مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

تجاذبات ومؤتمرات وحسابات إقليمية ودولية بالجملة

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار
TT

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

في تحوّل دبلوماسي كبير يتعلق بأفغانستان، تراجعت باكستان عن استخدام أراضيها للسماح للهند بنقل 50 ألف طن متري من القمح والأدوية التي تسهم في إنقاذ الحياة، كمساعدة إنسانية لشعب أفغانستان، على متن شاحنات أفغانية.
في البداية، رفضت باكستان منح الإذن بمرور هذه المساعدات، لكنها رضخت في وقت لاحق بسبب تدخل جماعة «طالبان». وكان عرض الهند لتقديم مساعدات إنسانية لتزويد أفغانستان بالقمح، رهينة بتقلبات المؤسسة الباكستانية خلال الأشهر القليلة الماضية رغم أن إعلان النظام في كابل أعرب عن استعداده لقبول هذه المساعدات. وكانت الهند قد طالبت جماعة «طالبان» بتوفير «إمكانية وصول دونما عوائق أو عقبات» و«خطة توزيع مناسبة».
ومن ناحيته، أعلن المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية، أريندام باغشي، أن المساعدة الإنسانية يجب ألا تخضع لشروط.
في سياق انعكاس التوتر الباكستاني – الهندي على الوضع في أفغانستان، سبق أن أصرت باكستان على نقل شحنات القمح والأدوية إلى أفغانستان على متن شاحنات باكستانية من نقطة واجاه الحدودية، بينما فضلت الهند استخدام وسائل النقل الخاصة بها. وترغب الهند في ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين المقصودين دون تحويل مسارها، وتسعى لتوزيع مواد الإغاثة من خلال وكالة دولية ذات مصداقية.
غير أن بياناً صادراً عن وزارة الخارجية الباكستانية ذكر أنه «بهدف تسهيل قرار باكستان السماح بنقل 50 ألف طن متري من القمح والأدوية المنقذة للحياة من الهند إلى أفغانستان عبر نقطة واجاه الحدودية على أساس استثنائي لأغراض إنسانية، فقد تقرر السماح باستخدام الشاحنات الأفغانية للنقل من واجاه إلى تورخام». وهو أمر أثار تساؤلات هندية حول ما إذا كانت ستتغير علاقة الهند بأفغانستان بانسحاب الولايات المتحدة من البلاد؟ وهل ستغيِّر «طالبان» على رأس إمارة أفغانستان الإسلامية الموقف من الهند؟
في هذا الصدد، أعرب راكيش سود، دبلوماسي هندي متقاعد، عن اعتقاده بأن «جغرافية الهند ستضمن وجودنا، وإن كان دورنا سيتعرض لتغييرات. الولايات المتحدة ترحل لأنها تستطيع ذلك، بينما تبقى الهند لأنها تنتمي». وتابع سود أن «نهج الهند القائم على الاعتماد على القوة الناعمة للتأثير على نتائج الأحداث في أفغانستان، كان بمثابة اختبار لقدرتها على المناورة الدبلوماسية». وأردف: «ربما تكون المساعدة الإنسانية الهندية الخطوة الأولى، إلا أنها من المؤكد لن تكون الأخيرة على صعيد تقديم العون لأفغانستان. ومع أن قيود القوة الناعمة معروفة جيداً للجميع، ربما يكون هذا الخيار الوحيد أمام الهند للاقتراب من أفغانستان.
يُذكر أنه بعدما استولت «طالبان» على أفغانستان بالقوة في وقت سابق من العام الجاري، سارعت الهند، مثل الكثير من الدول الأخرى، إلى التنافس على ضمان نفوذ لها داخل أفغانستان. وحاولت الهند العودة للمشاركة في الملف الأفغاني من خلال موافقتها على «حوار الدفاع الأمني الإقليمي الثالث» في نيودلهي بمشاركة 7 دول فاعلة إقليمياً، بينها روسيا وإيران وخمس دول في آسيا الوسطى. وسرعان ما أعقبتها إسلام آباد التي استضافت اجتماع «ترويكا بلس» بمشاركة دول أعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هي: الولايات المتحدة وروسيا والصين، والتقوا خلاله القائم بأعمال وزير خارجية «طالبان».
