«غرام المبدعين»... عربيات وأجنبيات تركن آثارهن على السيرة والكتابة

أيمن الحكيم يكتب عن قصص حب معروفة وأخرى غامضة و«سرية»

يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش
يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش
TT

«غرام المبدعين»... عربيات وأجنبيات تركن آثارهن على السيرة والكتابة

يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش
يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش

يتناول الكاتب والناقد السينمائي أيمن الحكيم قصص حب غريبة و«مجنونة» في كتابه «غرام المبدعين... حكايات حب العشاق المجانين» الصادر حديثا عن مركز إنسان للدراسات والنشر والتوزيع بالقاهرة.
ما بين النجاح والفشل تتقلب هذه القصص التي خاضها عديد من الكتاب والشعراء المصريين والعرب مع نساء عربيات وأجنبيات، وشكلت جزءا من مسيرة حياتهم، وأثرت بشكل أو بآخر فيما قدموه من أعمال إبداعية، منها ما اشتهر واكتنفه الكثير من الغموض مثل قصة الشاعر الفلسطيني محمود درويش والفتاة اليهودية تامار باهي «ريتا»، التي ولدت لأب بولندي وأم روسية في حيفا عام 1943، وقصة روث المكسيكية ابنة فنان الجداريات المكسيكي الشهير دييجو ريفييرا التي تزوجها يوسف إدريس، ومنها ما عرف واستغربه البعض ورفضته عائلة طرف من أطراف العلاقة مثلما حدث في قصة زواج الشاعر المصري أمل دنقل بالكاتبة عبلة الرويني، والروائي إحسان عبد القدوس وزوجته لواحظ عبد المجيد المهيلمي «لولا».
أما الشاعر فاروق شوشة فقد رفض هو نفسه التقدم لطلب زوجته هالة الحديدي ما دام والدها على رأس الإذاعة المصرية، وانتظر حتى أحيل للتقاعد وعندما تقدم لها اشترط والدها أن يكون لقاؤه الأول مع شوشة في مكان محايد بعيداً عن بيته، فالتقاه في حديقة جروبي وسط القاهرة، وهناك اتفقا على كل شيء.
تضمن الكتاب 19 قصة وحكاية، كشفت جوانب من الحياة العاطفية لهؤلاء الكتاب والشعراء، ونظرة كل منهم إلى الآخر سواء كان امرأة أو رجلا، وقد روى بعض هذه الحكايات أصحابها بأنفسهم مثل الشاعر فاروق شوشة، والروائي جمال الغيطاني، والروائية هالة البدري، ورجاء الرفاعي زوجة الأديب يوسف إدريس، والشاعر إبراهيم داود، والكاتبة عبلة الرويني زوجة الشاعر أمل دنقل، وهناك قصص حكاها أبناء المبدعين مثل قصة إحسان عبد القدوس الذي تحدى والدته ملكة الصحافة في زمانها، وصاحبة مؤسسة روز اليوسف، وتزوج رغما عنها، وقد حكى الحكاية بتفاصيلها الكاتب الصحافي محمد عبد القدوس نجل إحسان.
وفي الكتاب أشار الحكيم إلى ما رشح عن تلك الحكايات والقصص من إبداعات، فكانت رواية «البيضاء» تجليا لعلاقة يوسف إدريس بامرأة أجنبية، البعض يقول إنها اليونانية الجميلة «ماريا بابادوبلو»، وآخرون يجزمون أنها نتجت عن قصة زواجه العجيبة من «روث» الفنانة المكسيكية وابنة الفنان العالمي «دييجوا ريفييرا» وقد وثقها الأديب إيمان يحيى في روايته «الزوجة المكسيكية»، أما الشاعر فاروق شوشة فقد كانت هالة الحديدي ملهمته خلال سنوات زواجه الأولى، وقد كانت حاضرة في قصائد ديوانه «لؤلؤة في القلب»، وهو الثالث في ترتيب دواوينه، واعتبره النقاد ديوانا استثنائيا، لأن قصائده كانت مليئة بالسعادة، والبهجة والحب وحب الحياة.
وعن بحثه في «الملف العاطفي لنجيب محفوظ» لم يعثر المؤلف أيمن الحكيم سوى على قصة غرام كبيرة وزيجة واحدة وبعص العلاقات السريعة والمؤقتة، فقد كان نجيب محفوظ حسب ما كان معروفا عنه «مستعداً لأن ينتزع قلبه من صدره إذا أحس أنه سيعطله عن الكتابة، وقرر طواعية أن يمنحها حياته كلها، ويضحي بمتع الحياة ومسراتها من أجلها، ومن هنا يمكن تفسير تأخره في الزواج حتى بعد سن الأربعين من عمره، وقد جاء زواجه مصادفة وبلا تخطيط، وتم في وقت ركود إبداعي، وفي ظرف وصفه هو بنفسه بأنه كان «غريباً وعجيباً».

