السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

مئات الآلاف من المحتجين يكسرون الحواجز ويدعون للاعتصام

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

شهد السودان أمس احتجاجات واسعة؛ حيث تمكن المتظاهرون، للمرة الأولى، من اختراق الحواجز الأمنية الكبيرة حول القصر الرئاسي، وتلك المؤدية إليه، رغم إطلاق الشرطة والقوات الأمنية الرصاص وقنابل الغاز بكثافة على أجساد المحتجين مباشرة، ما أدى إلى إصابات عديدة.
واستمرت حالات الكر والفر بين المحتجين والقوات الأمنية في محيط القصر حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، بينما دعت «لجان المقاومة» التي تقود الحراك الشعبي، المتظاهرين، للاعتصام أمام القصر حتى تسليم السلطة للمدنيين.
وأصيب عدد من المحتجين بالرصاص شاركوا في أكبر تظاهرة تشهدها الثورة السودانية، واخترق مئات الآلاف من الثوار السلميين السياجات الأمنية المُحكمة التي وضعتها السلطات العسكرية أمام الطرق المؤدية للقصر الرئاسي، وفتح المحتجون عنوة الجسور المؤدية لوسط الخرطوم، والتي أغلقتها السلطات منذ وقت مبكر من صباح أمس. ولم يمنع الاستخدام الكثيف للغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص، وصول الحشود القادمة من أنحاء البلاد إلى القصر الرئاسي وسط الخرطوم، بينما استخدم البعض القوارب لعبور النهر.
واتخذت السلطات العسكرية السودانية حزمة إجراءات أمنية متشددة، تضمنت نشر قوات كبيرة في وسط الخرطوم، وإغلاق كل الجسور المؤدية إلى مركز المدينة، بيد أن الثوار أفلحوا عنوة في فتح الجسور وإزالة الحواجز، واضطرت القوات العسكرية التي كانت تسد تلك الجسور للتنحي جانباً، في وقت لوحظ فيه تلاحم بين بعض قوات الجيش والمحتجين الذين رددوا هتاف: «شعب واحد... جيش واحد».
ودعت لجان المقاومة لموكب مليوني يستهدف القصر الرئاسي –يعرف محلياً بالقصر الجمهوري– يطالب بإسقاط الانقلاب العسكري، وتكوين حكومة مدنية، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي صادفت يوم أمس. وللمرة الأولى وضعت القصر الرئاسي هدفاً لتجمعها.
وتحسباً وللحيلولة دون وصول المحتجين للقصر الرئاسي، أغلقت سلطات الأمن جسور: الفتيحاب، والنيل الأزرق، وشمبات، والمك نمر، والجيش، والمنشية، وهي الجسور الرئيسة التي تربط مدن العاصمة الثلاث عبر نهر النيل وفرعيه الأبيض والأزرق؛ لكن كثافة المحتجين وكبر أعدادهم، أجبرا قوات الشرطة والجيش التي كانت تحرس تلك الجسور على التراجع، ما أتاح للثوار القادمين من الخرطوم بحري وأم درمان وشرق النيل، العبور عنوة إلى القصر الرئاسي.
وقال وزير الثقافة والإعلام السابق، فيصل محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن مواكب أمس دونت يوماً عظيماً من أيام السودان، وضع نهاية لمرحلة من مراحل التاريخ السوداني، وفتح صفحة لمرحلة جديدة، وأضاف: «واضح جداً أن الانقلاب سقط، وانتصرت إرادة الشعب السوداني»، وتابع: «الشارع يحتاج قيادة سياسية تخرج من صفوفه، وترتب صورة المشهد الجديد». وأوضح صالح أن مرحلة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان حميدتي، وبقية ممثلي المكون العسكري «قد انتهت، وأن المدنيين بحاجة لقيادة جديدة للقوات المسلحة، يتحاورون معها حول الدور المطلوب منها خلال المرحلة القادمة»، وأضاف: «المرحلة القادمة مرحلة صعبة ومعقدة، لم تتشكل ملامحها بعد؛ لكن الواضح أنه لا يمكن العودة حتى لأوضاع ما قبل انقلاب أكتوبر (تشرين الأول)، ولم تعد الشراكة المدنية العسكرية بشكلها القديم مقبولة، وهناك دور جديد للمؤسسة العسكرية، تجب مناقشته وتحديده».