من جهتها، قالت ديبورا ليونز، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لأفغانستان، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان: «تحرص دول المنطقة، مثل بقية عناصر المجتمع الدولي، على المشاركة في هذا الوقت الحرج، وتعكس المؤتمرات الأخيرة حول أفغانستان في دلهي وإسلام آباد بوضوح وجود إجماع قوي على المستويين الإقليمي والدولي حول بناء حكومة أكثر شمولاً في أفغانستان، بالإضافة إلى الحاجة إلى تعليم الفتيات وعودة النساء إلى العمل واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات».
كانت البداية عندما قررت الهند استضافة «حوار دلهي الأمني الإقليمي حول أفغانستان» الذي حضره لاحقاً مسؤولون أمنيون على المستوى الرفيع من روسيا وإيران وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. وكانت الهند قد وجّهت الدعوة إلى باكستان والصين للمشاركة في اجتماع إقليمي في دلهي حول أفغانستان، لكن الدعوة قوبلت بالرفض من جانب باكستان والصين.
ويمثل اجتماع «حوار دلهي» الاجتماع الثالث في سلسلة من اللقاءات الدولية حول أفغانستان، والأول في أعقاب سيطرة «طالبان» على البلاد. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاجتماعين السابقين عُقدا في إيران سبتمبر (أيلول) 2018 وديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان من المفترض عقد هذا الاجتماع عام 2020، لكن تقرر تأجيله بسبب جائحة «كوفيد - 19». وفي أثناء انعقاد أول اجتماعين عامي 2018 و2019 كانت أفغانستان دولة ديمقراطية. أما اليوم، فقد تبدل الوضع على نحو هائل على الأرض في أفغانستان.
- «حوار دلهي الإقليمي»
ترأّس «حوار دلهي الأمني الإقليمي» المؤلف من ثماني دول والذي استضافته نيودلهي، مستشارُ الأمن الوطني الهندي أجيت دوفال، بمشاركة الأدميرال علي شمخاني (إيران) ونيكولاي باتروشيف (روسيا) وكريم ماسيموف (كازاخستان) ومارات موكانوفيتش إيمانكولوف (قيرغيزستان) ونصر الله رحمتجون محمودزاده (طاجيكستان) وشاريميرات كاكالييفيتش أمافوف (تركمانستان) وفيكتور مخمودوف (أوزبكستان). وعلاوة على ذلك، أجرى رئيس الوزراء ناريندرا مودي، اجتماعات ثنائية على هامش الاجتماع. والسؤال هنا: لماذا استضافت الهند اجتماعاً حول أفغانستان مع عدد من اللاعبين الإقليميين؟
ويجري النظر إلى هذا الاجتماع بوصفه جزءاً من جهود الهند للإبقاء على دور لها في التعامل مع تداعيات التطورات داخل أفغانستان. وكانت هذه محاولة من الهند لتأمين لنفسها مقعداً على الطاولة لتقرير مسار العمل المستقبلي إزاء أفغانستان. ومن ناحيته، علّق الكاتب الصحافي سوهاسيني حيدر، على الأمر مجيباً: «ترغب الهند في أن تبقى عنصراً مهماً وفاعلاً في رسم مستقبل أفغانستان، ولا ينبغي استبعادها من المناقشات الدائرة في هذا الشأن. وفيما يخص الهند، كان عقد حوار دلهي خطوة جوهرية لإثبات أهمية الهند كجهة قادرة على حل المشكلات في خضم أزمات أفغانستان متعددة الأبعاد بعد أن وضعت كل رهانها على أشرف غني في وقت سابق ورفضت التعامل مع (طالبان)». وأضاف: «بمجرد أن بدأ زحف (طالبان) المدعومة من باكستان باتجاه كابُل، خسرت الهند مثل كثيرين آخرين نفوذها الذي دام 20 سنة داخل أفغانستان. ومن خلال هذا الحوار، سعت الهند لإثبات أهميتها، ولم توجه الدعوة إلى أيٍّ من قادة النظام السابق، بمن فيهم الرئيس السابق حامد كرزاي، والرئيس التنفيذي السابق عبد الله عبد الله. وترغب نيودلهي في أن يجري النظر إليها باعتبار أن لها دوراً في السياسة الداخلية للمجتمع الأفغاني في الوقت الراهن، ما يعد خطوة دبلوماسية كبرى».
