بوتين ولغة العصر.. تحديث موقع «الكرملين» على الإنترنت

مفردات السياسات الإعلامية للرئيس الروسي

بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
TT

بوتين ولغة العصر.. تحديث موقع «الكرملين» على الإنترنت

بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين
بوتين أثناء إلقاء كلمة في الكرملين.. وفي الإطار ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين

مليون دولار هي قيمة تكاليف تحديث موقع الكرملين على شبكة الإنترنت بما يتفق ورؤية الرئيس فلاديمير بوتين، حسبما قالت مصادر صحيفة «ار بي كا». الموقع الجديد الذي جرى إطلاقه منذ أيام قلائل يعد إضافة «معتبرة»، إلى ما يعتمده الرئيس الروسي من مفردات لدعم «ماكينته» الدعائية التي يتكئ عليها اليوم في مواجهة الحرب الإعلامية الغربية الشديدة الوطأة التي تعالى سعارها على وجه خاص بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية.
وبغض النظر عن الشكل الذي يصفونه بـ«العصري» للموقع الجديد وبعيدا عن اعتراف الرئيس بوتين بأنه ليس من هواة الإنترنت وقليلا ما يلجأ إلى خدماتها، فإن الحدث يظل في حد ذاته مثيرا للدهشة والاهتمام على خلفية ما تحفل به الخريطة الإعلامية الرسمية من فعاليات.
في أحد لقاءاته مع عدد من أبرز رموز الصحافة والإعلام في روسيا، اعترف فلاديمير بوتين بأنه لا يطلع على الصحف ولا يتابع الإذاعات والقنوات التلفزيونية إلا لماما. ورغم أنه عاد ليكرر في حديثه معهم أن ما يقدمونه من إنتاج إعلامي لا يحظى باهتمامه ولا يعنيه كثيرا، فإن ذلك لا ينفي أنه يبدو حريصا كل الحرص على معرفة كل ما يدور حوله وما يكتب عنه وعن سياساته في الداخل والخارج من خلال جهاز صحافي مشهود له بالكفاءة، لا سيما بعد أن تولى بوتين بنفسه اختيار القائمين عليه سواء من جهاز وزارة الخارجية الروسية، أو من «أجهزة القوة» وهو الاسم الذي يطلقونه على أجهزة الأمن والمخابرات والقوات المسلحة والنيابة العامة.
وبهذه المناسبة، نشير إلى أن الرئيس بوتين كان قد وقع اختياره على ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين اليوم، خلال زيارة كان يقوم بها لتركيا في أولى سنوات ولايته الأولى، وكان بيسكوف يعمل سكرتيرا أول في السفارة الروسية هناك.
ومن هذا المنظور يمكن تفسير الاهتمام الإعلامي الكبير بإطلاق الموقع الإلكتروني الجديد للكرملين الذي حرص الجهاز الصحافي التابع لإدارة الرئيس الروسي على تقديمه بما يليق به من مكانة وتقدير. وقد جاء موعد إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد في توقيت مواكب لذروة الحملات الإعلامية الغربية التي يواجهها الرئيس بوتين منذ اندلاع أولى شرارات الأزمة الأوكرانية وما تبعها من تداعيات فتحت عليه «أبواب جهنم»، وكانت مقدمة لفرض العقوبات السياسية والاقتصادية ضد روسيا وكثيرين من أعضاء النسق الأعلى للسلطة. وقال ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس الروسي ونائب رئيس ديوان الكرملين المشرف على الجهاز الصحافي، إن الموقع الجديد يتسم ببساطة وعصرية أكثر من الذي كان قبله، والذي لم يستمر أكثر من 5 سنوات. فقد كان الموقع القديم الذي أنشأه الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف المعروف بولعه بالإلكترونيات والإنترنت، يتضمن خانة خاصة بالمركز الصحافي في صدر الصفحة الأولى للموقع، بما يمكن الانطلاق منها نحو الهدف على نحو أسرع من الوضع الراهن الذي يحتم المرور عبر كثير من الأخبار قبل العثور على الموقع المراد في ذيل الصفحة الأولى. على أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن الموقع الجديد يبدو أقرب