شاشة الناقد

فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
TT

شاشة الناقد

فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»
فيلم الرعب الفرنسي «تيتان»

2 طلعت حرب
> إخراج: مجدي أحمد علي
> مصر (2021)
> دراما اجتماعية | عرض خاص
(جيد)
‫ يميل المخرج مجدي أحمد علي في كافة أفلامه إلى بناء كلاسيكي المقام يمنحه ثبوت الإيقاع وطرح المضامين بسرد لن يتسابق مع الزمن أو يقفز بين ألوان من المعالجات الجديدة. هذا البناء الكلاسيكي يمنح أعماله تميّزاً عن سواه (أو معظم سواه) من الأعمال السينمائية كما يوفر للمشاهد نمطاً من سرد الحكاية بتتابع رصين وثابت.‬‬‬
«2 طلعت حرب» لا يختلف في هذا الإطار لكنه يختلف عن أعماله السابقة في قليل من اتجاهاته. هو عبارة عن أربع حكايات متتابعة في إطار فيلم واحد وعلى خلفية زمنية طويلة. الغاية سرد الحكايات المتصلة بعضها ببعض بشخصياتها وبمكانها (عمارة رقم 2 شارع طلعت حرب) لتحكي ما هو خاص، في المقدّمة، وما هو عام في الخلفية.
تقع الحكاية الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ونلتقي فيها بابن البوّاب شعبان كولد صغير. وهي تبدأ بمشاهد وثائقية لخطب الرئيس ولعناوين الصحف ولبعض المشاهد العامة قبل أن تأخذ أحداث الحكاية دورتها. إنه جزء مصوّر بالأبيض والأسود وفيه نتعرف على الولد شعبان، ابن بوّاب البناية، الذي يساعد الطبّاخ لتحضير صحون العشاء لمجموعة من الضيوف في منزل تقطنه امرأة واقعة في حب طبيب نفسي. تبدو المجموعة في سلوكها وما تتبادله من حوارات كما لو كانت آتية من فيلم «المذنبون» أو «الكرنك» من حيث موقع هذه الشخصيات البعيد عن نبض الأحداث حولها.
صاحبة المنزل لطيفة وسعيدة لولا أنها ترتاب في تصرّفات من تحب. تراه يغادر الحفل عند منتصف الليل معتقدة أنه على علاقة بامرأة أخرى. لكن ما نراه نحن، ويغيب عنها، هو معالجته لرجل يحتل مكانة مهمّة تجعل عناصر المخابرات ترتاب في انتمائه. عندما يتم جلب الطبيب بالقوّة لتوقيع شهادة وفاة مزوّرة يأبى ذلك وتنتهي الحكاية لتنقتل إلى الفترة الساداتية.