وتكمن المفارقة في أن ثمة قضايا لا تختلف الهند فيها عن باكستان فحسب، وإنما كذلك عن الولايات المتحدة والصين وبقية دول الجوار. والجدير بالذكر هنا أن جميع الدول باستثناء الهند ترتبط مع باكستان بعلاقة عمل، وتشارك في حوارات حول أفغانستان. ورغم عدم اعتراف أي دولة بحكومة «طالبان» المؤقتة، فإن جميع الدول تتعاون مع قيادة «طالبان» بصورة ما. أما الهند، فترغب في تأكيد حقيقة أنه لا توجد دولة ترغب في «إضفاء الشرعية» على حكومة «طالبان» المؤقتة، إلا أن هذا سيكون صعباً بالنظر إلى أن روسيا وإيران تعاونتا مع «طالبان» لبعض الوقت وتحتفظان بسفارات هناك. وفي خطوة شكلت خروجاً على إعلان دلهي، أصدرت روسيا بياناً منفصلاً. وأرسلت تركمانستان وفداً على المستوى الوزاري لمناقشة التواصل مع «طالبان»، خصوصاً خط أنابيب تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند.
من جانبها، قَبِلت أوزبكستان زيارة نائب رئيس حكومة «طالبان» عبد السلام حنفي، وناقشت معه قضايا التجارة والعبور والربط، وحتى المضي قدماً في مشروع السكك الحديدية. وأرسلت قيرغيزستان وكازاخستان وفوداً رفيعة المستوى إلى كابُل للحديث إلى وزير خارجية «طالبان». اللافت أن طاجيكستان تعاونت مع «طالبان» على مستوى أقل من البقية، ويسود اعتقاد بأنها استضافت جبهة المقاومة الوطنية، وأوضحت أنها لن تعترف بحكومة تسيطر عليها «طالبان» فقط.
وفي خضمّ جهود متجددة من الحكومة في كابُل للحصول على اعتراف دولي، أعلن مسؤولو «طالبان» أنهم منفتحون على استقبال دبلوماسيين هنود وتوفير الأمن لهم. ومع اقتراب فصل الشتاء سريعاً، وخطر تفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان، أكد المتحدث باسم «طالبان» والسفير المعيّن لدى الأمم المتحدة شاهين سهيل، عقده لقاءً مع وفد هندي في موسكو، الشهر الماضي.
وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الهندية بأن الهند أوضحت لوفد «طالبان» المشارك في الاجتماع الذي انعقد في موسكو، الشهر الماضي، أن الهند على استعداد لتقديم المساعدة الإنسانية، لكنها لا تنوي تقديم هذه المساعدات مباشرة للنظام الجديد، وإنما سيجري توزيعها من خلال وكالات المساعدة الإنسانية، مثل الأمم المتحدة وغيرها. وبوصفها الدولة المضيفة، اختارت الهند عدم توجيه الدعوة إلى «طالبان».
المثير للاهتمام أن رد «طالبان» على جهود الهند لم يكن سلبياً، وإنما أعربت عن أملها في أن يسهم الاجتماع الذي يضم مسؤولين على مستوى وكالات الأمن الوطني في إحلال السلام والاستقرار داخل أفغانستان.
وفي هذا الصدد، قال إنعام الله سمنغاني، نائب المتحدث باسم وزارة خارجية «طالبان»: «إن الإمارة الإسلامية (طالبان) ترحب بالاجتماع المنعقد في الهند. كما أننا نحاول اتخاذ خطوات راسخة على صعيد الحكم، ولا ينبغي للدول أن تقلق بشأن استخدام الأراضي الأفغانية ضد أي جهة».
