مليون دولار هي قيمة تكاليف تحديث موقع الكرملين على شبكة الإنترنت بما يتفق ورؤية الرئيس فلاديمير بوتين، حسبما قالت مصادر صحيفة «ار بي كا». الموقع الجديد الذي جرى إطلاقه منذ أيام قلائل يعد إضافة «معتبرة»، إلى ما يعتمده الرئيس الروسي من مفردات لدعم «ماكينته» الدعائية التي يتكئ عليها اليوم في مواجهة الحرب الإعلامية الغربية الشديدة الوطأة التي تعالى سعارها على وجه خاص بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية.
وبغض النظر عن الشكل الذي يصفونه بـ«العصري» للموقع الجديد وبعيدا عن اعتراف الرئيس بوتين بأنه ليس من هواة الإنترنت وقليلا ما يلجأ إلى خدماتها، فإن الحدث يظل في حد ذاته مثيرا للدهشة والاهتمام على خلفية ما تحفل به الخريطة الإعلامية الرسمية من فعاليات.
في أحد لقاءاته مع عدد من أبرز رموز الصحافة والإعلام في روسيا، اعترف فلاديمير بوتين بأنه لا يطلع على الصحف ولا يتابع الإذاعات والقنوات التلفزيونية إلا لماما. ورغم أنه عاد ليكرر في حديثه معهم أن ما يقدمونه من إنتاج إعلامي لا يحظى باهتمامه ولا يعنيه كثيرا، فإن ذلك لا ينفي أنه يبدو حريصا كل الحرص على معرفة كل ما يدور حوله وما يكتب عنه وعن سياساته في الداخل والخارج من خلال جهاز صحافي مشهود له بالكفاءة، لا سيما بعد أن تولى بوتين بنفسه اختيار القائمين عليه سواء من جهاز وزارة الخارجية الروسية، أو من «أجهزة القوة» وهو الاسم الذي يطلقونه على أجهزة الأمن والمخابرات والقوات المسلحة والنيابة العامة.
وبهذه المناسبة، نشير إلى أن الرئيس بوتين كان قد وقع اختياره على ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين اليوم، خلال زيارة كان يقوم بها لتركيا في أولى سنوات ولايته الأولى، وكان بيسكوف يعمل سكرتيرا أول في السفارة الروسية هناك.
ومن هذا المنظور يمكن تفسير الاهتمام الإعلامي الكبير بإطلاق الموقع الإلكتروني الجديد للكرملين الذي حرص الجهاز الصحافي التابع لإدارة الرئيس الروسي على تقديمه بما يليق به من مكانة وتقدير. وقد جاء موعد إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد في توقيت مواكب لذروة الحملات الإعلامية الغربية التي يواجهها الرئيس بوتين منذ اندلاع أولى شرارات الأزمة الأوكرانية وما تبعها من تداعيات فتحت عليه «أبواب جهنم»، وكانت مقدمة لفرض العقوبات السياسية والاقتصادية ضد روسيا وكثيرين من أعضاء النسق الأعلى للسلطة. وقال ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس الروسي ونائب رئيس ديوان الكرملين المشرف على الجهاز الصحافي، إن الموقع الجديد يتسم ببساطة وعصرية أكثر من الذي كان قبله، والذي لم يستمر أكثر من 5 سنوات. فقد كان الموقع القديم الذي أنشأه الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف المعروف بولعه بالإلكترونيات والإنترنت، يتضمن خانة خاصة بالمركز الصحافي في صدر الصفحة الأولى للموقع، بما يمكن الانطلاق منها نحو الهدف على نحو أسرع من الوضع الراهن الذي يحتم المرور عبر كثير من الأخبار قبل العثور على الموقع المراد في ذيل الصفحة الأولى. على أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن الموقع الجديد يبدو أقرب إلى الموسوعة التي يمكن أن توفر للمرء كل أشكال المعارف والمعلومات المتعلقة بنشاط الرئيس وما يستند إليه من وثائق دستورية وتشريعية في نشاطه رئيسا للدولة وقائدا أعلى لقواتها المسلحة، بما في ذلك المواد المصورة، بما في ذلك أشرطة الفيديو والتصوير الفوتوغرافي منذ ولج الرئيس بوتين إلى الكرملين في عام 2000. كما أن الموقع الجديد لا يقتصر على تغطية نشاط الرئيس وما يتعلق بسياساته ولقاءاته، بل ويضم أيضا دليلا متكاملا لكل الهيئات والتنظيمات التابعة للرئيس وديوان الكرملين ومنها «مجلس الأمن القومي الروسي»، فضلا عن معلومات مفصلة عن كل العاملين في ديوان الكرملين بما في ذلك صورة من إقرارات الذمة المالية تشمل تسجيلا وافيا لممتلكاتهم وعقاراتهم، وقيمة ما يتقاضونه من مرتبات ودخول مادية.