إلى الموسوعة التي يمكن أن توفر للمرء كل أشكال المعارف والمعلومات المتعلقة بنشاط الرئيس وما يستند إليه من وثائق دستورية وتشريعية في نشاطه رئيسا للدولة وقائدا أعلى لقواتها المسلحة، بما في ذلك المواد المصورة، بما في ذلك أشرطة الفيديو والتصوير الفوتوغرافي منذ ولج الرئيس بوتين إلى الكرملين في عام 2000. كما أن الموقع الجديد لا يقتصر على تغطية نشاط الرئيس وما يتعلق بسياساته ولقاءاته، بل ويضم أيضا دليلا متكاملا لكل الهيئات والتنظيمات التابعة للرئيس وديوان الكرملين ومنها «مجلس الأمن القومي الروسي»، فضلا عن معلومات مفصلة عن كل العاملين في ديوان الكرملين بما في ذلك صورة من إقرارات الذمة المالية تشمل تسجيلا وافيا لممتلكاتهم وعقاراتهم، وقيمة ما يتقاضونه من مرتبات ودخول مادية.
وفيما ظهر من سارع بانتقاد الموقع الجديد للكرملين بحجة أنه لا يتيح الفرصة لتسجيل الآراء وتقدير السياسات، قال القائمون على الموقع إن «الزائر» يستطيع التعليق على أي من نشاطات الرئيس، بل ويسجل طلبه للقاء أي من مسؤولي الكرملين من خلال أرقام الهاتف المسجلة أو التردد على أي من العناوين المدرجة ضمن خانات هذا الموقع.
غير أن مفردات السياسة الإعلامية للكرملين لا تقتصر على المواقع الإلكترونية، بل تتعداها إلى أشكال متفرقة ثمة من يقول إنها تبدو عوضا عن التخلي عن اللقاءات الصحافية الأسبوعية التقليدية «البريفنج» للمتحدث الرسمي باسم الكرملين، التي كانت القيادة السوفياتية ثم الروسية اتبعتها تقليدا لما يحدث في البيت الأبيض الأميركي منذ النصف الثاني من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
وإذ كنا سجلنا على صفحات «الشرق الأوسط» في إطار انتقاداتنا للسياسة الإعلامية للكرملين في مطلع الولاية الأولى للرئيس بوتين، إغفال عقد مثل هذه اللقاءات وتحاشي المتحدث الرسمي باسمه، وكان آنذاك ألكسي غروموف الذي يشغل اليوم منصب النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين، اللقاء مع الصحافيين، نشير إلى أن الرئيس بوتين وجهازه الصحافي يبديان كثيرا من الحرص في السنوات الأخيرة على التواصل ليس فقط مع الأوساط الصحافية، بل والتجمعات الشعبية، والمواطنين من خلال عدد من الفعاليات الدورية.
ومن هذه الفعاليات التي صارت تقليدا راسخا يلتزم به بوتين وأجهزته للتواصل مع الأوساط الاجتماعية والسياسية والاجتماعية، المؤتمر الصحافي السنوي الذي يدعو إليه بوتين ليس فقط الصحافيين المحليين والأجانب من المعتمدين لدى العاصمة الروسية، بل أيضا يدعو مراسلي وموفدي الصحف الإقليمية المحدودة الانتشار من مختلف صغريات المدن والمناطق الروسية.
وإضافة إلى ذلك، المؤتمر الصحافي السنوي الذي تتغير مواعيد انعقاده بين الصيف والشتاء، فيحرص بوتين على لقاء سنوي مباشر مع مواطنيه عبر الأقمار الصناعية أو الإنترنت، يشاركه فيه عدد من مشاهير وأبرز رجالات السياسة والفن والأدب وممثلي الأوسط الاجتماعية، في القاعة الكبرى التي يتخذها بوتين موقعا للحوار مع عدد من مذيعي التلفزيون الروسي.
يذكر أن هذا الحوار السنوي المباشر يلقى اهتماما خاصا، حيث تبدأ في الترويج له مبكرا، كل وسائل الإعلام في إطار الدعوة العامة للمواطنين لسرعة تسجيل طلباتهم للحديث إلى بوتين سواء من خلال الرسائل التليفونية المصورة أو الهاتفية أو المكتوبة، وهي الطلبات التي يعكف مركز خاص تابع للكرملين على تبويبها وإعدادها للعرض في اليوم المشهود الذي حدده الكرملين هذا العام في الخميس المقبل 16 أبريل (نيسان) الحالي.
