شاشة الناقد

فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
TT

شاشة الناقد

فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»

2 طلعت حرب
> إخراج: مجدي أحمد علي
> مصر (2021)
> دراما اجتماعية | عرض خاص
(جيد)
‫ يميل المخرج مجدي أحمد علي في كافة أفلامه إلى بناء كلاسيكي المقام يمنحه ثبوت الإيقاع وطرح المضامين بسرد لن يتسابق مع الزمن أو يقفز بين ألوان من المعالجات الجديدة. هذا البناء الكلاسيكي يمنح أعماله تميّزاً عن سواه (أو معظم سواه) من الأعمال السينمائية كما يوفر للمشاهد نمطاً من سرد الحكاية بتتابع رصين وثابت.‬‬‬
«2 طلعت حرب» لا يختلف في هذا الإطار لكنه يختلف عن أعماله السابقة في قليل من اتجاهاته. هو عبارة عن أربع حكايات متتابعة في إطار فيلم واحد وعلى خلفية زمنية طويلة. الغاية سرد الحكايات المتصلة بعضها ببعض بشخصياتها وبمكانها (عمارة رقم 2 شارع طلعت حرب) لتحكي ما هو خاص، في المقدّمة، وما هو عام في الخلفية.
تقع الحكاية الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ونلتقي فيها بابن البوّاب شعبان كولد صغير. وهي تبدأ بمشاهد وثائقية لخطب الرئيس ولعناوين الصحف ولبعض المشاهد العامة قبل أن تأخذ أحداث الحكاية دورتها. إنه جزء مصوّر بالأبيض والأسود وفيه نتعرف على الولد شعبان، ابن بوّاب البناية، الذي يساعد الطبّاخ لتحضير صحون العشاء لمجموعة من الضيوف في منزل تقطنه امرأة واقعة في حب طبيب نفسي. تبدو المجموعة في سلوكها وما تتبادله من حوارات كما لو كانت آتية من فيلم «المذنبون» أو «الكرنك» من حيث موقع هذه الشخصيات البعيد عن نبض الأحداث حولها.
صاحبة المنزل لطيفة وسعيدة لولا أنها ترتاب في تصرّفات من تحب. تراه يغادر الحفل عند منتصف الليل معتقدة أنه على علاقة بامرأة أخرى. لكن ما نراه نحن، ويغيب عنها، هو معالجته لرجل يحتل مكانة مهمّة تجعل عناصر المخابرات ترتاب في انتمائه. عندما يتم جلب الطبيب بالقوّة لتوقيع شهادة وفاة مزوّرة يأبى ذلك وتنتهي الحكاية لتنقتل إلى الفترة الساداتية.
هذه تبدأ كما بداية الحكاية الأولى: وثائقيات ومشاهد للرئيس محمد أنور السادات والخطوة التي قام بها عندما زار الكنيست الإسرائيلي ووقع معاهدة السلام. يستخدم المخرج هنا الألوان ليسرد حكاية شاب لبناني اسمه نديم يصل إلى منزل صديقه المصري الذي يملك دكان أقمشة. يرحب به الصديق ويسكنه في منزله. لكن الشاب المصري والشاب اللبناني يختلفان. الأول منفتح على العلاقات الجنسية مع أي فتاة يلتقي بها ولو أن قلبه يفوح حباً ببائعة لديها «كيوسك» في مقابل دكانه. حين يتعرّف اللبناني عليها يقعان في الحب، مما يغيظ صديقه المصري.