- ماذا حقق الحوار؟
وصفت مصادر حكومية هندية هذا الحضور الكبير بأنه «دليل على الأهمية المعلقة على دور الهند في الجهود الإقليمية لتعزيز السلام والأمن في أفغانستان». وفي إطار الإعلان الصادر عن اجتماع دلهي وتميزه بقوة صياغته، تعهد المشاركون بـ«مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره» وطالبوا بـ«حكومة منفتحة وشاملة عن حق تمثل إرادة كل شعب أفغانستان»، ولمح إلى تشكيل جبهة أو تحالف إقليمي لممارسة ضغوط على «طالبان» والجماعات المسلحة الأخرى وطرح حوافز لها.
كذلك، أعرب المحلل الأمني الهندي سوشانت سارين، عن اعتقاده بأن «قمة دلهي ساعدت الهند على استعادة الأراضي المفقودة بسبب الوضع الأفغاني. لقد فاق الحوار توقعات الهند من خلال خلق (إجماع كامل) من الدول الثماني الحاضرة حول أسلوب التعامل مع أفغانستان مستقبلاً. انضمام رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى اجتماع مسؤولي وكالة الأمن الوطني أعطى دَفعة لمركزية دور الهند في العملية الأفغانية، ويشير إلى الأولوية التي توليها نيودلهي للشؤون الأفغانية وآسيا الوسطى». وهنا يقول الكثير من الدبلوماسيين السابقين إن نيودلهي بحاجة إلى التحلي بالصبر وانتظار الوقت المناسب. ومن الممكن أن تظهر الهند وتبرز في الصورة عندما تظهر قضايا التنمية في المقدمة، إلا أن ذلك قد يستغرق بعض الوقت، وإن كان هذا لا يستدعي الذعر.
- الصين... هناك دوماً فرصة أخرى
من ناحية أخرى، في ملاحظتها حول البلدان التي حضرت الاجتماع، ذكرت الكاتبة الهندية سيما جوها، أن «كل دولة ممثلة في الاجتماع تواجه تهديدات في الداخل من جانب الجماعات المتطرفة، وتريد التأكد من أن هذه الجماعات لا تعْبر حدودها. والملاحَظ أن غالبية دول رابطة الدول المستقلة تقف إلى جوار الهند وروسيا وإيران في موقفهم من أفغانستان. وتبدو الخطوط الحمراء واضحة أمام الهند، وكذلك دول المنطقة، الامتناع عن تصدير الإرهاب وضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد الدول المجاورة، مع ضرورة حماية حقوق الأقليات والنساء داخل أفغانستان. وإلى جانب استعراض المخاطر الناشئة عن أفغانستان، تناول حوار دلهي مسألة تبادل المعلومات الاستخباراتية والجهود المبذولة لضمان تأمين الحدود.
وبعد رفض المشاركة في الاجتماعين السابقين بسبب وجود الهند، رفضت باكستان حضور هذا الاجتماع هو الآخر، خصوصاً في ضوء الوضع الحالي للعلاقات الثنائية. وفي الوقت ذاته، أعلنت عن عقد اجتماع خاص بها حول أفغانستان التي لا تزال باكستان تعدها نطاق نفوذ خاصاً بها حصراً. وسعياً لإبقاء نيودلهي خارج أفغانستان، قال مستشار الأمن الوطني الباكستاني، معيد يوسف، إن بلاده تمتنع عن المشاركة في حضور الاجتماع الذي تستضيفه الهند، مبرراً هذا القرار بقوله: «المفسد لا يمكن أن يكون صانعاً للسلام».
من ناحية أخرى، شاركت الصين في كلا الاجتماعين السابقين اللذين استضافتهما إيران، لكنها بررت غيابها هذه المرة بمسائل تتعلق بالجدول الزمني. في الوقت ذاته، أبلغت الصين الهند بأنها «منفتحة على الحفاظ على الاتصالات مع الهند بخصوص أفغانستان من خلال القنوات الثنائية أو متعددة الأطراف». ويرى محللون أن غياب الصين عن لقاء دلهي يحمل إشارة بأنها لا تريد الارتباط بأي عملية تقودها الهند. والملاحَظ أن بكين تعاونت مع قيادة «طالبان»، قبل وبعد سقوط كابُل في يد الجماعة، الأمر الذي تتابعه نيودلهي باهتمام بالغ، خصوصاً في ضوء التقارب القائم بين الصين وباكستان وإمكانية صعود بكين كمصدر تمويل جديد لـ«طالبان». والمؤكد أن «طالبان» ستعوّل على النفوذ الصيني داخل مجلس الأمن.
