«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

الباحثة إيمان النمر تصحّح صورته بالوثائق والمذكرات وشهادات الفنانين

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس
TT

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

كثيرة هي الكتابات حول تاريخ المسرح المصري، لكنها غالباً ما تقع أسيرة الانطباعات الشخصية أو التركيز على جانب ما دون آخر، أو تفتقد الجهد الحقيقي في البحث والتوثيق. كل هذه المآخذ تجنبتها الباحثة د. إيمان النمر في كتابها «المسرح المصري والمجتمع المصري - من النهضة إلى 1919»، الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية مدعماً بوثائق مصرية وعربية وفرنسية، فضلاً عن مذكرات كوكبة من الفنانين والأدباء الرواد الذين كانوا بمثابة شهود عيان.
اعتمدت الباحثة منهج البحث التاريخي القائم على النقد والتحليل. وبداية تدحض مسلمات الدراسات التاريخية الحديثة بأن الحملة الفرنسية على مصر 1798 كانت جذوة تحضرنا، على نحو أعطى للاستعمار شرعيته، وصور بونابرت مخلّصاً وليس غازياً، وكأن حياتنا هنا في الشرق كانت منعدمة عن كل مظهر حضاري يشهد لإنسانيتنا بالوجود!؛ لافتة إلى أن هذه النظرة الكلاسيكية التغريبية تتجاهل، بل تلغي الذات الاجتماعية الفاعلة التي قاومت وثارت من أجل تحررها. وتؤكد على سبيل المثال، أن المسرح المصري لم ينشأ على أكتاف الفرنسيين لأن الممثلين الذين جاءوا إلى مصر، كان كل همهم تسلية ورفاهية جنود ورعايا وطنهم الغازي. ولم يكن مسرح الجمهورية والفنون الذي أنشأه «جيفال» الحارس الخاص لبونابرت في منطقة «الأزبكية» بالقاهرة يختلف كثيراً عن العروض المسرحية الشعبية التي كانت تقدمها الفرق المتجولة في الشوارع. إذ يقول أحد الرحالة الذين جاءوا إلى مصر عام 1780: «لم نكن نتوقع رؤية عرض مسرحي في مصر... وعند وصولنا القاهرة وجدنا فرقة كبيرة من الممثلين مكونة من مسلمين ومسيحيين ويهود وكان يدل مظهرهم على قلة المال الذي كانوا يحصلون عليه في هذا القطر فكانوا يذهبون لعرض مسرحياتهم في البيوت حيث كان يدفع لهم أجراً زهيداً جداً».
وتنوه الباحثة بأن المجتمع المصري كان يمتلك وعياً موروثاً هائلاً من التراث الشعبي مثل السيرة الهلالية وعنترة والظاهر بيبرس وحكايات ألف ليلة وليلة والزير سالم وغيرها، وكانت تلقى بأداء تمثيلي يحاكيها ويصلها بوجدان الناس فعرفت البلاد ما يسمى بالحكواتي أو الراوي والسامر ومنشد الربابة الذين يطوفون بالقرى والشوارع والحواري في مناسبات الموالد وغيرها.
وتذكر أن سعيد باشا اهتم بإقامة مجموعة من المسارح والملاهي بحدائق قصر القباري بالإسكندرية وكان يقام فيها حفلات نهارية وليلية تعرض شتى فنون الأوبرا والباليه، تعبيراً عن حفاوته وترحيبه بالجالية الأوروبية التي ساندته ورحبت باعتلائه العرش ومن هنا تم مأسسة وحوكمة المسرح، إذ أصبح مؤسسة لها قوانينها الإدارية والتنظيمية تحت إشراف ورعاية السلطة الحاكمة نفسها.

