جهود صينية في إغناء النظرية السردية العابرة للحدود

بيو شانغ وفكرة العناصر في السرد غير الطبيعي

الباحث الصيني بيو شانغ
الباحث الصيني بيو شانغ
TT

جهود صينية في إغناء النظرية السردية العابرة للحدود

الباحث الصيني بيو شانغ
الباحث الصيني بيو شانغ

شهدت الساحة النقدية العالمية في السنوات الأخيرة اهتماماً كبيراً بعلم السرد غير الطبيعي، وقد أدى هذا الاهتمام إلى احتلال هذا العلم مكاناً جنباً إلى جنب علوم أخرى مستحدثة مثل «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» و«علم السرد النسوي» و«علم السرد المعرفي»... وغيرها. وتبدو الميزة الأكثر إثارة في «علم السرد غير الطبيعي» نظرياته التي تسعى إلى توطين مفاهيم تخرق المعتاد وتعطله، وتنتهك ما هو منطقي، وتتجاهل ما هو معلوماتي، بمقصدية إعادة صياغة كل ما هو إشكالي ومستحيل، وإعمال مراجعة كل ما هو سردي طبيعي.
وقد انبرى لهذه المهمة نقاد وباحثون غربيون، كما شاركهم العمل باحثون من خارج منظومة النقد الأنجلو – أميركي؛ ومنهم الصيني بيو شانغ Biwu shang أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة جياو تونغ في شنغهاي بالصين ورئيس تحرير جريدة «مقدمات في حدود السرد» ومؤلف كتاب «في السعي وراء ديناميات السرد»، وآخر كتاب صدر له كان باللغة الإنجليزية عام 2019 عنوانه: «Unnatural Narrative across Borders Transnational and Comparative Perspectives (السرد غير الطبيعي عبر الحدود: منظورات مقارنة عابرة للوطنية)» عن «منشورات روتلدج» في نيويورك. وفيه سعى شانغ إلى إعادة دراسة مفهوم «السرد غير الطبيعي» الذي نوقش كثيراً من زوايا النقد الأدبي ونظريات السرد والدراسات الثقافية متعددة التخصصات. والجديد الذي قدّمه شانغ في هذا الصدد هو اعتماده منظوراً تاريخياً عابراً للحدود استدعى منه استعمال منهجية مقارنة، طبّقها على أعمال وتجارب قصصية صينية وعراقية، محاولاً الكشف عن سمات العوالم المستحيلة في السرد غير الطبيعي مما لم تطرقه الدراسات السردية الأنجلو – أميركية، كدراسات جيمس فيلان وجيرالد برنس وروبين وارهول... وغيرهم من الذين قدّم لهم شانغ شكره في مفتتح الكتاب لجهودهم القيمة في هذا الجانب، مهتماً بما للسرد غير الطبيعي من تعريفات عدة تلتقي في أنه يخالف النظرية السردية التقليدية التي تقوم على محاكاة الواقع؛ فهو سرد تجريبي، ومتطرف، وغير تقليدي، وغير مطابق، وخارج عن المألوف، ومضاد للتقليد، ومنتهك للأعراف، وبسيناريوهات مستحيلة تحكم العالم المادي... وذكر من تلك التعريفات أربعة:
ابتدأها بتعريف ريتشاردسون للسرد غير الطبيعي، وأنه يضاد المحاكاة... «السرد غير الطبيعي هو السرد الذي ينتهك بشكل واضح أشكال السرد وأنماطه الخيالية المعتادة الشفوية أو المكتوبة، متبعاً تقاليد سردية متغيرة وجديدة تخالف العناصر الأساسية المألوفة، من خلال تقديم فرضيات غير محتملة أو لافتة للنظر». ثم انتقل إلى تعريف جان ألبر؛ وفيه يحدد السرد غير الطبيعي بأنه عبارة عن عوالم نصية مستحيلة يتم تمثيلها سردياً بسيناريوهات غير طبيعية مادياً أو منطقياً أو بشرياً. وفي التعريف الثالث يركز ألبر وايفرسون على القارئ واصطدامه بالقواعد التي تحكم عالم السرد والسيناريوهات المستحيلة فيه والاشتباكات التي تتحدى تفسيراته المعتادة.
