خط باريس ـ برلين ما بعد عهد ميركل

«الثنائي التاريخي»... على خطاها يريد أوروبا قوية

تقليد دأب عليه الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني أن تكون أول زيارة خارجية إلى عاصمة شريكه التاريخي (رويترز)
تقليد دأب عليه الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني أن تكون أول زيارة خارجية إلى عاصمة شريكه التاريخي (رويترز)
TT

خط باريس ـ برلين ما بعد عهد ميركل

تقليد دأب عليه الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني أن تكون أول زيارة خارجية إلى عاصمة شريكه التاريخي (رويترز)
تقليد دأب عليه الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني أن تكون أول زيارة خارجية إلى عاصمة شريكه التاريخي (رويترز)

بعد أقل من عشرين يوماً، يحل دور فرنسا في ترؤس الاتحاد الأوروبي لستة أشهر. وقبل ثلاثة أيام، عرض الرئيس إيمانويل ماكرون، في مؤتمر صحافي، برنامجاً حافلاً لما ينوي الدفع به من أجل بناء السيادة الأوروبية الأمنية والدفاعية والصناعية، والالتفات إلى مسائل الهجرات المتدفقة على أوروبا، وتعديل اتفاقية شنغن للتنقل الحر بين الدول الموقعة عليها، وسلسلة من الاجتماعات والقمم والمشاريع الخاصة بالتعليم وتنقل الطلاب في إطار برنامج «إيراسموس»، والاهتمام بأفريقيا ومنطقة البلقان الغربي، وغيرها من المشاريع الطموحة.
بيد أن طرح المشاريع شيء وتحقيقها -أو على الأقل بعضها- يحتاج من داخل الاتحاد إلى شريك قوي. وثمة ثابتة في تاريخ الاتحاد قوامها أن التفاهم الفرنسي - الألماني هو الضامن لدفع الاتحاد إلى الأمام، إذ أنه كان -ولا يزال- العربة التي تشده. وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة، شهد تاريخ الاتحاد قيام ثنائي فرنسي - ألماني ترك دمغته على المشروع الأوروبي، ومنهم -على سبيل المثال- الجنرال ديغول وكونراد أديناور، وفاليري جيسكار ديستان وهلموت شميت، وفرنسوا ميتران وهيلموت كول، وآخرهم إيمانويل ماكرون وأنجيلا ميركل. والحال أن الأخيرة المنتمية إلى اليمين الألماني غادرت بحر الأسبوع الفائت المسرح السياسي بعد 16 عاماً من الحكم المتواصل، لتترك ماكرون يتدبر أموره مع خليفتها الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس.
وثمة تقليد دأب عليه الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، وهو أن تكون أول زيارة خارجية إلى عاصمة شريكه التاريخي. ويذكر الفرنسيون أنه بعد انتخاب فرنسوا هولاند عام 2012، توجه مساء تنصيبه إلى برلين، إلا أن الأحوال الجوية السيئة كادت تسقط طائرته، ما اضطره إلى العودة إلى باريس. وقتها، تأجلت زيارته 24 ساعة فقط.
وجرياً على هذه العادة، زار شولتس العاصمة الفرنسية أول من أمس لغداء تعارف وعمل مع ماكرون. وقياساً على الأجواء التي سادت اللقاء، والتصريحات التي أدلى بها الطرفان، يمكن الرهان على أن العلاقة بين المسؤولين ستكون امتداداً للعلاقة الخاصة التي ربطت ماكرون وميركل. وقد سارع الرئيس الفرنسي، بعد اللقاء، إلى تأكيد أن «هذه المحادثات الأولى تعكس بوضوح تطابقاً متيناً في وجهات النظر». ورد شولتس على ذلك بتأكيده وجود «مقاربات بناءة كثيرة»، مضيفاً أنه «واثق من أن العلاقات الفرنسية - الألمانية ستواصل الازدهار».
وكانت وزيرة الخارجية الألمانية الجديدة، أنالينا بيربوك، قد توجهت إلى الطرف الفرنسي قائلة: «بإمكانكم الاعتماد على دعم ألمانيا». ويريد الطرفان أن يعبئا جهودهما من أجل «خدمة أوروبا».
وثمة مواضيع ملحة للغاية يتعين على ماكرون وشولتس التعاون والتنسيق بشأنها، وأولها الأزمة الأوكرانية، والتوتر القائم بين المعسكر الغربي وروسيا، على الرغم من الاتصال الهاتفي الذي حصل بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين. وكانت هذه الأزمة على رأس المسائل التي بحثها الطرفان اللذان يجمع بينهما رؤية تجد من المفيد الحوار، بل التعاون مع روسيا، بدل سلوك مسار يمكن أن يفضي إلى حرب باردة جديدة. وباريس وبرلين معنيتان أكثر من غيرهما بالملف الأوكراني، لأنهما يرعيان ما يسمى «مجموعة نورماندي» التي تضم -إلى جانبهما- موسكو وكييف.