وفيما ظهر من سارع بانتقاد الموقع الجديد للكرملين بحجة أنه لا يتيح الفرصة لتسجيل الآراء وتقدير السياسات، قال القائمون على الموقع إن «الزائر» يستطيع التعليق على أي من نشاطات الرئيس، بل ويسجل طلبه للقاء أي من مسؤولي الكرملين من خلال أرقام الهاتف المسجلة أو التردد على أي من العناوين المدرجة ضمن خانات هذا الموقع.
غير أن مفردات السياسة الإعلامية للكرملين لا تقتصر على المواقع الإلكترونية، بل تتعداها إلى أشكال متفرقة ثمة من يقول إنها تبدو عوضا عن التخلي عن اللقاءات الصحافية الأسبوعية التقليدية «البريفنج» للمتحدث الرسمي باسم الكرملين، التي كانت القيادة السوفياتية ثم الروسية اتبعتها تقليدا لما يحدث في البيت الأبيض الأميركي منذ النصف الثاني من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
وإذ كنا سجلنا على صفحات «الشرق الأوسط» في إطار انتقاداتنا للسياسة الإعلامية للكرملين في مطلع الولاية الأولى للرئيس بوتين، إغفال عقد مثل هذه اللقاءات وتحاشي المتحدث الرسمي باسمه، وكان آنذاك ألكسي غروموف الذي يشغل اليوم منصب النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين، اللقاء مع الصحافيين، نشير إلى أن الرئيس بوتين وجهازه الصحافي يبديان كثيرا من الحرص في السنوات الأخيرة على التواصل ليس فقط مع الأوساط الصحافية، بل والتجمعات الشعبية، والمواطنين من خلال عدد من الفعاليات الدورية.
ومن هذه الفعاليات التي صارت تقليدا راسخا يلتزم به بوتين وأجهزته للتواصل مع الأوساط الاجتماعية والسياسية والاجتماعية، المؤتمر الصحافي السنوي الذي يدعو إليه بوتين ليس فقط الصحافيين المحليين والأجانب من المعتمدين لدى العاصمة الروسية، بل أيضا يدعو مراسلي وموفدي الصحف الإقليمية المحدودة الانتشار من مختلف صغريات المدن والمناطق الروسية.
وإضافة إلى ذلك، المؤتمر الصحافي السنوي الذي تتغير مواعيد انعقاده بين الصيف والشتاء، فيحرص بوتين على لقاء سنوي مباشر مع مواطنيه عبر الأقمار الصناعية أو الإنترنت، يشاركه فيه عدد من مشاهير وأبرز رجالات السياسة والفن والأدب وممثلي الأوسط الاجتماعية، في القاعة الكبرى التي يتخذها بوتين موقعا للحوار مع عدد من مذيعي التلفزيون الروسي.
يذكر أن هذا الحوار السنوي المباشر يلقى اهتماما خاصا، حيث تبدأ في الترويج له مبكرا، كل وسائل الإعلام في إطار الدعوة العامة للمواطنين لسرعة تسجيل طلباتهم للحديث إلى بوتين سواء من خلال الرسائل التليفونية المصورة أو الهاتفية أو المكتوبة، وهي الطلبات التي يعكف مركز خاص تابع للكرملين على تبويبها وإعدادها للعرض في اليوم المشهود الذي حدده الكرملين هذا العام في الخميس المقبل 16 أبريل (نيسان) الحالي.