ورأى صالح أن أهم واجبات المرحلة اللحظية في التاريخ السوداني، يتمثل في فتح حوار عاجل وصريح بين لجان المقاومة الشعبية، والقوى السياسية والمدنية، لبلورة تصور واضح حول مستقبل الحكم في البلاد خلال المرحلة القادمة.
وقال الصحافي والمدافع الحقوقي، ومؤسس «صحافيون لحقوق الإنسان» (جهر)، فيصل الباقر، إن «الجماهير التي خرجت اليوم تجاوزت أي حديث عن إصلاح المرحلة الانتقالية، أو العودة لما قبل 25 أكتوبر، وطرحت شعاراتها بوضوح: لا تفاوض، لا اعتراف، لا مساومة، ولا مشاركة». وأضاف: «هذا يعني أن شعب السودان حسم أمره في العاصمة والأقاليم، لاستكمال ثورته المجيدة». وأوضح أن القوى التي ستُسقط النظام الانقلابي المتمثلة في لجان المقاومة، وكل من يؤمن بشعار الثورة (حرية سلام وعدالة)، مؤهلة لصنع معجزة تاريخية جديدة، تنقل البلاد إلى خطوة متقدمة في مواجهة الديكتاتورية، وتابع: «معركة المدنية طويلة؛ ولكن شعبنا له القدرة والمعرفة، على اتخاذ التكتيكات المناسبة لتحقيق المقولة المهمة: (الثورة مستمرة والنصر أكيد)».
وبينما لم ترد معلومات موثقة عن أعداد الجرحى والمصابين، تناقلت تنظيمات مدنية أن اثنين على الأقل أصيبا بالرصاص الحي، وأصيب عشرات جراء الاستخدام المفرط للغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، بينما سُمعت أصوات قنابل صوتية بكثافة في محيط القصر الرئاسي والشوارع المجاورة.
وشارك في المواكب ثوار قدموا راجلين من عدد من ولايات السودان المختلفة، واستقبلت العاصمة أول من أمس ثواراً قادمين من مدن الحصاحيصا، ومدني، وسنار، والأبيض، بينما تدفق مئات الآلاف من شوارع ومدن العاصمة الخرطوم إلى القصر الرئاسي، ودخلوا معارك شرسة مع قوات الشرطة والجيش التي كانت تسد الطريق إلى القصر، بأفراد منها وبالأسلاك الشائكة والمتاريس الإسمنتية، بيد أن المتظاهرين استطاعوا إجبارهم على التراجع وإزالة المتاريس، ووصلوا إلى الساحة الرئيسية للقصر الرئاسي، لأول مرة منذ بدء الحراك المناوئ للانقلاب.
وقالت المتظاهرة هالة شروني، إنها خرجت من أجل إسقاط الانقلاب العسكري، والإتيان بحكومة مدنية كاملة من دون شراكة مع العسكريين، وأضافت: «اقتربنا من نيل مطالبنا، وسنواصل ثورتنا حتى تتحقق كامل مطالبنا»، ودعت الثوار للصمود والتماسك ومواصلة مسيرتهم للنهاية، مبدية استعدادها لمواصلة الاحتجاجات حتى «سقوط الانقلاب».
بينما قالت الصحافية والناشطة السياسية درة قمبو لـ«الشرق الأوسط»، إن اليوم شهد أكبر خروج شعبي في تاريخ السودان، وإنه لن يمر كسابقيه، وأضافت: «هذا يوم مفصلي في تاريخ السودان، ومستقبل الانقلابات في البلاد، وقد وضع حداً نهائياً للانقلابات العسكرية في السودان»، وتابعت: «على قِصَر عمره، فهذا آخر انقلاب يحكم السودان».
