وقاية.. من دون لقاح

وسائل متطورة لنقل جينات صناعية بهدف درء الأمراض قد لا تحظى بشعبية

وقاية.. من دون لقاح
TT

وقاية.. من دون لقاح

وقاية.. من دون لقاح

أعلن فريق من العلماء أخيرا ما قد يتبين أنه خطوة هائلة نحو الأمام في مقاومة فيروس نقص المناعة. وقال العلماء في معهد «سكريبس» للأبحاث، إنهم توصلوا إلى عمل جسم مضاد صناعي، يستطيع الإمساك بالفيروس ومنع نشاطه بمجرد دخوله إلى مجرى الدم. كذلك يستطيع الجزيء القضاء على فيروس نقص المناعة لدى قرود مصابة به وحمايتها من إصابتها بأي عدوى في المستقبل.
مع ذلك، لا يعد هذا العلاج لقاحا بالمعنى المتعارف عليه، حيث يعيد العلماء تشكيل أجسام القردة بحيث تتمكن من مقاومة المرض من خلال زرع جينات صناعية داخل عضلاتها. ولا يختبر الباحثون هذه الطريقة الجديدة في مقاومة فيروس نقص المناعة فحسب، بل وأيضا في مقاومة الإيبولا، والملاريا، والإنفلونزا والالتهاب الكبدي الوبائي. وقال مايكل فارزان، المتخصص في علم المناعة في معهد «سكريبس» والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: «لا حدود للأمر».

* نقل الجينات
* ويحدو فارزان وعلماء آخرين الأمل في أن تنجح هذه الطريقة في الوقاية لفترة طويلة من الأمراض التي أخفقت اللقاحات في الوقاية منها. ومن المقرر إجراء أول تجربة على البشر استنادا إلى تلك الاستراتيجية، التي تسمى «الوقاية عن طريق نقل الجينات» called immunoprophylaxis by gene transfer، or IGT، قريبًا، وكذلك من المخطط القيام بعدة تجارب جديدة. وقال الدكتور غاري نابل، كبير العلماء في شركة «سانوفي» التي تعمل في مجال الأدوية وتنتج مجموعة متنوعة من اللقاحات: «قد يمثل هذا ثورة في طريقة الحماية من الأخطار التي تهدد الصحة في المستقبل».
ولم يتضح بعد ما إذا كانت طريقة الوقاية عن طريق نقل الجينات ستنجح أم لا. ويحتاج الباحثون إلى قياس مدى أمان وفاعلية الطريقة بين البشر. وقد يثير احتمال أن يقاوم البشر الأمراض المعدية بعد تعديلهم وراثيا، قلق المرضى. وقال الدكتور ديفيد بالتيمور، الحائز على جائزة نوبل والمتخصص في الفيروسات في «معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا» الذي يختبر الطريقة على عدد من الأمراض: «الواقع هو أننا نتعامل مع موضوع حساس، لذا سيتطلب الأمر بعض التفسير» للجمهور.
تحفز اللقاحات التقليدية جهاز المناعة على تعلم كيفية إنتاج أجسام مضادة من خلال تقديم تلك اللقاحات لمسببات أمراض إما ضعيفة أو ميتة، أو حتى بعض جزيئاتها. وتفرز خلايا الجهاز المناعي مجموعة متنوعة من الأجسام المضادة، بعضها يستطيع مقاومة تلك الأمراض. وفي بعض الحالات، تنجح تلك الأجسام المضادة في عمل دفاعات قوية. ويمكن أن تنجح اللقاحات الواقية من أمراض مثل الجدري، والحصبة، في توفير حماية شبه كاملة، في حين لا تستطيع اللقاحات التقليدية إنتاج أجسام مضادة فعّالة في مقاومة أمراض أخرى. أما فيروس نقص المناعة على سبيل المثال فيتخذ أشكالا متعددة بحيث إذا نجح لقاح واحد في الوقاية من أحدها، فلن ينجح في الوقاية من الآخر.