والتعريف الرابع يعود لنيلسون؛ وفيه يرى أن السرد غير الطبيعي فرع من السرد الخيالي الذي هو خلاف الواقعي، وله استراتيجيات وتمثيلات تختلف عن تلك التي توظف في السرد الطبيعي. ولأنها غير قابلة للتصديق؛ يغدو دور القارئ مهماً في تفسيرها تفسيراً يجعلها ممكنة الحدوث أو موثوقة.
وقارن شانغ بين هذه التعريفات، مبيناً أن الانبهار بما هو غير معقول للغاية؛ مستحيل أو غير واقعي أو من عالم آخر، هو الذي يدفع إلى معالجة واختبار علاقة هذا السرد بغيره من السرود الأخرى، يقول: «في رأيي؛ اللاطبيعية في النص السردي إنما هي مسألة درجة ومستوى، فبعض النصوص الطبيعية أكثر لا طبيعية من غيرها»، وأساس قياس الدرجة يكمن فيما سماها «العناصر غير الطبيعية»؛ فقد تكون درجتها عالية أو منخفضة أو تكون محلية أو عالمية. ويتوقف الأمر في الحكم على اختلاف الإدراك الأدبي؛ فبعض القراء يحكمون على النص السردي بوصفه نصاً طبيعياً، وبعضهم الآخر يحكم عليه بوصفه نصاً غير طبيعي. لكن المهم يبقى قدرة «العناصر غير الطبيعية» على الترابط؛ سواء على مستوى القصة، ومستوى الخطاب، والتي بها يغدو اللاطبيعي طبيعياً.
واهتم شانغ كثيراً بما ذكره ديفيد هيرمان عن «صناعة العالم» بوصفها عنصراً أساسياً في السرد غير الطبيعي، وما قالته ماري لوري رايان عن «العوالم المستحيلة» وحين حددت سمات هذه العوالم بالتناقض والاستحالة الوجودية والإهمال والانتباذ المكاني... مؤكداً أن الخلاف حول مفهوم السرد غير الطبيعي يتمحور حول مظاهر هذا السرد اللاطبيعية والاستراتيجيات المعتمدة في تفسيره والقضايا العلمية الأساسية المدروسة فيه. لذا قام شانغ بدراسة مقارنة طرح فيها فكرة جديدة، فقال: «أحاول إلقاء ضوء جديد على السرد غير الطبيعي من خلال اقتراح فكرة (العنصر غير الطبيعي)، مما يمكن أن يخرج بالنص السردي من محليته، ويقارن لا طبيعيتها مع غيرها عالمياً» (الكتاب - ص10). وبيّن أنه كلما زاد عدد العناصر غير الطبيعية في النص السردي، تضاعفت المقارنة مع نصوص السرد المحاكي للواقع الموضوعي.
ولأجل فحص المظاهر الاستحالية في الخطابات السردية غير الطبيعية، قام شانغ برسم خريطة للأدب الصيني القديم والأدب القصصي في الصين المعاصرة، مبيناً أن السرد الصيني غير الطبيعي له طرقه الخاصة وسياقاته الأخلاقية التي تتعدى ما قدمه نقاد الغرب من استراتيجيات السرد غير الطبيعي.