ودعت لجان المقاومة الشعبية المواطنين كافة للتوجه إلى القصر الجمهوري، والاعتصام أمامه، و«إعلان حصار الطاغية، وتحرير السودان من حكم الميليشيات العسكرية»، وناشدت القوى الثورية والمهنية والسياسية كافة، للاصطفاف خلف مطالب التغيير الجذري والتخلص من الحكم الشمولي العسكري. وقالت في نشرة على الوسائط: «أخيراً نعلن اعتصاماً أمام قصر الشعب السوداني، لإنجاز مهام الثورة وإسقاط النظام».
ولم تقتصر الاحتجاجات التي شهدها أمس على الخرطوم وحدها؛ إذ خرجت عشرات المدن السودانية في تظاهرات عارمة، تنادي بالأهداف ذاتها، وخرجت مواكب صاخبة في مدن: ود مدني، والحصاحيصا – وسط، وسنار، والدمازين، وسنجة – جنوب الوسط، والأبيض، والفاشر، ونيالا، وزالنجي – غرب، ودنقلا، وعطبرة، وحلفا – شمال، وبورتسودان، وكسلا، والقضارف – شرق، ومدن أخرى.
وفي أول رد فعل سياسي على تدفق مئات الآلاف التي احتشدت أمام القصر الجمهوري بالخرطوم، طالب حزب «الأمة القومي»، قادة الجيش، بتسليم السلطة المدنية للشعب وإعادة المسار الانتقالي الديمقراطي في البلاد. وقال الحزب الذي يعد أحد أكبر الأحزاب السياسية في بيان أمس، إن الجموع الغفيرة التي خرجت في كل مدن البلاد، تؤكد بجلاء أن الديمقراطية عائدة وراجحة حتماً، وأن عهد الديكتاتورية والانقلابات قد ولى إلى غير رجعة.
وناشد الحزب أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأخرى، العمل على حماية الجماهير المحتشدة أمام القصر الجمهوري، وفي كافة مدن السودان المختلفة، وتكوين غرفة متابعة من قياداته للتواصل مع كافة قوى الثورة والتغيير، للتعامل مع الراهن «بما يحقق تطلعات الشعب السوداني، ليسترد حقوقه المغتصبة، وتحقق الأمن والاستقرار بصورة آمنة».
من جهته، دعا تجمع المهنيين السودانيين –وهو التنظيم المهني الذي قاد الثورة- العسكريين لتسليم السلطة كاملة لقوى الثورة، وحث القوات النظامية على التزام جانب الشعب، وردع أي محاولة لضرب التجمع السلمي، ووجه «نداءً عاجلاً» للمواطنين وجميع الثوار، للالتحاق بالتجمع في محيط القصر، وإغلاق كل الطرق المؤدية للقصر بالمتاريس.
ومنذ أكتوبر الماضي، وعقب تولي قائد الجيش السلطة، حل الحكومة بمجلسيها: السيادي والوزراء، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وعدداً من وزرائه، وقادة في المجلس السيادي، ولجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، أبرزهم عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، وأعلن حالة الطوارئ، وأقال حكومات الولايات، قبل أن يتراجع بفعل الضغوط الشعبية ليوقع إعلاناً سياسياً مع رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، عاد بموجبه لممارسة مهام منصبه مجدداً.
بيد أن المحتجين والقادة الشعبيين رفضوا بشكل قطعي الاتفاق، واعتبروه خيانة لثورتهم، ورفعوا من سقف مطالباتهم لرفض أي شراكة مع المكون العسكري، والممثل في كل من رئيس مجلس السيادة، ونائبه قائد قوات الدعم السريع، وأعضاء المجلس العسكريين. ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف الاحتجاجات المطالبة بالعودة للمدنية، التي استخدمت القوات الانقلابية عنفاً مفرطاً ضدها، نتج عنه مقتل 45 محتجاً بالرصاص، وإصابة المئات؛ لكن ذلك لم يثنِ المحتجين عن مواصلة احتجاجاتهم.