ملهمات نجيب محفوظ

ويشير الحكيم إلى أن نجيب محفوظ حين كان يسكن وأهله في حي «العباسية» كان على موعد مع قصة حب حقيقية، وهي تجربة تركت أثرها في قلبه وفي رواياته، كانت الحبيبة جارة له وابنة عائلة ثرية، تسكن في «سرايا» لوالدها تقع في شارع «حسن عيد» الذي يربط بين شارعي العباسية و«الملكة نازلي»، كان أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة، في الثالثة عشرة من عمره، أما هي فكانت في العشرين، وكان وجهها «أشبه بلوحة «الجيوكندا»، لم تكن فتاة تقليدية، بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبي في مظهرها وتحركاتها، وهو طابع لم يكن مألوفاً آنذاك».
«وظل حبه لها قائماً وصامتا عاما كاملا حسب ما جاء في كتاب «نجيب محفوظ... صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته» لرجاء النقاش»، وقد حالت الفوارق الطبقية والعمرية دون أن تكتمل العلاقة، التي كانت مجرد حب من طرف واحد، وهي التي جسدها محفوظ في روايته «قصر الشوق» وفي شخصية «عايدة شداد التي وقع «كمال عبد الجواد» في غرامها وسحرها، ولم يكن كمال عبد الجواد سوى نجيب محفوظ، ولم تكن «عايدة شداد» سوى حبيبته «فاتنة العباسية»، حسب قسم من النقاد.
وقد عاد نجيب محفوظ ليستلهم قصتها ويكتب عنها في «المرايا»، وسماها «صفاء» الفتاة الجميلة ذات العشرين ربيعاً التي تسكن «سرايا الكاتب»، والتي أحبها نجيب الصبي الصغير ابن الخامسة عشرة وملكت قلبه، وقد كان حبه لها حسب ما وصفه في الرواية بلا مواقع ولا مواقف ولا تاريخ يذكر، وقد اعترف نجيب محفوظ للأديب جمال الغيطاني أنه عاش مأساة وجدانية بعد أن فارقته هذه الفتاة، ولم ينس ليلة زفافها في قصر أبيها حيث حرص على أن يذهب ليراها لآخر مرة.

زواج سري

ظل لسنوات طويلة يهرب من الزواج ويعتبره خطراً على مستقبله الأدبي، أما كيف تزوج، فيذكر «الحكيم» أن القرار كان محسوبا وبمواصفات عقلية بحتة، وقد اختار زوجة مناسبة لظروفه وشخصيته ولمهمته الكبرى في الحياة، وقد اعترف لرجاء النقاش وهو يروي سيرته، قائلا «كنت في حاجة إلى زوجة تساعدني على الكتابة، تفهم أنني لست كائنا اجتماعيا، ولا أحب أن أزور أحداً أو يزورني أحد، وأنني وهبت حياتي كلها للأدب».
وفي الإسكندرية كان محفوظ على موعد مع مبتغاه وقد وجد ضالته في «عطية الله»، قابلها مصادفة، كانت صغيرة، ربما لم تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها، رآها حين كان يزور صديق له، أعجبه هدوؤها ورزانتها ورجاحة عقلها، وبحساباته العقلية وجد فيها الزوجة التي يبحث عنها، وأدرك أنها فرصته الأخيرة للزوج، كانت العقبة الكبرى هي فارق العمر الكبير بينهما، كان يكبرها بنحو ربع قرن، لكنه فوجئ بموافقتها، وهكذا تزوج العازب الشهير من «عطية الله إبراهيم رزق» في العام 1954، ولم يستطع أن يخبر أمه بأمر زواجه، وكان الحل الوحيد هو أن يكون زواجه سريا، وأن يتكتم خبره حتى لا يتسرب لها، ولذلك لم يعرف به إلا إخوته.
وظل زواج محفوظ سريا، إلى أن انكشف بعد نحو عشر سنوات، وبمصادفة بحتة، فقد تشاجرت ابنته «أم كلثوم» في المدرسة الابتدائية مع زميلة لها، وقد كشفت المشاجرة عن هويتها، ووصل الخبر بالصدفة إلى الشاعر صلاح جاهين، وما هي إلا ساعات حتى كان الخبر يتصدر جلسات النميمة.

نساء درويش وقصائدهن

وفي الفصل الذي خصصه الحكيم للحديث عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ونسائه العابرات والساكنات في قلبه، جاءت اليهودية «تمارا باهي» الشهيرة بـ«ريتا» في صدارة المشهد، كانت تعمل راقصة، والتقى بها درويش لأول مرة، وهي في السادسة عشرة من عمرها، بعد انتهائها من الرقص، خلال حفل للحزب الشيوعي الإسرائيلي، كان درويش أحد أعضائه، وقد ربط الحب بينهما، واستمرت علاقة درويش بها لفترة من الزمن، ولكن نشوب حرب يونيو (حزيران) 1967 عجل بالفراق بينهما بعد أن علم درويش أنها التحقت بسلاح البحرية الإسرائيلي.
ولم يظهر لدرويش قصائد تشير لعلاقته بريتا إلا في عام 1967، نعم أرسل لها الكثير من الخطابات العاطفية، لكن نصيبها من الشعر بدأ بقصيدة «ريتا والبندقية»، ثم قصائد «ريتا أحبيني»، و«تقاسيم على الماء» و«الحديقة النائمة»، وقد تكرر اسم ريتا في دواوين درويش «آخر الليل»، و«العصافير تموت في الجليل»، و«حبيبتي تنهض من نومها»، و«أحبك أو لا أحبك»، و«أعراس». كما ظهرت أيضاً في قصيدة «شتاء ريتا الطويل» بديوان «أحد عشر كوكباً» الذي صدر عن دار العودة في 1993، ولم يتوقف ظهور «ريتا» عند الإبداع الشعري لكنها ظلت تتردد أيضاً في أعمال درويش النثرية حتى رحيله.
حاول الحكيم خلال رحلته في حياة محمود درويش رصد ما قاله أصدقاؤه من حكايات وأسرار ظلت خافية حتى رحيله، وقد كانت أكثرها قوة وضجيجا ما كشفه الكاتب سليم بركات، حين تحدث عن وجود ابنة غير شرعية لدرويش من علاقة أو نزوة مع امرأة غامضة، كما تحدث الحكيم عن زواج درويش السريع من رنا قباني ابنة شقيق الشاعر السوري نزار قباني، والمصرية حياة الحيني التي وافقت بلا تردد على الزواج منه، وأحبته بصدق وأحبها درويش كذلك.



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».