
فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)
TT

بصمات 11 سبتمبر حاضرة بعد ربع قرن

فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)
فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)

نادراً ما يستحق يوم صفة «اليوم الذي هز العالم». انتزع 11 سبتمبر (أيلول) 2001 هذا اللقب فور حدوثه. للوهلة الأولى لم يصدق كثيرون ما تبثه الشاشات. كان مشهد الطائرات المدنية تنفجر برموز قوة ونجاح نيويورك وواشنطن مثيراً وقاتلاً. والآن بعد ربع قرن لا يمكن إنكار أن ذلك اليوم ترك بصماته على أميركا والشرق الأوسط والعالم.

تسبب ذلك النهار الذي أطلقه زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في إسقاط نظامين: نظام «طالبان» في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق. وإذا كانت أفغانستان عادت إلى العيش في ظل «طالبان» قليلة الدسم، فإن الشرق الأوسط لا يزال يدفع ثمن اختلال التوازنات الإقليمية التي أحدثها إقدام الجيش الأميركي على اقتلاع نظام البعث العراقي. وكان إسقاط النظامين هدية كبرى غير مقصودة تلقتها إيران المنخرطة الآن في نزاع عسكري مع أميركا.

لم يعتد العالم على رؤية أميركا تُهاجم في عقر دارها. في 7 ديسمبر (كانون الأول) 1941 هاجمت اليابان القاعدة الأميركية في بيرل هاربر في هاواي، وردت واشنطن في اليوم التالي بإعلان الحرب على اليابان وبقية القصة معروفة.

في 11 سبتمبر الشهير، نقل أسامة بن لادن الحرب إلى الأرض الأميركية نفسها، فأطلق جورج بوش الحرب على ما اعتبره معاقل الإرهاب.

لم يكن مفاجئاً أن تتخذ أميركا المجروحة بقيادة الرئيس جورج بوش قراراً بإسقاط نظام الملا عمر الذي أصر على احتضان أسامة بن لادن، ضارباً عرض الحائط بالنصائح التي طالبته بالابتعاد عن الرجل أو تسليمه.

لكن الرد الكبير جاء في الشرق الأوسط الذي شاهد في 2003 مدرعة أميركية تقتلع تمثال صدام حسين من ساحة الفردوس في بغداد. وسيشاهد الشرق الأوسط لاحقاً حبل الإعدام يلتف على عنق صدام، ما أثار قلق رجلين: اسم الأول معمر القذافي والثاني علي عبد الله صالح.

لقاء بوش وصالح بعد 11 سبتمبر بأسابيع (أ.ف.ب)

تعمد أسامة بن لادن أن يكون معظم أعضاء الفريق الذي هاجم نيويورك وواشنطن من السعوديين، طامعاً بإثارة أزمة وقطيعة بين واشنطن والرياض. لم يتحقق ما أراد، لكن ما حدث شكّل امتحاناً على امتداد العالم الإسلامي. ارتفعت أصوات كثيرة في أميركا تنادي باقتلاع جذور الإرهاب. أربكت الهجمات علاقات أميركا والغرب بدول كثيرة، وأربكت أيضاً علاقات الحكومات الغربية بالجاليات العربية والإسلامية، خصوصاً مع تزايد أمواج الهجرة. وها نحن اليوم نعاين صعود اليمين المتطرف في أكثر من ساحة أوروبية.

الرئيس الفلسطيني الرحل ياسر عرفات (أرشيفية)

في ذلك اليوم، كان ياسر عرفات مقيماً في غزة. أقلقه التركيز على بضعة فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يوزعون الحلوى احتفاء بالهجمات، وتعبيراً عن الكراهية للانحياز الأميركي إلى إسرائيل. أصر عرفات، رغم تقدمه في السن، على أن يتبرع بالدم للجرحى الذين سقطوا في نيويورك وواشنطن، وتوجه إلى أحد مستشفيات غزة. وثمة من يقول إن عرفات خشي في الساعات الأولى من تورط فلسطينيين في المشاركة في التنفيذ.

معمر القذافي شعر بالقلق، وإن كان توهم في الساعات الأولى هو وصدام حسين أن الضربة ستضعف أميركا.

طلب القذافي من وزير الخارجية عبد الرحمن شلقم تكليف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بإبلاغ بوش أن ليبيا مستعدة لتطبيع العلاقات وفتح صفحة جديدة مع أميركا. وأبلغ بوتفليقة بوش بالموقف الليبي لكن الرئيس الأميركي قال للزائر: «قل للقذافي إن عليه أن يتخلى فوراً عن ترسانة البرنامج النووي وإلا فسنذهب نحن لتكسيرها».

معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

وكان شلقم الذي استطلع أجواء التوتر في أميركا قال في اجتماع في طرابلس إن أميركا ستحتل أفغانستان والعراق وليبيا. ولم يتردد الزعيم الليبي في الرضوخ لإرادة بوش.

في مهاجمة العراق، استخدمت أميركا ذريعة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل. تحدثت أيضاً عن علاقة بين النظام العراقي و«القاعدة». لم يصدق كثيرون حكاية هذه العلاقة، خصوصاً في ضوء التباين الكبير بين شخصيتي صدام وبن لادن، وتباعد القواميس التي يحتكم كل منهما إليها.

ساد انطباع أن تهمة العلاقة ملفقة. والحقيقة أنه لم تقم علاقة، لكن صدام ارتكب خطأ كبيراً في التسعينات، وتحديداً خلال وجود أسامة بن لادن في السودان حين أرسل شخصاً من «الإخوان المسلمين» في سوريا لمقابلة بن لادن في السودان. لم يظهر زعيم «القاعدة» رغبة في التعاون مع «النظام البعثي الكافر».

بن لادن مع البشير خلال سنواته في السودان

كرر النظام العراقي محاولة الاتصال، وأوفد مسؤولاً في المخابرات اسمه فاروق حجازي، وتم ترتيب لقاء له مع بن لادن بوساطة من الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي. بعد اللقاء الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات، عاد حجازي إلى العراق واقترح على صدام صرف النظر عن موضوع بن لادن الذي تردد أنه طالب بإقامة معسكرات مستقلة له على أرض العراق.

طوى النظام العراقي صفحة التفكير بالتعاون مع بن لادن، لكن الاستخبارات الأميركية استغلت خيوطاً غامضة عن اتصالات بين الطرفين واستخدمتها في تبرير غزو العراق.

أسقطت أميركا نظامي «طالبان» وصدام حسين، وأطلقت عملية مطاردة طويلة لرموز «القاعدة». في 2 مايو (أيار) 2011، فوجئ أسامة بن لادن المختبئ في أبوت آباد الباكستانية بالجنود الأميركيين يقتحمون مقر إقامته. انتقمت أميركا من صانع «غزوتي نيويورك وواشنطن»، وألقت جثته في البحر. غاب أسامة بن لادن لكن بصمات «القاعدة» كلفت دول الشرق الأوسط ثمناً هائلاً.