حصار الحوثيين يضع مستشفيات تعز أمام خطر التوقف

سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)
سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)
TT

حصار الحوثيين يضع مستشفيات تعز أمام خطر التوقف

سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)
سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)

تواجه المستشفيات في محافظة تعز اليمنية خطر تعطل مزيد من الخدمات الطبية المنقذة للحياة، مع دخول الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية أسبوعه الثالث، وسط نقص حاد في الوقود والأكسجين والأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع المخزونات إلى مستويات خطرة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وأكد المكتب الإقليمي للمنظمة في إقليم شرق المتوسط أن 42 مرفقاً صحياً في تعز أبلغت عن نقص حاد في الإمدادات، في وقت يحتاج فيه أكثر من 1110 مرضى مصابين بالفشل الكلوي إلى جلسات غسيل الكلى يومياً، بينما يتلقى 192 مريضاً الرعاية في وحدات العناية المركزة، ويوجد 154 من حديثي الولادة في الحضَّانات.

وحذَّرت المنظمة من أن عدم تعويض النقص في الإمدادات على وجه السرعة يهدد بتعطيل خدمات جراحة الطوارئ وغسيل الكلى والعناية المركزة ورعاية الأمهات وحديثي الولادة، وهي خدمات تعتمد عليها حياة آلاف المرضى.

وتحتاج المستشفيات وسيارات الإسعاف في المحافظة إلى أكثر من 156 ألف لتر من الوقود شهرياً لمواصلة العمل. ولا يقتصر تأثير نقص الوقود على تشغيل المرافق الصحية، بل يمتد إلى إنتاج الأكسجين الطبي، ونقل الحالات الطارئة، وتشغيل أنظمة التبريد اللازمة لحفظ اللقاحات.

نازحون في محافظة تعز يعيشون تحت تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ونقلت المنظمة عن وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية تأكيدها أن الوضع لا يزال بالغ الخطورة، مشيرة إلى أن الانقطاعات المتكررة في شبكات الاتصالات عاقت جهود الحصول على معلومات محدثة عن حجم النقص ومدى تعطل الخدمات. وتعمل المنظمة مع السلطات الصحية للتحقق من مخزونات الوقود المتبقية، وتقييم احتياجات المستشفيات.

النزوح ونقص المياه

في الجانب الإنساني، أفاد المكتب الإقليمي بأن أكثر من 256 ألف شخص نزحوا في أنحاء اليمن خلال المدة الممتدة من الأول من أغسطس (آب) إلى 19 أكتوبر (تشرين الأول)، مع بروز تعز منطقة رئيسية للنزوح منها وإليها.

ويفاقم نقص الوقود المخاطر الصحية خارج المستشفيات أيضاً؛ إذ يؤدي إلى تعطيل ضخ المياه وخدمات الصرف الصحي؛ ما يزيد احتمالات انتشار الكوليرا وأمراض الإسهال بين الأسر النازحة.

ورغم تراجع حالات الكوليرا المشتبه فيها خلال الأسابيع الأخيرة، حذَّرت المنظمة من أن تراجع القدرة على الوصول إلى المرافق الصحية قد يؤثر في رصد الحالات والإبلاغ عنها في تعز.

مسارات بديلة

بموازاة ذلك، تعمل الجهات الإنسانية على تأمين مسارات بديلة لإيصال المساعدات والإمدادات الطبية. وتمكَّن أحد الشركاء الوطنيين في المجموعة الصحية من إيصال أدوية أساسية للطوارئ إلى مستشفى الثورة، رغم القيود المفروضة على الوصول.

كما تتعاون المنظمة مع السلطات الصحية وشركائها لتوسيع الخدمات الطارئة، بما يشمل تقديم دعم مخطط له إلى 10 مراكز لعلاج الإسهال في 5 محافظات متضررة، بينها تعز، وإرسال فرق طبية متنقلة إضافية، وإنشاء نقاط صحية ثابتة لتحسين وصول النازحين إلى الرعاية.

مستشفيات تعز تواجه نقصاً حاداً في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية (إعلام محلي)

وأكدت المنظمة أنها خزنت في عدن أدوية أساسية ومحاليل وريدية وإمدادات طبية ومستلزمات للمياه والصرف الصحي والنظافة، تمهيداً لإيصالها إلى المناطق المتضررة من النزاع.

ودعت إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى تعز بصورة فورية وآمنة ومستدامة، عبر جميع المسارات المتاحة، وتوفير تمويل عاجل لتعويض النقص في الإمدادات الحيوية.

وحذَّرت المنظمة من أن استمرار القيود سيزيد تعطل الخدمات الأساسية، خصوصاً جراحة الطوارئ وغسيل الكلى والعناية المركزة ورعاية الأمهات وحديثي الولادة.


الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية وتتقلص فرص العمل في مناطق سيطرة الحوثيين باليمن، تكثف الجماعة شراء الدراجات النارية من الأسواق في صنعاء ومدن أخرى، لتوزيعها على عناصرها في جبهات القتال؛ ما يرفع أسعارها ويزيد صعوبة اقتنائها أمام الشباب الذين يعتمدون عليها مصدراً للدخل.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تخصيص الحوثيين أموالاً لشراء مئات الدراجات النارية خلال الأسبوعين الماضيين، في صنعاء وعمران والحديدة وذمار وإب؛ لاستخدامها في العمليات العسكرية.