* جينات صناعية
* وتختلف الوقاية عن طريق نقل الجينات تمامًا عن اللقاحات التقليدية، فهي نوع من أنواع العلاج الوراثي، حيث فصل العلماء الجينات التي تنتج أجساما مضادة قوية لمقاومة أمراض محددة، ثم صنعوا نسخًا صناعية منها. وتم وضع الجينات في فيروسات، وحقنها في نسيج بشري عادة ما يكون نسيجا عضليا. تغزو الفيروسات الخلايا البشرية بما تحمله من حمض نووي، ويتم حقن الحمض النووي للمتلقي بالجين الصناعي. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فستوجه الجينات الجديدة الخلايا نحو بدء إنتاج أجسام مضادة قوية.
وجاءت فكرة الوقاية عن طريق نقل الجينات أثناء محاولات مقاومة فيروس نقص المناعة. وتبين أن بعض الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة لدى بعض الناس قوية إلى حد كبير جدا. ويمكن أن تلتصق الأجسام المضادة المثبطة بكثير من سلالات الفيروس وتمنعها من إصابة خلايا جديدة.
خطرت للدكتور فيليب جونسون، المتخصص في الفيروسات بجامعة «بنسلفانيا»، فكرة؛ حيث تساءل لماذا لا يحاول لصق الأجسام المضادة المثبطة لدى الجميع. في ذلك الوقت، كان جونسون وباحثون آخرون يطبقون طريقة علاج بالجينات لأمراض مثل الهيموفيليا، أو نزف الدم الوراثي. واكتشف الباحثون كيفية تحميل الجينات على الفيروسات وإقناعها بغزو الخلايا؛ وخطر على بال جونسون أنه قادر على استخدام هذه الاستراتيجية في تعريف الجين بجسم مضاد قوي داخل خلايا المريض. وبعد أن تبدأ الخلايا في إنتاج أجسام مضادة، يتم حقن المريض بلقاح واق من المرض. ومثلت الفكرة توجها ثوريا جديدا في طريقة العلاج بالجينات. وحتى ذلك الحين، كان الباحثون يركزون على علاج الأمراض الوراثية من خلال تقديم نسخ فاعلة من جينات معيبة.
وعلى صعيد آخر، فإن من شأن الوقاية عن طريق نقل الجينات حماية الأصحاء من الإصابة بالأمراض المعدية.
ولا يعد نجاح هذه الطريقة مضمونًا، فأفضل فيروس حصل عليه جونسون لتوصيل الجينات لم ينجح سوى في غزو الخلايا العضلية، التي لا تفرز أجساما مضادة بطبيعتها.
لكن في عام 2009، أعلن جونسون وزملاؤه نجاح الطريقة. وخلال تجربتهم، سعوا إلى حماية قردة من الإصابة بفيروس نقص المناعة الذي يصيب القردة وهو المقابل لفيروس نقص المناعة لدى الإنسان. واستخدموا فيروسات لحقن جينات قوية داخل عضلات القردة أملا في إنتاج أجسام مضادة لفيروس نقص المناعة لديهم. وقاموا بعد ذلك بحقن القردة بفيروس نقص المناعة، وأفرزت القردة في عضلاتها ما يكفي من الأجسام المضادة لمقاومة مرض نقص المناعة بحسب ما اكتشف العلماء. من دون هذه الطريقة، كان مصير تلك القردة سيكون هو الموت.