ولعل أهم أمر طرحه شانغ في كتابه موضع الرصد هو تأكيده إفادة السرد غير الطبيعي من تقانة التعدد في الرؤى؛ وفيها يتحرك السراد ذهاباً وإياباً بحسب المواقف السردية المختلفة، تنتج عن ذلك تأثيرات ومعاكسات غير متجانسة ومشاهد متناقضة. وهو ما يصلح في التمثيل الذاتي لحال المهمّشين في «أدب الأقليات» و«أدب ما بعد الاستعمار» و«الأدب الشعبي» و«أدب الهجرة واللجوء»، وبالشكل الذي يحقق لهذا السرد بعض الأغراض الآيديولوجية مما لا يستطيع السرد الطبيعي تحقيقها. وهو ما سيوسع – في رأي شانغ - من أطر السرد غير الطبيعي في تجاوز المعايير الواقعية في معرفة العالم الحقيقي.
ولا شك في أن تبني شانغ منهجية الدراسة المقارنة له أهمية كبيرة في قراءة الأدب العالمي وما فيه من سرديات غير طبيعية، لكن ذلك يظل مرهوناً بما لكل أدب من الآداب من الترجمات الكافية والدّالة... وشانغ نفسه يؤكد أن ترجمات الأدب الصيني غير كافية لتوصيله إلى العالم.
وعلى الرغم مما في الأدب الصيني من تمثيلات على السفر عبر الزمن عُرفت في وقت مبكر، مثل القصص المروية عن الأسرة الحاكمة «سوم سبرينغ»، وموضوعها يدور حول حلم يوتوبي صيني قديم بالبحث عن الجنة الدنيوية، فإن الأشكال الحقيقية للسفر عبر الزمن في الصين الحديثة - بحسب شانغ - لم تتشكل إلا في أوائل القرن العشرين في أعمال شي وهوانغ، ووجد فيها شكلين رئيسين من السفر عبر الزمن: الأول سفر روحي، والآخر سفر جسدي.
ومن بعدها شهدت قصص السفر عبر الزمن في الأدب الصيني المعاصر ثلاثة أنماط؛ هي: السفر في الوقائعي التاريخي، والسفر في المتخيل التاريخي، والسفر المستقبلي الانبعاثي. وأكثر التواريخ توظيفاً وشعبية في هذا الأدب هو تاريخ أسرة تشينغ.
أما في العقد الأول من هذا القرن، فإن السرد الصيني شهد توسعاً كبيراً في توظيف السفر عبر الزمن، وقد نال قدراً معيناً من الاهتمام الأكاديمي، معظمه يستكشف آيديولوجية هذا التوظيف.
وطبّق شانغ فكرته في التركيز على العناصر غير الطبيعية على قصص صينية وعراقية؛ فأما الصينية فتتمثل في قصص الأسر الست في الصين ويعود تاريخها إلى 286 قبل الميلاد وأعمال ليزي وجوي كانغ من القرن الثالث إلى القرن السادس الميلادي، مبيناً أن «الشخصيات» و«الرواة» و«الفضاء» و«الزمان» هي أكثر العناصر توظيفاً في السيناريوهات الخيالية التي تعيد كتابة التاريخ الأدبي، كما وجد شانغ أن لعبور الحدود في الرواية الصينية غير الطبيعية ضمن سياقها الثقافي الخاص ثلاث فئات رئيسة؛ وكلها مستحيلة جسدياً وبشرياً؛ هي: العبور من عالم الموتى إلى عالم الأحياء، ومن عالم الأرواح إلى عالم البشر، ومن عالم الحيوانات إلى عالم البشر.
هذا على المستوى المحلي؛ أما على المستوى العالمي؛ فإن شانغ اختار قصص الكاتب العراقي حسن بلاسم المترجمة إلى الإنجليزية، ووجد فيها عوالم رعب مستحيلة تنتهك القوانين الفيزيائية أو المبادئ المنطقية أو القياسية من خلال سيناريوهات رواة قتلى أو بإعاقات جسدية مع اختلاق أمكنة مستحيلة وأحداث متضاربة.
وقد انتهى شانغ إلى أن الاختلاف في طبيعة التقاليد القصصية في قصص شرق آسيا تؤكد الحاجة الماسة مستقبلاً إلى وضع دراسات مقارنة للسرديات غير الطبيعية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.