وأوضحت المصادر أن زيادة الطلب أسهمت في ارتفاع الأسعار وتقليص المعروض؛ ما أضعف قدرة المواطنين، خصوصاً العمال والشباب محدودي الدخل، على شرائها لتأمين احتياجات أسرهم.

وحسب المصادر، جاء هذا التوجه بعد إخفاق الجماعة في استقطاب عدد من مالكي الدراجات وسائقيها في صنعاء ومدن أخرى للانضمام إلى صفوفها؛ ما دفعها إلى شرائها مباشرة من الأسواق وتوزيعها على عناصرها لاستخدامها في الجبهات.

الدراجات النارية تشكّل مصدر عيش لعشرات آلاف اليمنيين (فيسبوك)

وربطت المصادر تكثيف عمليات الشراء بتعرض تعزيزات الجماعة ومركباتها لضربات جوية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب النقص الحاد في إمدادات الوقود. وقالت إن الدراجات توفر وسيلة للتحرك عبر الشعاب ومجاري السيول والمسالك الوعرة التي يصعب على الآليات العسكرية الثقيلة اجتيازها، وتُستخدم في نقل المقاتلين والإمدادات إلى الجبهات وإخلاء القتلى والجرحى.

ولم يكن استخدام الدراجات النارية في العمليات القتالية جديداً على الجماعة؛ إذ اعتمدت عليها خلال سنوات الحرب الماضية في عدد من الجبهات، مستفيدة من صغر حجمها وسهولة حركتها. وتشير المصادر إلى استمرار استخدامها في جبهات تعز والضالع والساحل الغربي، مع سعي الحوثيين إلى توفير أعداد إضافية منها لتعزيز تحركاتهم العسكرية.

منافسة جديدة

تضع هذه التحركات الحوثية السكان أمام منافسة جديدة على وسيلة تُعدّ بالنسبة إلى كثيرين أداة للعمل ومصدراً محدود التكلفة لكسب الرزق، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتزايد الأعباء المعيشية.

ويقول مواطنون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن الدراجات النارية لا تمثل مجرد وسيلة مواصلات، بل رأسمال لمشروعات صغيرة ومصدراً مباشراً للدخل، سواء عبر توصيل الطلبات أو نقل البضائع أو التنقل إلى مواقع العمل. وأشاروا إلى أن ارتفاع أسعارها يهدد بحرمان مزيد من الشباب والعمال من فرص العمل التي تعتمد على امتلاكها.

وفي السياق، أفاد مالك معرض لبيع الدراجات النارية في جنوب صنعاء بأن مشرفين حوثيين اشتروا خلال الأسبوعين الماضيين العشرات من الدراجات من معرضه.

يمنيون في إحدى أسواق صنعاء على متن دراجاتهم النارية (الشرق الأوسط)

وقال مالك المعرض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار الدراجات تتراوح بين 280 ألفاً و500 ألف ريال يمني للدراجة الواحدة، تبعاً لموديلها ومواصفاتها (سعر الدولار الذي تفرضه الجماعة يبلغ نحو 530 ريالاً). وأضاف أن الإقبال على الشراء ارتفع خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع تكثيف عمليات التزويد الموجهة إلى الجبهات.

وأشار إلى أن زيادة الطلب انعكست على الأسعار، وأضعفت قدرة المواطنين، خصوصاً الشباب محدودي الدخل، على اقتناء الدراجات والعمل عليها لتوفير احتياجات أسرهم، في وقت بات فيه تأمين رأس المال اللازم لبدء مشروع صغير يفوق قدرة كثيرين.


تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
TT

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة إلى للمحافظة المُحاصَرة من قبل الميليشيات الحوثية، ومن المتوقع أن تتم هذه العملية خلال الأيام القليلة المقبلة.

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة اليمني، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن اللجنة تبذل كل مساعيها مع الشركاء الدوليِّين لنجدة المُحاصَرين في مدينة تعز، لافتاً إلى أن القافلة الجاري تجهيزها تشمل المشتقات النفطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تسيير قوافل إغاثية إلى عدد من المحافظات والمناطق المتضررة من هجمات الحوثيِّين.