نشأة المسرح المصري

تتابع الباحثة: في عهد الخديو إسماعيل (1863 - 1879) نشأ المسرح المصري بحلته الحديثة في ظل طفرة متنوعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تهدف إلى تحديث مصر على النمط الأوروبي. وقد أنشئ ذلك المسرح بالطرف الجنوبي بالأزبكية في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1867 في مدة وجيزة لم تتعدَ 40 يوماً، حيث تم الافتتاح في مساء 4 يناير (كانون الثاني) 1868 وهو ما أثار تعجب المؤرخ إلياس الأيوبي حين تحدث عنه واصفاً إياه بأنه كان شديد الفخامة ومزين بأبهى الرسوم والزخارف، لا سيما تلك الأماكن التي خصصت للخديوي والأميرات. وقد أراد إسماعيل أن يكون ذلك المسرح على غرار مسرح المنوعات بباريس لتقديم العروض المتنوعة ما بين الكوميدي والأوبرا. ولذلك تم الاتفاق مع «ماناس»، وهو مخرج فرنسي من أصل أميركي للتعاقد مع ثلاثين ممثلاً وممثلة من فرنسا وتم الافتتاح بأوبرا «هيلين الجميلة» من تلحين «أونباخ» 1819 - 1880. وهو مؤلف فرنسي من أصل بروسي. وحضر الافتتاح كثير من الشخصيات المهمة على رأسهم الخديو إسماعيل وولي العهد توفيق وكبار موظفي الدولة وقناصل الدول الأوروبية وبلغ من النجاح درجة جعلت إدارة المسرح تضع المقاعد في الأروقة الخالية من القاعة. ومما يلفت الانتباه وجود ما سمي بجورنال «لوبرجرام التياترات» المصرية وكان يطبع بمطبعة الخواجة «دلبوس دموريث» بالأزبكية، وتبين أن أول إصداراته كان مع افتتاح المسرح الكوميدي ووظيفته كانت نشر برنامج العروض المسرحية ومواعيدها، وكتابة المقالات النقدية والتوعية بفن المسرح في ثوبه الأوروبي الحديث. والتعرف على أسماء بعض العروض المسرحية منها «فرنندة وأسرار الصيف» التي حرص الخديو إسماعيل على حضورها وقام بالتصفيق الحار للمثلين والممثلات.
وتوضح الباحثة أنه من طبيعة العروض المقدمة آنذاك يمكن أن نستشف نوعية البنية الموضوعية لتلك العروض المسرحية، إذ تعكس نمط العلاقات العاطفية بين أروقة وغرف القصور الأرستقراطية وتزاوج السلطة بالغواية، حيث لا انشغال بقضية ولا فكرة ولا هم حقيقي، فالحاكم يذهب للمسرح كي يلهو. ومن الطلبات المتكررة من بعض المخرجين لاستغلال المسرح الكوميدي بشكل أفضل نستنتج مروره بأزمات حقيقية ستتفاقم وتظهر جلياً في المواسم التالية. وقد توالت خسارته خلال موسم 1873 - 1874 رغم ارتفاع معدلات الإنفاق الخاصة بالمسارح التي أثقلت بقروض استدانة من بنك «الأنجلو إيجيبسيان». وكان الموسم المسرحي 1874 - 1875 لا يقل في تفاصيله ولا ميزانيته عن العام السابق حيث قدرت بمليون ومائتي ألف فرانك، إضافة إلى مبلغ ستة عشر ألف ليرة أسترالينية. وكان يتم شراء لوحات جديدة كل موسم مسرحي بقيمة مالية ثابتة بلغت 6560 فرنكاً.