وبهذه المناسبة، قال بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين، إن الحوار المباشر لبوتين هذا العام يحظى باهتمام متزايد عن سابقيه من لقاءات الأعوام الماضية؛ حيث تتضاعف أعداد الرسائل الواردة إلى الكرملين للمشاركة في هذا الحوار بما يزيد على الحوارات السابقة بثمانية أضعاف، ما يبدو تأكيدا لازدياد شعبية الرئيس من جانب مواطنيه، على عكس ما تروج له الأوساط الغربية، ونكاية على ما يبدو في محاولاتها فرض العزلة على روسيا وقياداتها السياسية. وقد أكد بيسكوف ذلك في تصريحاته لصحيفة «كوميرسانت» الروسية التي قال فيها إن «التفسير المنطقي للإقبال غير المسبوق على المشاركة في حوار هذا العام يمكن أن يتمثل في رغبة المواطنين مشاطرة زعيمهم مواجهة التحديات الخارجية الجدية والأحداث المصيرية الراهنة». وكشف بيسكوف عن أن «أسئلة المواطنين وتعليقاتهم هذا العام تتضمن مطالبتهم للرئيس بأن يكون أكثر حسما في مواجهة الخصوم وأشد قوة في الدفاع عن مصالح الوطن».
ومن الممكن أن نضيف إلى ما سبق أن أشرنا إليه من مؤتمرات صحافية وحوارات تلفزيونية مباشرة، ما يعقده بوتين من لقاءات مع أعضاء الجبهة الشعبية التي اختارها لتكون سندا اجتماعيا له في مواجهة الملمات أو الإعداد للمناسبات الوطنية المهمة التي تبدو إطارا أوسع نطاقا من الحزب الحاكم الذي لطالما وقف وراء انتخابه رئيسا للبلاد خلال ولايتيه السابقتين، لكنه عاد وأعلن عن تشكيل الجبهة الشعبية بديلا لذلك الحزب، من ممثلي الكيانات والتجمعات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، ومنها اتحاد النقابات العمالية والمهنية والمنظمات الشبابية والطلابية وقدامي المحاربين.. وغيرها من المؤسسات التي تجمع ممثلي كل الطوائف والمهن في روسيا الاتحادية. ولا نستطيع أن نغفل في هذا الصدد لقاءات الرئيس مع من تختارهم الدولة لتكريمهم بأوسمة وميداليات الوطن في كل المناسبات، التي ثمة ما يشير إلى أنها تظل ركنا رئيسا من أركان اتساع نطاق شعبيته وجماهيريته وسندا أساسيا يتكئ عليه حين الضرورة.
ومن الممكن أيضا في السياق ذاته، التوقف عند ازدياد عدد البرامج الحوارية (توك شو) التي تبثها مختلف القنوات التلفزيونية سواء الفضائية أو عبر الإنترنت، وتختار لها وقت الذروة موعدا يجمع أكبر قدر من المشاهدين مساء كل يوم. ومن هذه البرامج «حق القول» الذي تذيعه القناة الأولى، و«حق المعرفة» على شاشة القناة الثالثة، و«أمسية مع فلاديمير سولوفيوف» على شاشة القناة الثانية الرسمية، فضلا عن برامج أخرى كثيرة تتناثر على الخريطة الإعلامية على مدار الساعة، بما يجعل بوتين في مأمن من أن يقف وحده في مواجهة تلك الحروب الإعلامية الغربية الشرسة التي كانت ولا تزال تستهدف الإطاحة به وبنظامه منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. ولعل كل هذه الركائز الإعلامية يمكن أن تكون تفسيرا لارتفاع شعبية الرئيس الروسي إلى ما فوق الثمانين في المائة.
وفي هذا الصدد يتوقف كثيرون عند ما يتمتع به بوتين من قدرات خاصة، وهو الذي يبدو دائما في حواراته وسجالاته أكثر تحفزا واستعدادا لمنازلة محدثيه، متسلحا بما في حوزته من ملفات، وما يملكه من معلومات، وما تعلمه من فنون الحوار والمبارزة الكلامية خلال سنوات تدريبه وعمله في «كي جي بي»، وما يمتلكه من ترسانة هائلة من المفردات التي يحرص على انتقائها بعناية فائقة، متسلحا بالوفير من التواريخ والأرقام، تختزنها ذاكرة حديدية صقلتها وشحذتها تدريباته في واحدة من أعتى المؤسسات الأمنية العالمية، تأكيدا على أنه لا يزال في موسكو الأكثر جدارة بامتلاك ناصية القول والسرد والتحليل وبما يجعله الأحق بالقول الفصل والكلمة العليا.. هكذا في موسكو يقولون!
بوتين ولغة العصر.. تحديث موقع «الكرملين» على الإنترنت
مفردات السياسات الإعلامية للرئيس الروسي
بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
بوتين ولغة العصر.. تحديث موقع «الكرملين» على الإنترنت
بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