وشدَّد على أن أكثر ما يزعج الميليشيات، ما يقدِّمه أبناء المدينة من نموذج فريد في الصمود والوفاء للوطن، مشيداً بمواقف أبنائها من الرجال والشباب والنساء، وما أظهروه من تضحيات في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية، إذ شاهد العالم صوراً مشرفة لنساء تعز، إحداهن تحمل ابنها الشهيد، وأخرى تشتري السلاح للمقاومة، وهي صور تعكس حجم الوفاء والصمود اللذين تقدِّمهما هذه المدينة دفاعاً عن الدين والوطن.

نايف البكري وزير الشباب والرياضة اليمني رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة

عن آلية وصول المساعدات قال البكري، إن لجنة الإسناد على تواصل مستمر مع محافظ تعز، وتبحث عن منافذ وطرق تتيح إدخال الإمكانات والمساعدات المتاحة إلى المحافظة، بما فيها المشتقات النفطية والأدوية وغيرهما من الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً وتباحثاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلعب دوراً في إدخال هذه المساعدات، ولا تزال الجهود مستمرة لتأمين وصولها.

وكشف الوزير البكري، عن أن محافظة حضرموت سترسل كميات من المساعدات المُقدَّمة من أبنائها إلى تعز، كما وجَّهت لجنة الإسناد رسائل إلى «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تطلب فيها مزيداً من الدعم للمحافظة، خصوصاً أن المركز يقدم كثيراً من البرامج والدعم المتواصل للمحافظات اليمينة كافة.

ولفت البكري إلى أن اليمن يشهد حراكاً مجتمعياً واسعاً لمساندة المتضررين من الحرب، خصوصاً مع نزوح أكثر من 200 ألف أسرة، مشيداً بالتضامن بين أبناء المحافظات اليمنية في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم، مؤكداً أن الحكومة والسلطات المحلية تضطلع بمسؤولياتها تجاه الأسر النازحة، بالتوازي مع الجهود المجتمعية والمبادرات الإنسانية التي تنفِّذها لجنة الإسناد.

وحول دعم باقي المحافظات، أكد البكري، أن اللجنة نفَّذت بالتعاون مع السلطة المحلية في عدن، حملة إغاثية لأبناء مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة، خصوصاً الأسر التي تعرَّضت مناطقها للاستهداف بالصواريخ والهجمات الحوثية، مشيراً إلى تسيير قافلة إغاثية قبل يومين، إلى جانب التحضير لقوافل أخرى بالتنسيق مع محافظ لحج، لدعم المتضررين في مديرية المضاربة والمناطق المجاورة.

تشتد الأزمة الإنسانية في تعز مع تضييق الخناق الحوثي على المدينة (إعلام محلي)

وأضاف أن جهود الإسناد تشمل محافظة الضالع، بالتنسيق مع محافظها، لتقديم المساعدات للأسر المتضررة في مناطق مريس وقعطبة وجبهات القتال، موضحاً أن من أدوار اللجنة الطابع المجتمعي والإنساني، وتركز على دعم الأسر والمحافظات التي تعاني تداعيات الحرب والهجمات الحوثية.

وتابع: «اللجنة توسِّع خطط عمليات الإسناد خلال الأيام المقبلة، لتشمل المديريات الواقعة باتجاه الساحل الغربي، وفي مقدمتها موزع والوازعية والمخا، التي تشهد موجات نزوح كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات الحوثية، كما يشمل هذا الدعم مخيمات النازحين في محافظتَي عدن ولحج، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين».

«وفي محافظة شبوة، تعمل لجنة الإسناد على ترتيب قوافل إغاثية لدعم المديريات التي تشهد مواجهات عسكرية»، وفقاً للبكري الذي أشار إلى أن «العمل جارٍ لتحضير وتسيير قافلة من محافظة المهرة إلى محافظة الجوف، إلى جانب استمرار الدعم المُقدَّم من عدد من المحافظات إلى جبهات مأرب»، مشدداً على أن كل أبناء اليمن بمَن فيهم النازحون يشاركون في معركة «فجر اليمن» ويلتحقون بمختلف الجبهات.

وتحدَّث البكري عن الدعم السعودي، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية تضطلع بدور مهم في دعم اليمن بشكل عام»، مثمناً جهود القوات المشتركة و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في إيصال المساعدات إلى المتضررين، مؤكداً على أهمية المساعدات كافة التي وصلت إلى محافظة عدن بدعم من القوات المشتركة والمركز، ودورها في مساندة الأسر المتضررة والتخفيف من تداعيات الحرب.