اللبناني الآن يريد العودة إلى لبنان التي تعاني من الحرب الأهلية في مطلع الثمانينات. إذ يفعل ذلك تنتهي الحكاية برسالة تصل بعض أشهر إلى الصديق من والد نديم يعلمه فيها بمقتل ابنه في تلك الأحداث.
هاتان الحكايتان هما الأقدر على ترجمة مكوّنات الفترة السياسية والاجتماعية مقارنة بالحكايتين الثالثة، التي تدور في سنة 2004 (فترة الرئيس حسني مبارك)، والرابعة التي تقع في فترة الرئيس الحالي (تبدأ في سنة 2012).
على هذا النحو، الفيلم هو بانوراما لتاريخ ولشخصية شعبان الذي ينطلق ولداً ويصبح شاباً ثم رجلاً وينتهي عجوزاً. ما لا يعمل بنفس الكفاءة أو حسب ما هو منشود حقيقة أن الفيلم لا يستطيع أن يكون من وجهة نظر الشخصية المحورية، وبذلك يفقد قدراً من ترابطه الدرامي المفترض.
مشكلة ثانية لا تقل أهمية، هي أن الحكايات المختارة ليست متساوية الأهمية، ولا تبعث على اهتمام متساوٍ يسودها جميعاً. الحكاية الأولى تمر سريعاً. الثانية هي الأكثر نبضاً واقعياً والأفضل في الدلالات المستوحاة. الثالثة تهبط في ركن منخفض من الأهمية، والرابعة تختم الحكايات بتقديم صاحب العمارة للمرّة الأولى (سمير صبري) الذي يجمع في منزله المشرف على المظاهرات فرق التصوير التلفزيونية ويتعرّف على فتاة شابّة تعتقد أن من تحب هو بين المتظاهرين لكن الحقيقة التي لا يستطيع كشفها لها أنه قُتل في المواجهات.
لكن الفيلم، وسط تفاوت مستويات الدراما، يحافظ على أسلوب عمل متقن في التفاصيل الشخصية وطموح لكي يعكس الفترات المتعاقبة من حياة مصر الحديثة عبر مراحلها ورؤساء جمهورياتها من الستينات وإلى مطلع حكم الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي.
أمر آخر أهم هو نجاح المخرج في إيصال نهاية كل حكاية إلى مفاد يعكس أحلاماً مجهضة. هي عاطفية في الحكايات الأولى والثانية والرابعة لكنها تعبّر جميعاً عن طموحات لبناء اجتماعي لا يجد المخرج أنه وقع على النحو المأمول. نهاية الحكاية الرابعة هي وحدها التي تحمل الأمل في قدرة مصر على تجاوز إحباطات المراحل السابقة.

