منهج «القرائية» لإنقاذ اللغة العربية وفكرها من الانقراض

مؤتمر حوله في البحرين يجمع 250 متخصصًا وصاحب قرار

د. هنادا طه: «القرائية» تحمينا من خطر التطرف والتعصب ({الشرق الأوسط})
د. هنادا طه: «القرائية» تحمينا من خطر التطرف والتعصب ({الشرق الأوسط})
TT

منهج «القرائية» لإنقاذ اللغة العربية وفكرها من الانقراض

د. هنادا طه: «القرائية» تحمينا من خطر التطرف والتعصب ({الشرق الأوسط})
د. هنادا طه: «القرائية» تحمينا من خطر التطرف والتعصب ({الشرق الأوسط})

الحالة المزرية التي وصلت إليها اللغة العربية ليست قدرًا، بقدر ما هي نتيجة اعتماد أساليب بالية وقديمة في التعليم، لا يزال تجديدها مستعصيًا ويلقى صدودًا كبيرًا، سواء من صناع القرار أو من المعلمين أنفسهم. كل التقارير التي حاولت رصد تعليم اللغة العربية، في السنوات الأخيرة، دلت مؤشراتها على هبوط شديد في المستوى، سواء تقرير «ماكينزي» أو «راند» أو حتى «تقرير التنمية العربي». وثمة اختبار عالمي يحمل اسم «بيرل» تجريه في الوقت الراهن نحو 45 دولة، كل 3 سنوات، لقياس نجاحها في تعليم لغتها الأم، بينها 6 دول عربية، نذكر منها: قطر، والسعودية، والمغرب، والإمارات، ليتبين أن الدول العربية تأتي كليًا في آخر اللائحة، ولا يستطيع الطالب العربي أن يجمع أكثر من 310 علامات من أصل 500. وبالتالي يمكننا القول إن العرب هم من أسوأ الشعوب، إن لم يكونوا الأسوأ على الإطلاق، في تعليم أولادهم لغة آبائهم وأجدادهم.
وتصرّ الدكتورة هنادا طه، مديرة شركة «عرب إكسبرتيز» المتخصصة في الاستشارات التربوية وتعليم اللغة العربية، والقائم بأعمال عميد كلية البحرين للمعلمين، على أن اعتماد منهج «القرائية» في تعليم العربية يمكنه أن يخرجنا من الأزمة البائسة التي نعيشها منذ عقود. و«القرائية» مصطلح جديد في العربية لكن المنهج مطبق منذ أكثر من 26 سنة في أميركا على الإنجليزية ومنذ أكثر من 20 سنة على الفرنسية ونتائجه ممتازة، كما أن بعض المدارس الغربية تطبقه على العربية في بلادنا، بمحاذاة تطبيقه على تعليم الإنجليزية. وسيعقد مؤتمر في البحرين يومي 24 و25 من الشهر الحالي، تحت عنوان «القرائية للجميع» يحضره أساتذة ومتخصصون وبحاثة وصناع قرار، إضافة إلى هيئات من المجتمع المدني، بدعوة من الجمعية العربية للقراءة «تارا» في البحرين، ومشروع «عربي 21» الذي أطلقته «مؤسسة الفكر العربي». وتشرف على المؤتمر د. هنادا طه التي تعرف «القرائية» بأنها تعلم اللغة بمهاراتها الأربع، من الكتابة إلى النقد والتفكير والاكتشاف، من خلال القراءة الكثيفة والمتواصلة للنصوص، بمختلف أنواعها، دون التركيز على الأدب، كما هو الحال حاليًا. لا بل إن أحدث الآراء توصي باعتماد النصوص العلمية والواقعية الحياتية، بنسبة 50 في المائة في الصفوف الابتدائية و70 في المائة في الثانوية، بينما لا تعتمد النصوص الأدبية إلا بنسبة 30 في المائة، بعد أن لوحظ بأن الخيال ليس هو المطلوب في هذه المرحلة التعليمية، بل تحضير الطالب لمواجهة الحياة. ومن النصوص التي يتم إغراق الطالب بها، يستفيد المدرّس ليعلم الطفل قواعد اللغة، وفهم العالم، ومناقشة القضايا، والانطلاق لشرح المفاهيم، خصوصا في المراحل التعليمية الأولى.
تشرح د. هنادا بأن «القرائية» تعني إحاطة التلميذ بالنصوص المطبوعة، وجعله يسبح بها، وتغمسه في عالمها. مع الابتعاد عن القراءة السطحية والأحادية. وتضيف: «حين نستخرج من النص في كل مرة التمييز أو المفعول المطلق، أو كيف تكتب التاء المربوطة أو الهمزة، ونبقى نتابع هذه الطريقة دون كلل حتى يتخرج التلميذ من الثانوية، فإننا بذلك نجعله يفهم القاعدة في سياقها الحياتي الطبيعي، دون أن نؤرقه بحفظها، ومن ثم نسيانها، كما يحدث حاليًا».
