تداعيات «عاصفة الحزم» تربك النظام الإيراني

تلاسن بين قادة طهران.. واحتجاجات أمام البرلمان

يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)
يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)
TT

تداعيات «عاصفة الحزم» تربك النظام الإيراني

يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)
يمنيون من الحراك الجنوبي خلال مواجهات مع الحوثيين في مدينة عدن أمس (أ.ف.ب)

يواجه النظام الإيراني ضغوطا متزايدة من الداخل قد تعرقل مساعيه لملء الفراغ الذي تعاني منه المنطقة العربية المضطربة. وأفادت مصادر المعارضة بوقوع تلاسن بين قادة طهران بالتزامن مع احتجاجات أمام البرلمان تتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، إضافة لخلافات حول خطة لزيادة تصدير النفط، من أجل مواجهة «الأزمة المالية الطاحنة».
ووفقا لمصادر إيرانية وعربية وأميركية، أدت تداعيات «عاصفة الحزم» التي يقوم بها تحالف إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، إلى تململ داخل النظام الداعم للحوثيين، بعد أن فوجئت إيران بتصميم التحالف على بسط الأمن والاستقرار في اليمن.
وقالت مصادر من المعارضة الإيرانية لـ«الشرق الأوسط» إنه جرى رصد «تلاسن» بين قادة عسكريين وقادة لميليشيات شبه عسكرية على خلفية توقيف عناصر من قوات الحرس الثوري الإيراني في عدة بلدان عربية على رأسها اليمن، وتعرض قادة آخرين للقتل في سوريا، إلى جانب إنفاق مليارات الدولارات على الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، التي تعمل لمؤازرة نظم الحكم في العراق وسوريا والمتمردين في اليمن.
وشدد العقيد ويسلي مارتين، القائد العسكري الأميركي السابق بالعراق، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» على أنه أصبح يوجد أمل في التغيير في إيران، مشيرا إلى أن جمهور الإيرانيين ينظر للنظام باعتباره «بؤرة التطرف» ولا يمثل الشعب، وقال إن «عاصفة الحزم» كانت «مباغتة» لحكام طهران وكانوا يتصورون أن مهمتهم في اليمن ستكون سهلة.
مصادر المعارضة تحدثت عن تزايد متسارع في الأزمة الاقتصادية، وقالت إن إيران أنفقت على نظام بشار الأسد الخاضع للعقوبات الدولية أيضا، أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي في شق واحد فقط يتعلق باستيراد منتجات بترولية، في الشهور الأخيرة، بينما يظل الدعم المالي للعمليات العسكرية في هذا البلد الذي يشهد ما يشبه الحرب الأهلية، غير معروفة، مشيرة إلى أن رغبة بعض القادة في طهران زيادة كمية الصادرات من النفط تعكس وجود مشكلة في تمويل آلة الحرب الخارجية بالمنطقة.
إيران البالغ عدد سكانها نحو 75 مليون نسمة، تحاول منذ نحو عشر سنوات التغلب على العقوبات الاقتصادية الدولية التي أسهمت في تزايد البطالة والركود وتراجع معدلات النمو وارتفاع سعر الدولار، رغم الرفع الجزئي للعقوبات على بعض الأنشطة الاقتصادية خلال الأعوام الأخيرة.
من جانبها أضافت مصادر المعارضة على هامش لقاء عقد الليلة قبل الماضية بين مجموعة منتقاة، عبر الإنترنت، أنه أصبح هناك اعتقاد يسود في الأوساط الشعبية الإيرانية عن أن انخراط بلادهم في حروب العراق وسوريا واليمن إضافة إلى الخلافات مع المجتمع الدولي، يزيد من الضائقة الاقتصادية التي تمر بها إيران، وأن «مجاميع من العمال والمعلمين تظاهرت في عدة مواقع في طهران وبلدات أخرى احتجاجا على تأخر صرف الرواتب طوال الشهور الأخيرة، منها مظاهرتان على الأقل أمام مبنى مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني».