وبهذه المناسبة، قال بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين، إن الحوار المباشر لبوتين هذا العام يحظى باهتمام متزايد عن سابقيه من لقاءات الأعوام الماضية؛ حيث تتضاعف أعداد الرسائل الواردة إلى الكرملين للمشاركة في هذا الحوار بما يزيد على الحوارات السابقة بثمانية أضعاف، ما يبدو تأكيدا لازدياد شعبية الرئيس من جانب مواطنيه، على عكس ما تروج له الأوساط الغربية، ونكاية على ما يبدو في محاولاتها فرض العزلة على روسيا وقياداتها السياسية. وقد أكد بيسكوف ذلك في تصريحاته لصحيفة «كوميرسانت» الروسية التي قال فيها إن «التفسير المنطقي للإقبال غير المسبوق على المشاركة في حوار هذا العام يمكن أن يتمثل في رغبة المواطنين مشاطرة زعيمهم مواجهة التحديات الخارجية الجدية والأحداث المصيرية الراهنة». وكشف بيسكوف عن أن «أسئلة المواطنين وتعليقاتهم هذا العام تتضمن مطالبتهم للرئيس بأن يكون أكثر حسما في مواجهة الخصوم وأشد قوة في الدفاع عن مصالح الوطن».
ومن الممكن أن نضيف إلى ما سبق أن أشرنا إليه من مؤتمرات صحافية وحوارات تلفزيونية مباشرة، ما يعقده بوتين من لقاءات مع أعضاء الجبهة الشعبية التي اختارها لتكون سندا اجتماعيا له في مواجهة الملمات أو الإعداد للمناسبات الوطنية المهمة التي تبدو إطارا أوسع نطاقا من الحزب الحاكم الذي لطالما وقف وراء انتخابه رئيسا للبلاد خلال ولايتيه السابقتين، لكنه عاد وأعلن عن تشكيل الجبهة الشعبية بديلا لذلك الحزب، من ممثلي الكيانات والتجمعات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، ومنها اتحاد النقابات العمالية والمهنية والمنظمات الشبابية والطلابية وقدامي المحاربين.. وغيرها من المؤسسات التي تجمع ممثلي كل الطوائف والمهن في روسيا الاتحادية. ولا نستطيع أن نغفل في هذا الصدد لقاءات الرئيس مع من تختارهم الدولة لتكريمهم بأوسمة وميداليات الوطن في كل المناسبات، التي ثمة ما يشير إلى أنها تظل ركنا رئيسا من أركان اتساع نطاق شعبيته وجماهيريته وسندا أساسيا يتكئ عليه حين الضرورة.
ومن الممكن أيضا في السياق ذاته، التوقف عند ازدياد عدد البرامج الحوارية (توك شو) التي تبثها مختلف القنوات التلفزيونية سواء الفضائية أو عبر الإنترنت، وتختار لها وقت الذروة موعدا يجمع أكبر قدر من المشاهدين مساء كل يوم. ومن هذه البرامج «حق القول» الذي تذيعه القناة الأولى، و«حق المعرفة» على شاشة القناة الثالثة، و«أمسية مع فلاديمير سولوفيوف» على شاشة القناة الثانية الرسمية، فضلا عن برامج أخرى كثيرة تتناثر على الخريطة الإعلامية على مدار الساعة، بما يجعل بوتين في مأمن من أن يقف وحده في مواجهة تلك الحروب الإعلامية الغربية الشرسة التي كانت ولا تزال تستهدف الإطاحة به وبنظامه منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. ولعل كل هذه الركائز الإعلامية يمكن أن تكون تفسيرا لارتفاع شعبية الرئيس الروسي إلى ما فوق الثمانين في المائة.
وفي هذا الصدد يتوقف كثيرون عند ما يتمتع به بوتين من قدرات خاصة، وهو الذي يبدو دائما في حواراته وسجالاته أكثر تحفزا واستعدادا لمنازلة محدثيه، متسلحا بما في حوزته من ملفات، وما يملكه من معلومات، وما تعلمه من فنون الحوار والمبارزة الكلامية خلال سنوات تدريبه وعمله في «كي جي بي»، وما يمتلكه من ترسانة هائلة من المفردات التي يحرص على انتقائها بعناية فائقة، متسلحا بالوفير من التواريخ والأرقام، تختزنها ذاكرة حديدية صقلتها وشحذتها تدريباته في واحدة من أعتى المؤسسات الأمنية العالمية، تأكيدا على أنه لا يزال في موسكو الأكثر جدارة بامتلاك ناصية القول والسرد والتحليل وبما يجعله الأحق بالقول الفصل والكلمة العليا.. هكذا في موسكو يقولون!



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».