ومع كل تصعيد بين السلطة المركزية في أوكرانيا ومناطق الشرق الانفصالية، تعود الوساطة الأوروبية إلى الواجهة، على الرغم من عجزها عن الدفع إلى تطبيق اتفاقات مينسك التي رسمت الطريق لوضع حد للأزمة الأوكرانية. وثمة من يرى أوروبياً أن بوتين يفضل التعامل مباشرة مع نظيره الأميركي، بدل الاستمرار في مسار أوروبي لم يفضِ إلى حلول.
وفي أي حال، فإن باريس وبرلين متفاهمتان على ضرورة اتخاذ إجراءات «قوية»، في حال عمدت روسيا إلى «غزو» أوكرانيا، وهو أمر مستبعد. وفي هذا السياق، هدد شولتس، أواسط الأسبوع الماضي، بـ«عواقب» محتملة على خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» الذي يربط روسيا بألمانيا، في حال شنت موسكو هجوماً على أوكرانيا. ومشروع «نورد ستريم 2» ما كان ليتحقق لولا تمسك ميركل به، على الرغم من الضغوط الأميركية، خصوصاً زمن دونالد ترمب.
ومن المقرر أن تنعقد قمة أوروبية يومي الـ16 والـ17 من الشهر الحالي في بروكسل، ستكون أول اختبار عملي للتنسيق الفرنسي - الألماني. وقد سارع ماكرون إلى الإعلان عن أنه «في المسائل الاجتماعية، ومواضيع التحول البيئي والرقمي، والرد المشترك على تحديات الهجرة ومسائل الاستثمار أو الانفتاح الدستوري، أبدينا حقاً عزماً على العمل معاً».
وبالنظر لما قاله شولتس في باريس، وما أعلنه لاحقاً من بروكسل عقب لقائه شارل ميشال، رئيس المجلس الأوروبي، فإن قدراً كافياً من التفاهم والتنسيق سيقوم سريعاً بين الرجلين. وتأكيد شولتس أن الأوروبيين «يحتاجون إلى أوروبا قوية تحقق أقصى قدر من طاقتها، لذا ينبغي إيجاد سبيل لتعزيز السيادة الأوروبية، وألمانيا -البلد الكبير في قلب أوروبا- تتحمل مسؤولية، ولا يمكن أن تبقى على الهامش»؛ هذا الكلام يمكن نسبته إلى ماكرون الذي يدعو منذ انتخابه ربيع عام 2017 إلى قيام الدفاع الأوروبي، وإلى تحقيق «الاستقلالية الاستراتيجية».
وعلى هذا الصعيد، فإنه بإمكان ماكرون أن يراهن على دعم شولتس الذي يدير تحالفاً يتشكل من حزبه الاشتراكي الديمقراطي والخضر والليبراليين، والذي يدعو إلى تعزيز الاندماج الأوروبي. وبذلك، فإن الجانب الفرنسي، بعد رحيل ميركل عن السلطة، قد يجد نفسه متأخراً عن طروحات شريكه الألماني الذي يدعو تحالفه إلى «تطور الاتحاد الأوروبي إلى دولة فدرالية أوروبية». والحال أن ماكرون على الرغم من كونه أوروبي الهوى، لن يكون قادراً على السير في هذا الاتجاه، إذ إنه مقبل على انتخابات رئاسية يواجه فيها اليمين واليمين المتطرف، وكلاهما سيعارضان بقوة أي توجه نحو دولة أوروبية فدرالية.
وفي أي حال، فإن الأوضاع السياسية في كثير من الدول الأوروبية تجعل مشروعاً كهذا ضرباً من الخيال، ربما يتحقق ولكن بعد مرور سنوات طويلة. وعلى الرغم من الرغبة في استمرار التنسيق، والسعي إلى التطابق التام بين برلين وباريس، فإن هناك مسائل تتباعد فيها مواقف الطرفين، ومنها موضوع الطاقة، حيث إن باريس مستمرة في الرهان على الطاقة النووية التي تعدها نظيفة، فيما خرجت برلين منها منذ سنوات. وتريد باريس إدراج الطاقة النووية بين مصادر الطاقة «الخضراء»، وهو ما ستكون الحكومة الألمانية، خصوصاً جناح الخضر فيها، عاجزة عن «مسايرة» باريس فيه.
قد يكون هذا الملف أحد المواضيع الخلافية، ولكنه ليس الوحيد. فتوجهات الطرفين ليست متطابقة في موضوع المديونية والعجز وتمويل الانتعاش الاقتصادي في القارة القديمة. لكنها جميعها مسائل يتعين أخذ مواقف الأطراف الأخرى فيها بعين الاعتبار، في محاولات غرضها التوصل إلى مقاربات مشتركة لن تتوافر إلا بعد كثير من المشاورات والمساومات.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.