أحمد القرملاوي: الكتابة أسطورة أبني من خلالها جسراً يربط الواقع بالخيال

الروائي المصري يكتب القصص بالتزامن مع الرواية حين تلح فكرة تناسبها

ألكاتب أحمد القرملاوي
ألكاتب أحمد القرملاوي
TT

أحمد القرملاوي: الكتابة أسطورة أبني من خلالها جسراً يربط الواقع بالخيال

ألكاتب أحمد القرملاوي
ألكاتب أحمد القرملاوي

لفت الأنظار إليه بعد صدور روايته «ورثة آل الشيخ» التي فازت بجائزة «كاتارا» القطرية للرواية العربية هذا العام. واعتبر عدد من النقاد أن الروائي المصري أحمد القرملاوي يضع يده على بؤرة سردية مهمة في معظم أعماله، تكمن في علاقة البشر بالزمن والتاريخ فأبطاله مغمورون في هذه العلاقة، يحاولون من خلالها استبطان الذات، وطرح هواجسهم وتساؤلاتهم حول معنى الوجود والحياة. القرملاوي من مواليد 1978، يكتب القصة القصيرة والرواية، أصدر خمسة أعمال روائية من أبرزها «أمطار صيفية» الحاصلة على جائزة «الشيخ زايد» للكتاب عام 2018، و«نداء أخير للركاب» التي حصلت على جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب 2019.
هنا حوار معه حول هموم الكتابة وعلاقتها بالواقع والتاريخ في أعماله.