وكشف أحد قادة المعارضة عن معلومات تتعلق باستقبال المرشد الإيراني علي خامنئي لعدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في طهران ثلاث مرات على الأقل خلال الـ24 ساعة الماضية، وأنه بدا عليه «الشعور بخيبة الأمل والإحباط بسبب ما تحرزه عاصفة الحزم من تقدم»، مشيرا إلى أن هذه اللقاءات نتج عنها عدة تكليفات للقادة الإيرانيين، من بينهم وزير الخارجية، جواد ظريف، بتكثيف الاتصالات مع «أصدقاء إيران في الدول العربية والإسلامية»، وذلك في محاولة لمواجهة تداعيات «عاصفة الحزم».
ويكثف معارضون إيرانيون من اتصالاتهم في الداخل والخارج، للتنسيق حول التحرك ضد نظام الحكم الذي يسيطر عليه رجال الدين وقادة الميليشيات التي تحارب خارج حدود الدولة الإيرانية، إلى جانب اتصالات مع رموز من التجمعات السنية التي تنتشر في شرق البلاد، للوقوف ضد ممارسات نظام طهران في العراق وسوريا واليمن، و«توعية الجماهير الإيرانية بأن الأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، تأتي نتيجة طبيعية لسياسات إيران وتمويل حروبها بالمنطقة».
وتلقى أحد قادة المعارضة رسالة من تجمع عمالي إيراني كبير يحمل اسم «تحالف موظفي الفولاذ» سرد فيها المصاعب الاقتصادية التي تواجه ألوف العمال وأسفرت خلال أيام فقط عن فصل أكثر من 600 عامل. وجاء في الرسالة تفاصيل عن تأخر الرواتب وذكر فيها وفقا للمصادر: «هذه حالنا. من أين نطعم أطفالنا؟ وماذا نفعل؟». وتأخرت الرواتب أيضا، منذ ثلاثة أشهر، عن عشرات الألوف من العمال الصناعيين الآخرين، بينهم موظفون في الشركة الإيرانية المعروفة باسم «ماي وان».
وقال أحد رموز المعارضة إن اتصالات بين شخصيات معروفة بخصومتها التاريخية مع نظام طهران أسفرت من حيث المبدأ على الموافقة على تنشيط فعاليات احتجاجية في الداخل رغم القبضة الحديدية للحكم، وعقد مؤتمر للمعارضة في الخارج، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع «الحراك الجماهيري المتوقع أن يتصاعد في الداخل.. الغضب من تردي الأحوال الاقتصادية قابل للانفجار».
وأضاف: لقد تمكن قائد عمالي من شركة «زنجان» الصناعية من رفع صوته عاليا أمام أحد أبواب مجلس الشورى، وأبلغ النواب رسالة عن تدهور أحوال معيشة العمال وأن «الوضع لم يعد يطاق». بينما كان باب آخر من أبواب مجلس الشورى يشهد مظاهرة احتجاجية لمجموعات من معلمي المدارس، بسبب تأخر الرواتب أيضا.
ووفقا لأحد مصادر المعارضة، وأمام تكرار المظاهرات الاحتجاجية حول مبنى البرلمان، اضطر رئيس مجلس الشورى، علي لاريجاني، لعقد اجتماعات مع موظفي المجلس النيابي قبل يومين «في محاولة لتصوير الأمر وكأن إيران وثورة الخميني، تتعرض لمؤامرة خارجية.. هذا الخطاب هو عادة ما يقدمه قادة إيران للشعب في وقت الأزمات»، مشيرا إلى أن لاريجاني تحدث أيضا عن أن «الدول الكبرى تعمل على إثارة الفتن، وأن الشعب اليمني المظلوم يتعرض لمشاكل، ودعا الشعب للصبر».
وأوضحت المصادر أن من بين الشخصيات التي ترددت على مقر المرشد خامنئي، بخلاف وزير الخارجية ظريف، أحد كبار المقربين من النظام، وهو رضا بوردستان، الذي يشغل موقع قائد القوات البرية في الجيش. وأضافت أن بوردستان تحدث مع خامنئي عن مجمل العمليات التي يقوم بها «الحرس الثوري الإيراني»، في العراق وسوريا واليمن، وتطرق إلى «تأثير الكلفة المالية لهذا النشاط على ميزانية الدولة والجيش والقوات البرية»، وقدم رؤيته لـ«التطورات المحتملة لعملية عاصفة الحزم، وما يمكن أن تقوم به إيران من خيارات في حال أصبح هناك تدخل بري عربي في اليمن».