من جهته، ذكر سريرام شوليا، الأستاذ في مدرسة جيندال للشؤون الدولية في سونيبات بالهند، أنه «دائماً ما كانت هناك انقسامات جيوسياسية واضحة ورؤى متضاربة بين الصين وباكستان من جهة، والهند من جهة أخرى، حول مستقبل أفغانستان. وتصاعدت هذه الانقسامات منذ أن أنزلت (طالبان) الهزيمة بالنظام الأفغاني السابق واستولت على السلطة في كابُل. وفي حين لم تعترف أي دولة رسمياً بحكومة (طالبان) الجديدة، فإن باكستان والصين تعدان، على نحو غير رسمي، أكثر قرباً ودعماً للجماعة الأفغانية مقارنةً بالدول الأخرى في المنطقة. ولقد ادّعت باكستان والصين إحراز تقدم من نوع ما، على الأقل في المجال الدبلوماسي، عندما أطاحت (طالبان) بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً في وقت سابق من العام، بل سخرت باكستان من الهند لاستثمارها أكثر من 3 مليارات دولار أميركي في مشاريع تنموية مختلفة في أفغانستان».
- اجتماع «ترويكا بلس» الباكستاني حول أفغانستان
> في اليوم التالي لـ«حوار دلهي»، كما سبقت الإشارة، استضافت باكستان اجتماعاً حول أفغانستان، شاركت فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي دول أعضاء بمجلس الأمن كانت على اتصال بعضها ببعض بشأن التطورات الأفغانية. وفي إطار هذه العملية، جرى توسيع المجموعة المعروفة باسم «الثلاثة الكبار» لتصبح «ترويكا بلس»، والتي تتألف من روسيا والصين والولايات المتحدة وباكستان.
هذه كانت الزيارة الأولى لتوماس ويست، إلى المنطقة، وهو المسؤول الأميركي الذي حلّ محل الدبلوماسي المخضرم زلماي خليل زاد، المسؤول عن الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» في فبراير (شباط)، والذي مهّد الطريق أمام رحيل القوات الأميركية عن أفغانستان. وقبل زيارة ويست، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، خلال مؤتمر صحافي أنه «بالتعاون مع شركائنا، سيواصل ويست شرح طبيعة توقعاتنا من (طالبان) وأي حكومة أفغانية مستقبلية».
وفي أعقاب المشاركة في اجتماع «ترويكا بلس»، وصل توماس إلى دلهي وأطلع الحكومة الهندية على اجتماعاته في إسلام آباد وموسكو. والواضح أن الغرب كان يحاول تكوين فكرة عن التفكير الإقليمي بخصوص أفغانستان وبناء إجماع على خريطة طريق للاعتراف بنظام «طالبان». وتزامنت زيارته مع إقامة «طالبان» عرضاً عسكرياً بالاستعانة بالمعدات العسكرية التي خلّفتها القوات الأميركية وراءها...
تمثل الهدف الأساسي من «ترويكا بلس» في إثبات أن باكستان اللاعب الأكثر أهمية فيما يخص الملف الأفغاني اليوم، وتعد مسألة توجيه الدعوة لوزير خارجية «طالبان» للقاء ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا والصين مؤشراً على ذلك. ومن ناحيتها، تريد باكستان من المجتمع الدولي أن يسهم في تقديم مساعدات مالية لأفغانستان للحيلولة دون وقوعها في هوة الإفلاس والحرب الأهلية التي يمكن أن تمتد تداعياتها إلى داخل باكستان. ومن خلال استضافة «الثلاثة الكبار» في إسلام آباد، تودّ الأخيرة أن تُبقي نفسها بعيدة عن اللوم على المشكلات القائمة داخل أفغانستان وإثبات أنها جزء من الحل.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.