عروض الإسكندرية

يذكر الكتاب أن مدينة الإسكندرية شهدت نشاطاً ملحوظاً للفرق الأجنبية المختلفة، نظراً لطبيعتها الثقافية والتاريخية والجغرافية التي تركزت فيها الجاليات الأجنبية المتنوعة، لا سيما من بلاد حوض البحر المتوسط مثل الإيطاليين واليونانيين، إضافة إلى كون الإسكندرية ميناء وصول ووداع الفرق الأجنبية الآتية لتقديم عروضها بالمسارح الخديوية بالقاهرة، والتي كانت تستكمل موسمها على مسارح الإسكندرية على سبيل الترفيه لجاليات بلادها. وكان من أهمها مسارح: الكونت دي زيزينيا والمسرح العباسي ومسارح الحمراء والبرداويز والهمبرا.
وتذكر الباحثة أنه لم يكن يُسمح للفرق الشامية بتقديم عروضها على المسارح الخديوية إلا بعد انتهاء الفرق الأوروبية من مواسمها المتعاقد عليها وفي ليال محدودة، ومن نماذج هذه الفرق فرقة سليم النقاش الذي اتسم بالذكاء، إذ استغل إمكانياته ومهاراته الاجتماعية للحصول على موافقة مجيء فرقته إلى مصر. والإطراء والتمجيد لشخص الخديوي إسماعيل في افتتاحية كل من مسرحية «عايدة» و«مي» وإهدائه الأخيرة للخواجة أنطونيادس أحد الأجانب المشهورين المقيمين بالإسكندرية.
كان من الطبيعي أن تهتم جريدة الأهرام التي أسسها الأخوان اللبنانيان بشارة وسليم تقلا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1875 بالإعلان عن نشاط الفرقة بصفتها فرقة لبنانية وأن ترصد تنقلاتها ومواعيدها وحث الناس على متابعة وحضور عروضها التي كان أولها مسرحية «هارون الرشيد» ثم رواية «الحسود السليط» كما كتب الشيخ محمد عبده فقرة عن سليم النقاش واصفاً إياه بـ«حضرة الشاب النبيه الجليل والذكي وأن مجيئه إلى مصر أحد المظاهر الحضارية التي تحسب للخديوي إسماعيل»، وتلك كانت لفتة مهمة من رجل دين شهير يتحدث عن الفن وممثليه بوصفه مظهراً حضارياً.
وخلال شهر أبريل (نيسان) عام 1882 قدمت فرقة سليمان القرداحي ثماني روايات على مسرح دار الأوبرا الخديوية بدأتها برواية «تليماك»، وهي من أشهر الروايات التي كررتها دار الأوبرا في حفلاتها ومواسمها آنذاك. وفي عام 1900 تقدم القرداحي بطلب إلى نظارة «وزارة» الأشغال للحصول على تعويض مادي مقابل هدم مسرحه بالإسكندرية أو بناء مسرح آخر له في الأزبكية، وقد اتضح من الطلب والتقارير التي بين نظارة الأشغال والجهات المختصة أن الفرقة تقريباً منذ عام 1897 أصبحت في منحنى الانهيار والإفلاس.

جدل الريادة

تتطرق المؤلفة إلى قضية مهمة تثار عادة مشحونة بالكثير من الجدل وهي قضية ريادة يعقوب صنوع للمسرح المصري حيث تشير إلى أن صنوع 1839 - 1912 ولد من أبوين إيطاليين وقد أجمعت عديد من الدراسات العربية والأجنبية التي أرخت لتاريخ المسرح المصري أنه رائد ومؤسس المسرح المصري عام 1870 واستندت بشكل أساسي على إحدى محاوراته المنشورة بصحيفة أبو نظارة وفيها ذكر أنه أنشأ «تياترو عربي للمصريين امتد وجوده إلى عامين». وذكر أنه أنشأ مسرحه في مقهى موسيقي بحديقة الأزبكية 1870 متأثراً بالفرق الإيطالية والفرنسية في مصر. وبحسب صنوع استطاعت الفرقة أن تحقق نجاحاً جماهيرياً باهراً استدعى أن يضم إلى فرقته فتاتين تقومان بالأدوار النسائية بدلاً من الصبيان الصغار.
تتحفظ الباحثة على ريادة صنوع استناداً إلى عدم وجود أي وثائق رسمية أو دوريات أو دراسات معاصرة للفترة الخاصة بصنوع الذي تحدث عن تجربته بما لا يتناسب مع حجم الشهرة والنجاح الجماهيري والنخبوي الذي بلغته مسرحياته. وتشير إلى عدم وجود تاريخ محدد لتأسيس ذلك المسرح أو إغلاقه والاكتفاء بتحديده ما بين عامي 1870 – 1872 وأيضاً عدم العثور على أي أوامر معلنة تثبت منح الخديوي إسماعيل لقب «موليير مصر» لصنوع الذي يبالغ مبالغة شديدة حين يتحدث عن عروض فرقته ويقول إنها تجاوزت المئات خلال عامين فقط!
يقع الكتاب في 250 صفحة من القطع الكبير، وقد بذلت فيه الباحثة جهداً مشهوداً ونجحت في عمل توازن بين الرصد التاريخي الموثق وبين التحليل المبني على أسس موضوعية، لكن ورود قائمة الهوامش والإشارات في ذيل كل فصل أدى إلى قطع تسلسل وتدفق السرد، حيث تبلغ هذه الهوامش في بعض الحالات 15 صفحة وكان يُفضل أن تبقيها في نهاية الكتاب مرة واحدة إلى جوار قائمة المراجع.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.