يأتي هذا في وقت كشفت فيه مصادر أميركية وعربية عن مشاكل عدة أصبحت تواجه إيران وهي تسعى بشكل محموم، ما بين العراق وسوريا واليمن، للهيمنة على المنطقة، على رأسها المشاكل الاقتصادية والعزلة الإقليمية والشكوك الدولية. وبحسب المصادر يتعرض النظام الإيراني لضغوط أخرى من جانب بعض الدول الغربية على خلفية «التدخلات السافرة»، و«ما تمثله من إثارة المزيد من الفوضى.. هذه تصرفات تثير القلق».
وقال القائد الأميركي، العقيد مارتين، الذي عمل لسنوات في مهام عسكرية عدة بالعراق منها مكافحة الإرهاب، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» إن إيران تحاول «ملء الفراغ في الشرق الأوسط، عقب تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن دورها في المنطقة»، بينما أوضح الدكتور باراك بارفي، من مؤسسة أميركا الجديدة البحثية، لـ«الشرق الأوسط»، بعد أن زار اليمن عدة مرات إن «فتور همة الرئيس باراك أوباما تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط فتح الباب لزيادة تأثير طهران في العالم العربي، وهذا أمر يمثل خطرا على المستقبل».
ولا يوجد في حديث المصادر الأميركية والعربية تفاؤل يذكر بقدرة طهران الاقتصادية في تحقيق نجاحات في سياسة الهيمنة التي تسعى وراءها. دربت إيران الحوثيين لكنها زادت من وتيرة هذا التدريب والمساعدات في الشهور الأخيرة مستغلة عملية التحول السلمي للسلطة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وحكومته. وكلفها هذا أموالا طائلة إلى جانب ما تنفقه على النظام السوري وفي حروب العراق الطائفية.
ويعتمد الاقتصاد الإيراني على تصدير النفط والغاز إلى حد كبير، لكن أي تعديل بالزيادة في خطط التصدير ستتطلب عدة سنوات، كما يقول الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور محمود عبد الله، بينما هي في حاجة في الوقت الراهن لمزيد من الأموال للإنفاق على «أصدقائها». ومن جانبه قال الأميركي بارفي: «نعم.. ما لدينا من معلومات أن دعم طهران للحوثيين، بالأموال والتدريب والأسلحة، ارتفع بشكل كبير في الفترة الأخيرة».
وأضاف العقيد مارتن، على الصعيد نفسه، أن الميليشيات الشيعية التابعة لقوات الحرس الثوري وقوة القدس في العراق تقوم بسفك الدماء وأن الوضع هناك «لن يتحسن ما لم تخرج قوات الحرس الثوري التابعة للنظام الإيراني بشكل عام، وقائدها قاسم سليماني على وجه التحديد، من العراق»، قائلا إن «سليماني هو قائد العمليات الإرهابية التي تجرى في كل من العراق وسوريا واليمن، وأن المواطنين هناك هم مَن يدفعون ثمن تداعيات هذه العمليات».
وفي مصر التي تشارك في «عاصفة الحزم» ارتفعت وتيرة الانتقادات للنظام الإيراني، وأنشطته التوسعية في العالم العربي، مع احتمال «ظهور أمراض اقتصادية في إيران أكبر من تلك التي ظلت تعاني منها في السابق بسبب العقوبات الدولية»، وفقا للخبير الاقتصادي عبد الله، بينما قال الدكتور فتحي المراغي، الأستاذ في جامعة عين شمس، والمتخصص في الشؤون الإيرانية، إن طهران تعمل بكل الوسائل لتفتيت الوطن العربي، وإنها يمكن أن تفعل كل ما تتخيله لتحقيق هذا الغرض.
لكن هل تستطيع؟ هذا أمر مشكوك فيه اقتصاديا على الأقل. فإيران تلعب لعبة خطرة، كما أوضح تقرير بعنوان «الاتجاهات الحاكمة لمستقبل النظام العربي في ظل إقليم مضطرب»، أعده المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه.
قال التقرير إن إيران يمكن أن تكون قادرة على مجابهة الضغوط الدولية التي وضعت نفسها فيها «بمقدار وقوف روسيا والصين إلى جانبها»، مشيرا إلى أن أهم المخاطر التي تمر بها المنطقة العربية «تزايد أدوار الفاعلين من غير الدول التي بدأت تسيطر على مناطق أو أجزاء واسعة من عدة بلدان مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، والسعي لتكوين إمارات إسلامية بما يؤدي إلى تزايد قوى عدم الاستقرار داخل النظام العربي».