هذه طريقه مجربة ومعمول بها في كثير من بلدان العالم، «نحن لم نكتشف البارود، ولم نخترع شيئًا، كل ما نفعله هو أن نستفيد من طريقة ناجعة أثمرت عند غيرنا». طبّق مجلس أبوظبي للتعليم هذه الطريقة، وفق معاييرها، وجاءت بنتائج ممتازة، لكن رغم الجهود، لم تتمكن د. هنادا من إقناع سوى 16 مدرسة عربية باتباع هذا النهج. وتقول شارحة: «نحن ما يعنينا هو وزارات التربية، والمدارس الرسمية التي تؤهل ملايين التلاميذ العرب. هناك صدود، وعدم تقبل، ربما هناك يأس أيضًا. الجميع يعرف أن العربية في محنة، لكنهم لا يفعلون سوى تغيير الكتاب، وتبقى النتائج السيئة نفسها. المطلوب هو تغيير النهج كليًا، وفق رؤية ديناميكية حديثة».
ليست المشكلة في التمويل، على ما يبدو، وإنما اتخاذ القرار الرسمي الحازم على أعلى مستوى لإطلاق التغيير، وتأهيل الأساتذة الأكفاء والذين لهم خلفيات معرفية ولغوية متينة. فهذه الطريقة لا تحتاج إلى كتاب مدرسي، أو كتب محددة أو حتى قصص خاصة بالأطفال. ليس في «القرائية» جمود، بل كل يعمل وفق إمكاناته. كل النصوص المنشورة والمطبوعة في الصحف والمجلات، وحتى نصوص الإعلانات والوفيات، التي حولنا يمكننا الإفادة منها. العالم نص مفتوح بحسب د. هنادا، وكل مكتوب هو مصدر للتعلم والتحليل والاستنباط. كثرة القراءة تبعث على التعمق، وكلما زاد عدد النصوص التي يقرأها الإنسان، دفعت به إلى رؤية النصوص الجديدة والحياة بطريقة مختلفة وأكثر انفتاحًا ورحابة، وهذا هو المطلوب.
استنباط قواعد النحو والصرف ليس إلا أحد الأهداف، فالمطلوب أيضا فتح باب النقاش وطرح الأسئلة. وتشرح د. هنادا: «يجب أن نتخلى عن مواجهة الطالب بإجابة صح أو خطأ، أو نفترض أن للسؤال الواحد إجابة واحدة، فهناك إجابات يصعب حصرها، طالما أن التلميذ قادر على برهنة صحة رأيه، فلا بد أن نصغي إليه حتى النهاية، فقد يرى ما لم نره، ويكون محقًا».
الأمر المهم أيضا أن يبقى الحديث بالفصحى، فلا معنى لأن نناقش التلميذ طوال الوقت، بالعامية ثم نطلب منه أن يجيد الفصحى، فالانسجام في العمل مطلوب كما «العدالة اللغوية»؛ أي أن نعامل الأولاد بالتساوي، دون أحكام مسبقة والتمييز بين فطن وأقل فطنة، فلكل مهاراته التي يتوجب احترامها وتنميتها بالعدل والاحترام.
ثمة أمل في أن يفتح مؤتمر «القرائية للجميع»، الذي يحضره نحو 250 متخصصًا، وتضع فيه «مؤسسة الفكر العربي» كل ثقلها، الباب لإقناع المزيد من التربويين بجدوى «القرائية». هناك «نوع من الإحباط لدى المسؤولين في قمة الهرم من التغيير بعد عقود من الفشل، ربما أن تحريك القاعدة هذه المرة، والتطبيق الناجح داخل الصفوف، يمكن أن يقنعهم بالجدوى.
لا تتوانى د. هنادا عن التأكيد على أن تعلم القراءة العميقة يجنب الفرد استعارة قراءات الآخرين ووجهات نظرهم. «يتخرج بفضل (القرائية) طلاب يجيدون القراءة والتحليل، وتشكيل وجهة نظرهم الخاصة، وبالتالي هو الأسلوب الأفضل لإبعاد الطالب عن الرؤية الأحادية الضيقة وحمايته من التطرف والتعصب وفرض الآخرين قراءتهم الخاصة عليه».
د. هنادا طه هي أيضا مديرة مشروع الإسهام في تطوير تعلم اللغة العربية وتعلميها في «عربي 21» الذي أطلق منذ عام 2012 «جائزة كتابي» التي تتماشى في روحها مع نهج «القرائية». ولأول مرة في العالم العربي تقدم جائزة لأدب الأطفال، يختارها الأطفال أنفسهم، حيث يقترع أطفال في دول عربية عدة، بينها: الأردن، ولبنان، ومصر، وعمان، لـ20 كتابا مطروحًا على التصويت. هذه الكتب يختارها مجموعة من الخبراء في المجال. ويبدو أن ذوق الأطفال يميل لغاية الآن، إلى الذكي اللماع والطريف، وهو ما يشجع على استمرار استفتائهم حول الكتاب الذي يستحق الفوز. والجائزة، كما مشروع «عربي 21»، مدعومان من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنيات في المملكة العربية السعودية.
مؤتمر «القرائية للجميع» يفتح ذراعيه لكل المؤسسات المعنية التي تود التعاون من أجل تحسين تعليم اللغة العربية، ويأمل أن يتمكن من جمع أكبر عدد ممكن من العاملين في هذا المجال، للخروج بنتائج تجد صداها على الأرض وفي صفوف المدارس، لا سيما الرسمية منها، الراغبة في إحداث قفزة نوعية في أدائها التعليمي.
وللمشاركة بالإمكان التسجيل على الرابط التالي
arabi21.arabthought.org
www.taraconference.org



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.