* طريقة واعدة
* وأقنعت دراسة جونسون فارزان بأن تلك الطريقة واعدة للغاية، حيث قال: «بدأت أتقبل الفكرة». وبدأ فارزان وزملاؤه تعديل الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة من أجل التوصل إلى أنظمة دفاعية أقوى ضد الفيروس.
من جهة أخرى، في عام 2011، أوضح بالتيمور وزملاؤه أن الأجسام المضادة، التي يتم توصيلها إلى الخلايا مع الفيروسات، قادرة على حماية الفئران من فيروس نقص المناعة الذي تم حقنها به، وأشاروا إلى أن طريقة الوقاية بنقل الجينات قادرة على حماية الناس من فيروس نقص المناعة المنقول عن طريق الإبر الملوثة. مع ذلك، تحدث أكثر الإصابات بفيروس نقص المناعة عن طريق العلاقة الجنسية. لذا حقن بالتيمور وزملاؤه فئرانا إناثا بالفيروس عبر أنسجة الرحم. وذكروا العام الماضي أن تلك الطريقة ساعدت في حماية الفئران من الإصابة بالمرض من خلال العلاقة الجنسية.
وقال بالتيمور: «نحن نخدع جهاز المناعة، بدلا من محاولة تحفيزه. ما نفعله يختلف كليا عن الحقن باللقاح، رغم أن النتيجة النهائية مماثلة».
وأذهلت نتائج بالتيمور غاري كيتنر، عالم الأحياء الدقيقة في كلية الصحة العامة في جامعة «جونز هوبكنز بلومبيرغ»، وتساءل عما إذا كانت طريقة الوقاية بنقل الجينات قادرة على مقاومة مرض خطير آخر راوغ اللقاحات، وهو مرض الملاريا. واكتشف كل من كيتنر، وبالتيمور، وزملاؤهم جسما مضادا قويا ضد الملاريا، واستخدموا فيروسا في توصيل الجين من أجل إدخاله في أجسام الفئران. وذكروا خلال شهر أغسطس (آب) الماضي أنه عندما أصيبت الفئران بعضات ناموس حامل للملاريا، كان 80 في المائة منها محصنا ضد المرض. وقال كيتنر: «هذا لأمر مشجع، وجيد كأول تجربة لطريقة لم تثبت فاعليتها بعد؛ لكن ينبغي أن يتحسن الوضع». ويبحث كيتنر حاليا عن أجسام مضادة أفضل تستطيع توفير حماية أكبر بجرعات أصغر. وتشير تلك التجارب إلى أن الأجسام المضادة، التي يتم إنتاجها باستخدام تلك الطريقة، يمكن أن تساعد في الوقاية من الأمراض التي فشلت اللقاحات في الوقاية منها لعقود. وتشير دراسات أخرى إلى أن تلك الطريقة قد تساعد في الوقاية من الأمراض التي تظهر بشكل مفاجئ في المستقبل.
وبحث دكتور جيمس ويلسون، المتخصص في علم مسببات الأمراض في جامعة «بنسلفانيا»، وزملاؤه في إمكانية علاج التليف الكيسي باستخدام الجينات من خلال زراعة جينات داخل الخلايا التي تبطن الممرات الهوائية في جسم المريض. وخطر بباله أن كثيرا من الفيروسات سريعة الانتشار، مثل فيروسي الإنفلونزا و«سارس»، تهاجم الخلايا نفسها. وفي عام 2013، ذكر ويلسون وزملاؤه أن الفيروسات، التي تحمل جينات الأجسام المضادة إلى خلايا الممرات الهوائية، قادرة على تمكين الفئران، وفصائل النمس، من مقاومة مجموعة متنوعة من سلالات فيروس الإنفلونزا.
ومنذ ذلك الحين، يختبر هو وزملاؤه طريقة الوقاية من خلال نقل الجينات في مقاومة أنواع أخرى من الفيروسات التي تتسبب في الظهور المفاجئ لأمراض مهلكة من بينها الإيبولا. وتعاون ويلسون وزملاؤه مع شركة «ماب بيوفارماسيوتيكال»، التي صنعت جسما مضادا لمقاومة الإيبولا يسمى «زد ماب». وصنع العلماء جينا من أجل الجسم المضاد «زد ماب»، وحقنوه داخل عضلات فأر. ولا تزال التجارب في مراحلها المبكرة، لكن ويلسون يقول: «لدينا بيانات مشجعة». أما بالنسبة إلى جونسون، فكان ازدياد الاهتمام بطريقة الوقاية من خلال الجينات يبعث على الشعور بالرضا، حيث قال: «لقد بدأت الطريقة تلقى رواجا، لكنها بالتأكيد لم تصبح سائدة».
ومن المرجح أن هذا الوضع سيتغير عما قريب؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، بدأ جونسون أول اختبار عملي لهذه الطريقة على البشر. وحقن فريقه جينات جسم مضاد لفيروس نقص المناعة داخل عضلات المتطوعين لمعرفة ما إذا كان العلاج آمنا أم لا. ويتوقع الباحثون الانتهاء من جمع النتائج بحلول الربيع. وأوضح جونسون قائلا: «نحن متفائلون ويغمرنا الأمل».
على الجانب الآخر، يتعاون بالتيمور مع المعاهد القومية للصحة لبدء تجربة مشابهة في عمل فيروس معدل جينيًا لمقاومة فيروس نقص المناعة. ويستعد ويلسون لتجربة هذه الطريقة في مقاومة الإنفلونزا في وقت لاحق من العام الحالي.
مع ذلك، لا يوجد ما يؤكد أن نجاح التجارب على الحيوانات يعني نجاحها على البشر. وقال دكتور رونالد كريستال، رئيس قسم الطب الوراثي في كلية الطب بجامعة «كورنيل»: «البشر ليسوا فئرانا كبيرة».
وقد تهاجم أجهزة المناعة لدى البشر الأجسام المضادة الصناعية، أو الفيروسات التي تحملها، وهو ما يقوض قدراتها الوقائية. وقد تفرز الخلايا العضلية أجساما مضادة أكثر من اللازم لعدم تمتعها بقدرة على التنظيم مثل تلك التي تتمتع بها خلايا الجهاز المناعي.
ورغم القلق بشأن هذه الطريقة، فإن نابل يقول إنه لا يزال متفائلا. وأضاف قائلا: «هناك مخاوف تتعلق بالسلامة يجب التعامل معها، لكن هناك طرق منطقية للقيام بذلك». ولا يتوقع المتخصصون في أخلاقيات علم الأحياء عقبات أخلاقية تعرقل تقدم هذه الطريقة لأنها تقوم على العلاج بالجينات الذي ظهر منذ أكثر من 30 عاما. وقال جوناثان كيميلمان، الأستاذ المساعد بجامعة «ماغيل»: «لا تفاجئني تلك الطريقة، فهي ليست ثورية». مع ذلك، يقول بالتيمور إنه يتوقع ألا يثق بعض الناس في استراتيجية للحقن بلقاح قد تتطلب تعديل الحمض النووي الخاص بهم، حتى إن كانت تقيهم من مرض مميت محتمل. وأوضح قائلا: «مع ذلك، أشعر بصفتي عالما أن مسؤوليتنا هي إجراء تجارب على الأشياء التي نشعر أنها ستحدث فارقًا كبيرًا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.