العميد عادل العمدة المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا بمصر، أضاف أن إيران تصدر تهديدات للمنطقة العربية.. الكل أصبح يدرك هذا.. هذا له كلفة وثمن. لقد تسببت في تدمير الجيش العراقي والجيش السوري ثم توجهت لليمن، ضمن مخطط لتدمير الأمة العربية لصالح «الدولة الفارسية».. الكلفة كبيرة ليس على الصعيد السياسي فقط، ولكن، كذلك، على وضع الاقتصاد الإيراني.
وأوضح الدكتور عبد الله، أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، إلى جانب تدخلها في الدول العربية، يجعل الإيرانيين يشعرون بالمهانة «فبعد سنوات من التقشف الاقتصادي، بسبب القعقعة حول برنامجها النووي، أصبحت تبحث عن انتصار بديل أمام الرأي العام الداخلي، ولهذا اتجهت لفتح حرب في اليمن، لكن لا أعتقد أن هذا سينطلي على الشعب الذي يعاني أصلا من جراء العقوبات الاقتصادية ونزيف الأموال في حروب بالوكالة».
ونظم معارضون إيرانيون، الليلة قبل الماضية، مؤتمرا صحافيا للعقيد مارتن، عبر الإنترنت أيضا، وطرحت عليه «الشرق الأوسط» عدة أسئلة. وأعرب مارتن عن القلق من سياسات طهران، وأوضح قائلا إن الميليشيات الشيعية التي تتلقى توجيهاتها من قوة «فيلق القدس» و«فيلق بدر»، حولت الأوضاع في العراق لحرب أهلية.
هل لديها القدرة في الاستمرار على فعل هذا. هل سيمكنها التغلب على المصاعب الاقتصادية وحل مشاكلها مع العالم بخصوص برنامجها النووي. بل هل توجد قدرة على تحقيق طموحها في استغلال التراجع الأميركي بالمنطقة للدخول كلاعب رئيسي بدلا منه والاستمرار في تمويل الميليشيات والمتمردين، بينما هي تعاني من ارتفاع نسبة التضخم إلى درجة تقترب من 50 في المائة.
وعلى نفس طريقة الدكتور بارفي، عاب العقيد مارتن على سياسة أوباما وتراجعها في منطقة الشرق الأوسط، قائلا إنه ليست هناك سياسة للولايات المتحدة وأن النظام الإيراني هو الذي يحاول ملء الفراغ بالمنطقة في الوقت الحالي، مشيرا إلى أن واشنطن «لم تغلق عينيها عما تقوم به إيران في العراق فحسب، بل نفذت طلعات جوية في هجماتها دعما لقوات فيلق القدس (الإيراني) في العراق»، وقال إن النظام الإيراني «مصدر للإرهاب في العالم، ولا يمكن الوثوق به».
وأضاف العقيد مارتن أنه يتفق مع تقييم الجنرال ديفيد بترايوس (القائد السابق للقوات الأميركية في العراق) بأنه، على المدى الطويل، تعد إيران الخطر الأكبر على العراق من تنظيم داعش، مشيرا إلى أن «الجنرال بترايوس فاز بالحرب في العراق.. أما أوباما فإنه خسر السلام في هذا البلد».
وعلق مارتن على مساعي المعارضة الإيرانية للتحرك خلال الفترة المقبلة، بقوله إن جمهور الإيرانيين ينظرون إلى نظام الحكم الحالي في طهران باعتباره «بؤرة التطرف الإسلامي» وأنه «لا يمثل الشعب الإيراني»، مشددا على أنه «يوجد أمل في التغيير في إيران». وقال: «لا يمكننا أن نبقى صامتين في الوقت الذي نرى فيه قوى الشر (إيران وداعش) تقوم بتدمير الشرق الأوسط».
ووجه انتقادات شديدة اللهجة لـ«عدوانية النظام الإيراني بالمنطقة»، ووصف عملية «عاصفة الحزم» بأنها «كانت مباغتة بالنسبة لحكام طهران الذين كانوا يتصورون أن مهمتهم في اليمن ستكون سهلة».



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.