هذه تبدأ كما بداية الحكاية الأولى: وثائقيات ومشاهد للرئيس محمد أنور السادات والخطوة التي قام بها عندما زار الكنيست الإسرائيلي ووقع معاهدة السلام. يستخدم المخرج هنا الألوان ليسرد حكاية شاب لبناني اسمه نديم يصل إلى منزل صديقه المصري الذي يملك دكان أقمشة. يرحب به الصديق ويسكنه في منزله. لكن الشاب المصري والشاب اللبناني يختلفان. الأول منفتح على العلاقات الجنسية مع أي فتاة يلتقي بها ولو أن قلبه يفوح حباً ببائعة لديها «كيوسك» في مقابل دكانه. حين يتعرّف اللبناني عليها يقعان في الحب، مما يغيظ صديقه المصري.
اللبناني الآن يريد العودة إلى لبنان التي تعاني من الحرب الأهلية في مطلع الثمانينات. إذ يفعل ذلك تنتهي الحكاية برسالة تصل بعض أشهر إلى الصديق من والد نديم يعلمه فيها بمقتل ابنه في تلك الأحداث.
هاتان الحكايتان هما الأقدر على ترجمة مكوّنات الفترة السياسية والاجتماعية مقارنة بالحكايتين الثالثة، التي تدور في سنة 2004 (فترة الرئيس حسني مبارك)، والرابعة التي تقع في فترة الرئيس الحالي (تبدأ في سنة 2012).
على هذا النحو، الفيلم هو بانوراما لتاريخ ولشخصية شعبان الذي ينطلق ولداً ويصبح شاباً ثم رجلاً وينتهي عجوزاً. ما لا يعمل بنفس الكفاءة أو حسب ما هو منشود حقيقة أن الفيلم لا يستطيع أن يكون من وجهة نظر الشخصية المحورية، وبذلك يفقد قدراً من ترابطه الدرامي المفترض.
مشكلة ثانية لا تقل أهمية، هي أن الحكايات المختارة ليست متساوية الأهمية، ولا تبعث على اهتمام متساوٍ يسودها جميعاً. الحكاية الأولى تمر سريعاً. الثانية هي الأكثر نبضاً واقعياً والأفضل في الدلالات المستوحاة. الثالثة تهبط في ركن منخفض من الأهمية، والرابعة تختم الحكايات بتقديم صاحب العمارة للمرّة الأولى (سمير صبري) الذي يجمع في منزله المشرف على المظاهرات فرق التصوير التلفزيونية ويتعرّف على فتاة شابّة تعتقد أن من تحب هو بين المتظاهرين لكن الحقيقة التي لا يستطيع كشفها لها أنه قُتل في المواجهات.
لكن الفيلم، وسط تفاوت مستويات الدراما، يحافظ على أسلوب عمل متقن في التفاصيل الشخصية وطموح لكي يعكس الفترات المتعاقبة من حياة مصر الحديثة عبر مراحلها ورؤساء جمهورياتها من الستينات وإلى مطلع حكم الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي.
أمر آخر أهم هو نجاح المخرج في إيصال نهاية كل حكاية إلى مفاد يعكس أحلاماً مجهضة. هي عاطفية في الحكايات الأولى والثانية والرابعة لكنها تعبّر جميعاً عن طموحات لبناء اجتماعي لا يجد المخرج أنه وقع على النحو المأمول. نهاية الحكاية الرابعة هي وحدها التي تحمل الأمل في قدرة مصر على تجاوز إحباطات المراحل السابقة.