> هل كانت «ورثة آل الشيخ» حلماً قديماً بالكتابة تحت ظلال «شجرة العائلة»؟
بالفعل، فالرواية كانت فكرة قديمة شغلتني لنحو سبع سنوات، قبل أن أقرر إنجازها، وسبب انشغالي بالفكرة هو تلك الأسطورة التي كانت تُتداول بين أجيال عائلتي عن كنز مخبوء في بيت العائلة القديم، وعن «محمد السابع» الذي سيكشف عن الكنز بعدما يتخلص من القرد الأجرب الذي يحرسه. كنتُ أتساءل عن سلطة الأساطير على عقول الناس، وقدرتها على إعادة ترسيم الحدود بين الواقع والخيال، كما كنتُ منشغلاً بالأساطير المنقولة عن أجدادي البعيدين، وعن قدرة الزمن على تجاوز خيباتهم وأخطائهم وإعادة تقديمهم للأجيال اللاحقة كأبطال أسطوريين.
> فكرة اقتفاء الكنز وأثره ورحلة الوصول إليه طالما ألهمت الأدب كثيراً. كيف نظرت لها؟
نظرت إليها كوعدٍ أسطوري، كحافز من صنع الخيال يدفع البشر لمواصلة الحياة، واكتشاف حدودها بحثاً عن هذا الوعد الذي لا يتحقق أبداً، غير أنه يدفع الحدود والجدران أبعد فأبعد، ويُفجر الطاقات المخبوءة في نفوس البشر، حتى يصبحوا هم الكنز الذي يسعون وراءه.
> في أعمالك ثمة استبطان داخلي وبحث طويل عن الذات، موصول بتقليب في تربة التاريخ. حدثنا عن هذا الامتداد.
إحدى مهام الأدب والكتابة الروائية على وجه الخصوص هي استبطان التجربة البشرية والكشف عن الذات الإنسانية، عبر تجارب البشر وصراعاتهم مع الحياة ومع تحولات الزمن القدرية، خصوصاً حين يكون النص رواية أجيال تدور أحداثها خلال فترة زمنية ممتدة تتسع للعديد من التحولات والصعود والهبوط والموت والميلاد، كما يحدث كل ذلك على خلفية من التحولات التاريخية والمجتمعية. هذا ما حاولت اكتشافه، ومن ثم تقديمه عبر رواية «ورثة آل الشيخ».
> يبدو الميراث في روايتك الأخيرة حمال أوجه. كيف اشتغلت على تلك الثيمة أدبياً؟
السؤال نفسه يشتمل على الإجابة في صيغة موجَزة، فنحن لا نرث المال فقط ولا المنقولات، بل الجينات المتوارثة والأسئلة غير المجاب عنها، والأخطاء غير المصوبة، والأحلام غير المتحققة، كما نرث السيرة والسمعة بحلوها ومرها، وغيرها مما يفوق ذلك مهما ادعينا العكس؛ إنها ظاهرة أشبه بتناسخ الأرواح، فكما يعتقد البعض أن الروح الإنسانية تبحث عن جسد جديد تسكن فيه كي تُحقق تحررها، فإن الروح الإنسانية الجمعية تنتقل من جيل لجيل حتى تحرر الإنسان وتُصوب أخطاءه وتكتشف قدراته.
> ما رأيك في إطلاق تعبير رواية أجيال على «ورثة آل الشيخ». وهل خشيت خلال الكتابة من أن يُشتت هذا التدفق في الحكايات القارئ؟
إنها رواية أجيال بحُكم التعريف النقدي، حيث تتوالى الأحداث عبر أجيال متتالية من العائلة نفسها، وأؤمن بأن الرواية تجد قراءها، وكنتُ أدرك تماماً أن روايتي «ورثة آل الشيخ» لن تناسب ذائقة القاعدة العريضة من القراء، إذ هي رواية مفعمة بالشخصيات وبالحكايات وتحتاج لتركيز أعلى نسبياً في أثناء القراءة، وقديماً سمعتُ المخرج يوسف شاهين يقول إن أفلامه ليست من النوع الذي تستطيع مشاهدته وأنت تأكل الفشار؛ ثمة أعمال فنية مركبة وكثيفة بالتفاصيل، تحتاج لذهن صافٍ ورغبة في التلقي العميق، وقد فوجئت بحجم النجاح الذي صادف «ورثة آل الشيخ»، فقد فاق استحسان القراء لها توقعاتي بمسافة بعيدة، والآن بعد حصولها على جائزة كاتارا، أظن أن القارئ سيمنحها المزيد من الصبر والاهتمام.
> شغلك غموض الماضي وتتبع الجذور من قبل في روايتك «نداء أخير للركاب»، ما الفروق التي تمس بطل تلك الرواية وبطل روايتك الجديدة؟
الفروق كبيرة على مستوى رسم الشخصية وبنائها، فبطل «نداء أخير للركاب» مُنكب على ذاته ولا يشغل نفسه كثيراً بماضيه وجذوره، ولم يكن ليخوض هذه الرحلة إلا مُرغماً وباحثاً عن المنفعة المادية قبل أي شيء آخر، غير أنه يتحول رويداً رويداً مع توالي المحطات في رحلة البحث التي يرسمها له أبوه المتوفى قبل رحيله، فيصير الأب غير الموجود هو البطل الحقيقي خلف الأحداث، وإن كان بطلاً شبحياً إن جاز التعبير. أما البطل في «ورثة آل الشيخ» فشخص مهموم أصلاً بالاكتشاف، وبالتساؤل حول أهمية ماضيه في صياغة مستقبله، وعن ضرورة استمساكه بجذوره أثناء رحلته.
> تكررت في الرواية جملة: «جيل ينتج وجيل يحصد ما أنتجه السلف» فبدت كحلقة وصل بين حكايات العائلة المشتتة.
هذا صحيح، وكنتُ أعني الإشارة لهذه المقابلة بين توالي الأجيال وبين تحولات الزمن والتاريخ، فالزمن يسيل على شكل موجات صاعدة وهابطة، ودوامات تدور حول محورها دون توقف، والجملة توحي بحركة الأمواج تلك صعوداً وهبوطاً، وكذلك حركة الدوامات الدائرية، خصوصاً حين تتكرر فتمنح إيقاعاً خاصاً مبنياً على هذه الفكرة.
> لماذا تبدو مشغولاً في أعمالك بفكرة كتابة العابرين للتاريخ؟
بالفعل، أرى الفن الروائي من هذه الزاوية، فكما يكتب المؤرخون تاريخ البشرية من وجهات نظر الساسة والعلماء والأنثربولوجيين، يكتب الروائيون التاريخ من وجهة نظر البشر العاديين، صناع الحياة، والجنود المجهولين خلف كل تحول كبير أو إنجاز هام. فالأدب يمنح الصوت لأولئك الصامتين في كتب التاريخ، وفي حضور السوشيال ميديا التي تمنح الصوت للجميع، تزداد صعوبة مهمة الكتابة الروائية، إذ يصير عليها أن تمنحهم صوتاً أكثر عمقاً وأكثر نفاذاً.
> في أحدث أعمالك «قميص لتغليف الهدايا» عودة للقصة القصيرة بعد محطات روائية لافتة. حدثنا عن تلك العودة.
ليست عودة بالمعنى الدقيق، فأنا أكتب القصص فيما بين الروايات، أحياناً بالتزامن مع الكتابة الروائية حين تواتيني فكرة مُلِحة تناسب القصة القصيرة، وقد قمتُ بنشر عدد من القصص خلال السنوات الماضية التي ركزتُ خلالها على نشر النصوص الروائية، إذ لم أتوقف يوماً عن الاهتمام بفن القصة القصيرة. أما النشر فمسألة لها حسابات أخرى، من حيث التوقيت المناسب لنشر مجموعة قصصية واستعداد جمهور القراء لاستقبالها. والحقيقة أنني ممتن جداً لهذه التجربة التي أثبتت أن القراء في شغف مستمر لقراءة القصص القصيرة، بشرط تقديمها على نحو يُهمهم ويلامس تجاربهم، وأرجو أن يتفق ذلك مع ما قدمته عبر مجموعتي القصصية الأخيرة.
> تعمل في مجال بعيد نسبياً عن الأدب، عرفنا عليه، وكيف تُكرس له وللفن بشكل عام كالموسيقى وقتاً ومناخاً خاصاً في يومياتك؟
أعمل في مجال الهندسة المعمارية والديكور والتصميمات، برغم الضغوط، أحاول باستمرار أن أحافظ على علاقتي بمختلف الفنون التي أهواها، مثل الأدب والموسيقى والشعر وغيرها، عن طريق تنظيم الوقت وعدم ترك فجوات فارغة من أي شيء نافع أقوم به، فدائماً ما أردد لنفسي العبارة القائلة: ما لا يُدرك كله لا يُترك كله، فلا بأس من أن أقضي ولو ساعة في الأسبوع في مداعبة أوتار العود، مهما بدا ذلك غير مشبِع بالنسبة لي، غير أنه قسط صغير أقوم بادخاره في حصالة المحبة، حتى لا تنقطع تماماً علاقتي بما أحب، على أن أستفيد بأي إجازة طويلة في سداد فاتورة المحبة بدرجة أوفى، فأقضي الساعات والساعات يومياً مع العود ومع كتب الشعر وتأليفه، وهكذا. كل ما هناك أن الأمر يحتاج لشيء من التنظيم، والإصرار، والمحبة العميقة للجمال.
> كيف تنظر لحالة الزخم اللافتة في مشهد الرواية المصرية والعربية؟
أتصور أنه يجب أن يتواكب مع زيادة عدد الإصدارات الأدبية اللافتة زيادة في التنوع واكتشاف التجارب المختلفة، فذلك من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الإنتاج الروائي في النهاية.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.