Titane
> إخراج: جوليا دوكورناو
> فرنسا (2021)
> رعب | عروض: «كان» وتجارية
(وسط)
نتعرّف على أليكسيا في مطلع هذا الفيلم وهي تجلس في المقعد الخلفي من سيارة يقودها والدها. تصدر أصواتاً تزعجه. يطلب منها خفض الصوت لكنها تأبى وحين تنصاع بعد قليل تبدأ برفس المقعد الذي أمامها، يصرخ فيها والدها منشغلاً عن القيادة وسريعاً ما تستدير السيارة حول نفسها وتصطدم بجدار. المشهد التالي لها في المستشفى وقد تم زرع قطعة معدنية في رأسها الصغير الذي تعرض للعطب.
بالحكم على الفيلم عبر أحداثه اللاحقة يطرح الفيلم ذلك السؤال الذي لم تكترث المخرجة جوليا دوكورناو للإجابة عليه: هل نقرأ في طيات العمل نقداً موجهاً ضد العلم بمعنى أن ما يحدث لأليكسيا بعدما بلغت سنوات الأنوثة الكاملة هو بسبب تلك القطعة المزروعة في الدماغ؟ لا يمكن الوثوق بذلك لكن لا يمكن أيضاً التأكيد حتى مع وجود تشوّه فوق الأذن اليمنى يذكرنا دوماً بمشهد زرع القطعة في الرأس.
ما هو مؤكد أن الأحداث التي تسردها المخرجة جوليا دوكورنيو لا تحوي السبب الصحيح لتصرفات بطلتها بعدما بلغت أنوثة جاذبة تستخدمها لقتل ضحاياها من رجال ونساء. إنها قاتلة متسلسلة بلا رادع ولا واعز ولا سبب فعلي كذلك. الفيلم لا يحتوي على دوافع من أي نوع. لا دوافع اجتماعية ولا دوافع نفسية ولا عائلية. يقدّم الحالة ويعمل على تزويدها بحكاية تنتقل من مشهد عنيف إلى آخر.
تعمل أليكسيا (أغاثا روسيل) في نادٍ ليلي راقصة وتخرج منه لترتكب جريمتها الأولى، ويستمر منحاها على هذا النحو إلى أن تضطر لإخفاء هويتها فتدخل حماماً وتلف نفسها بقماشات لاصقة لإخفاء مكامن أنوثتها. لكنها حبلى في الوقت ذاته ولا نعلم (ولا هي تعلم) مِن مَن.
هنا تلفت اهتمام رجل متوسط العمر اسمه فنسان (فنسنت ليندون) يفتقد ابنه ويعتقد - لحين - أن أليكسيا هو إياه، أو يستطيع أن يحل مكانه. هذا لوحده غريب ويستمر على هذا النحو حتى من بعد أن عرف فنسان حقيقتها. هو الآن حريص على وهمه وسيساعدها على إخفاء هويتها. هذا السبب غير المقنع في تفاصيله ليس أغرب من كيف صاغت المخرجة علاقة أليكسيا بالسيارات. فحوى تلك العلاقة هو أنها تجد في السيارة عشقاً لا يُقاوم. السيارة هي الشيء الوحيد الذي تحب ولا تؤذي. الإيحاء أن الكائن الذين في بطنها هو نتيجة علاقة بينها وبين سيارة كلاسيكية كانت أوت إليها.
يذكّر فيلم دوكورنيو بأفلام لاري كووَن وديفيد كروننبيرغ. كووَن داوم أفلام الرعب البيولوجية (تلك التي تعتمد على خصائص جسدية متوحشة) وكروننبيرغ عمد إليها إلى حين قبل عزوفه عنها. لكن دوكورنيو ليست في مجال التقليد، بل تبتكر حالة ضوضاء وفوضى بصرية وأسلوبية تعمد من خلالها إلى تطويع المؤثرات البصرية المباشرة لخدمة مشاهد دموية فادحة.
تدفع المخرجة الفيلم ليكون متميّزاً بحكايته، خصوصاً عندما تربط مصير بطلتها بمصير رجل الإطفاء فنسان الذي يريد أن يتوهم بأن الفتاة هي ابنه أدريان ويقدّمه لرجال الإطفاء على هذا النحو. هناك ما يشي بأن فنسان مثلي (وهناك من رجال الإطفاء من يهمس لزميل له بذلك) لكن هذا المشوار من الأحداث شائك وغير مريح ليس بسبب الموقف الحاصل بالضرورة، بل أساساً في أن لا شيء ناضج يأتي من تلك العلاقة ولا هي منسابة أو موحى بها بطريقة فنية صحيحة.
حين نتحدّث عن الفن فإن الفيلم في نهاية مطافه عبارة عن فيلم رعب ينتمي إلى النوع (The Genres) أكثر من انتمائه إلى أي شيء آخر. وكلما حاولت المخرجة تمييزه فشلت بعد مشهد لاحق أو سواه في المحافظة على هذا التميّز، وفي النهاية تستولي شروط «الجنر» على شروط التميّز لتخلق فيلماً ناشزاً بالقصد وبالنتيجة.
هذا ما يجعله فيلماً بلا خريطة وصول إلى جمهور ما. في الواقع من المبهم ما جال في بال دوكورنيو وهي تكتب الفيلم وتحققه. يبدو الفيلم عالقاً بين الرعب الناتج عن التعذيب والألم والدموية (لا تخفي أليكسيا ساديّتها قبل قتل واحدة من ضحاياها) وبين الرغبة في تسجيل موقف تبقى صفحته داكنة بحيث لا يمكن قراءة كلماتها كونها داكنة أيضاً.



هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.