Titane
> إخراج: جوليا دوكورناو
> فرنسا (2021)
> رعب | عروض: «كان» وتجارية
(وسط)
نتعرّف على أليكسيا في مطلع هذا الفيلم وهي تجلس في المقعد الخلفي من سيارة يقودها والدها. تصدر أصواتاً تزعجه. يطلب منها خفض الصوت لكنها تأبى وحين تنصاع بعد قليل تبدأ برفس المقعد الذي أمامها، يصرخ فيها والدها منشغلاً عن القيادة وسريعاً ما تستدير السيارة حول نفسها وتصطدم بجدار. المشهد التالي لها في المستشفى وقد تم زرع قطعة معدنية في رأسها الصغير الذي تعرض للعطب.
بالحكم على الفيلم عبر أحداثه اللاحقة يطرح الفيلم ذلك السؤال الذي لم تكترث المخرجة جوليا دوكورناو للإجابة عليه: هل نقرأ في طيات العمل نقداً موجهاً ضد العلم بمعنى أن ما يحدث لأليكسيا بعدما بلغت سنوات الأنوثة الكاملة هو بسبب تلك القطعة المزروعة في الدماغ؟ لا يمكن الوثوق بذلك لكن لا يمكن أيضاً التأكيد حتى مع وجود تشوّه فوق الأذن اليمنى يذكرنا دوماً بمشهد زرع القطعة في الرأس.
ما هو مؤكد أن الأحداث التي تسردها المخرجة جوليا دوكورنيو لا تحوي السبب الصحيح لتصرفات بطلتها بعدما بلغت أنوثة جاذبة تستخدمها لقتل ضحاياها من رجال ونساء. إنها قاتلة متسلسلة بلا رادع ولا واعز ولا سبب فعلي كذلك. الفيلم لا يحتوي على دوافع من أي نوع. لا دوافع اجتماعية ولا دوافع نفسية ولا عائلية. يقدّم الحالة ويعمل على تزويدها بحكاية تنتقل من مشهد عنيف إلى آخر.
تعمل أليكسيا (أغاثا روسيل) في نادٍ ليلي راقصة وتخرج منه لترتكب جريمتها الأولى، ويستمر منحاها على هذا النحو إلى أن تضطر لإخفاء هويتها فتدخل حماماً وتلف نفسها بقماشات لاصقة لإخفاء مكامن أنوثتها. لكنها حبلى في الوقت ذاته ولا نعلم (ولا هي تعلم) مِن مَن.
هنا تلفت اهتمام رجل متوسط العمر اسمه فنسان (فنسنت ليندون) يفتقد ابنه ويعتقد - لحين - أن أليكسيا هو إياه، أو يستطيع أن يحل مكانه. هذا لوحده غريب ويستمر على هذا النحو حتى من بعد أن عرف فنسان حقيقتها. هو الآن حريص على وهمه وسيساعدها على إخفاء هويتها. هذا السبب غير المقنع في تفاصيله ليس أغرب من كيف صاغت المخرجة علاقة أليكسيا بالسيارات. فحوى تلك العلاقة هو أنها تجد في السيارة عشقاً لا يُقاوم. السيارة هي الشيء الوحيد الذي تحب ولا تؤذي. الإيحاء أن الكائن الذين في بطنها هو نتيجة علاقة بينها وبين سيارة كلاسيكية كانت أوت إليها.
يذكّر فيلم دوكورنيو بأفلام لاري كووَن وديفيد كروننبيرغ. كووَن داوم أفلام الرعب البيولوجية (تلك التي تعتمد على خصائص جسدية متوحشة) وكروننبيرغ عمد إليها إلى حين قبل عزوفه عنها. لكن دوكورنيو ليست في مجال التقليد، بل تبتكر حالة ضوضاء وفوضى بصرية وأسلوبية تعمد من خلالها إلى تطويع المؤثرات البصرية المباشرة لخدمة مشاهد دموية فادحة.
تدفع المخرجة الفيلم ليكون متميّزاً بحكايته، خصوصاً عندما تربط مصير بطلتها بمصير رجل الإطفاء فنسان الذي يريد أن يتوهم بأن الفتاة هي ابنه أدريان ويقدّمه لرجال الإطفاء على هذا النحو. هناك ما يشي بأن فنسان مثلي (وهناك من رجال الإطفاء من يهمس لزميل له بذلك) لكن هذا المشوار من الأحداث شائك وغير مريح ليس بسبب الموقف الحاصل بالضرورة، بل أساساً في أن لا شيء ناضج يأتي من تلك العلاقة ولا هي منسابة أو موحى بها بطريقة فنية صحيحة.
حين نتحدّث عن الفن فإن الفيلم في نهاية مطافه عبارة عن فيلم رعب ينتمي إلى النوع (The Genres) أكثر من انتمائه إلى أي شيء آخر. وكلما حاولت المخرجة تمييزه فشلت بعد مشهد لاحق أو سواه في المحافظة على هذا التميّز، وفي النهاية تستولي شروط «الجنر» على شروط التميّز لتخلق فيلماً ناشزاً بالقصد وبالنتيجة.
هذا ما يجعله فيلماً بلا خريطة وصول إلى جمهور ما. في الواقع من المبهم ما جال في بال دوكورنيو وهي تكتب الفيلم وتحققه. يبدو الفيلم عالقاً بين الرعب الناتج عن التعذيب والألم والدموية (لا تخفي أليكسيا ساديّتها قبل قتل واحدة من ضحاياها) وبين الرغبة في تسجيل موقف تبقى صفحته داكنة بحيث لا يمكن قراءة كلماتها كونها داكنة أيضاً.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.