عصرُ النهايات أم عصر البدايات؟

كتاب المغربي إدريس أوهلال أقربُ إلى استشرافات شخصية لواقع حال الإنسانية

د. إدريس أوهلال
د. إدريس أوهلال
TT

عصرُ النهايات أم عصر البدايات؟

د. إدريس أوهلال
د. إدريس أوهلال

ليس غريباً أن تسود الرؤى الديستوبية في أوقات الأزمات. تلك حقيقة متواترة في التأريخ البشري، وقد خَبَرنا في السنتين الماضيتين الكيفية التي ساهمت بها الجائحة الكورونية في شحذ رؤى السايكوباثيا الديستوبية. يبدو أن البعض مشحونون برؤى قيامية apocalyptic ترى في كل معضلة عالمية تجابه الإنسانية مصداقاً لرؤاهم. إنها متناقضة بشرية تدعو إلى الدهشة؛ ففي الوقت الذي نرى فيه العلماء في كل بقاع الأرض مهجوسين بكيفية درء الأخطار المحدقة بالبشرية بوسائل عملية، يكتفي البعض بالجلوس فوق التلة والتلذذ برؤية الناس وهي تغرق في المعاناة اللانهائية. هذا البعض ليس جزءا من الحل بالتأكيد؛ لكنه فوق ذلك يساهم في التبشير بالنهاية المأساوية للعالم. إذا لم تكن ترغبُ في أن أن تكون جزءا من الحل فعلى الأقل لا تساهم في التبشير بالنهايات المرعبة للعالم. لا تكن مِعْوَلاً يساهم في بث اليأس والتبشير بنهايات قيامية لعالمنا، وكأننا على أبواب ثقب أسود سيلتهمنا عما قريب، وليس أمامنا سوى توديع أحبائنا في رحلة لا عودة منها.
قادني الفضاء الفيسبوكي إلى كتاب عنوانه «الانفجار العظيم: عصر النهايات»، لمؤلفه الدكتور إدريس أوهلال، صدر عام 2021 عن مجموعة الأكاديميات الدولية IAG، كان العنوان لافتاً لي بسبب حمولته الدرامية. قرأت الكتاب في جلسة واحدة، فهو ليس من الكتب البدينة، بل هو أقربُ إلى استشرافات شخصية لواقع حال الإنسانية. الكتاب له فضائله من حيث إنه يبتعد عن المقاربات الديستوبية الشائعة، ويمنح القارئ غير المتخصص رؤية شاملة لواقع حال البشرية والمعضلات الراهنة التي تواجهها ونذر النهايات التي تناولها الكتاب بالتفصيل. الكتاب جهد ينبغي أن يُحْسَب للكاتب، وهو من الكتاب المغاربة المتخصصين بتصميم الاستراتيجيات والدراسات الشاملة العابرة للتخصصات الضيقة.
يبدأ الكتاب بفصل عنوانه (فقه النهايات) ونقرأ فيه العناوين التالية: الانفجار العظيم، عصر النهايات الكبرى، نهاية دورة تأريخية، هل هي مؤامرة عالمية؟ هل هي نهاية الرأسمالية العالمية؟ هل نسير إلى الهاوية؟ المنزعجون من النهايات، في فضائل الأزمات، الضوابط المنهجية لخطاب النهايات.
بعد هذه المقدمة التمهيدية يبدأ المؤلف في الكشف عن خريطة نهاياته. يبدأ أولاً مع النهايات في المجال التعليمي: نهاية المدرسة، نهاية الجامعة، نهاية التخصص، نهاية الشهادة الأكاديمية. يتبع هذا فصلٌ يتناول النهايات في المجال الثقافي والإعلامي: نهاية الوسائل التقليدية لنقل المحتوى، نهاية الإعلام التقليدي، نهاية المثقف، نهاية التفكير. بعد هذا يقودنا المؤلف نحو فصلٍ يتناول فيه النهايات في المجال الاجتماعي: نهاية المجتمع، نهاية الطبقة المتوسطة، نهاية الصراع الطبقي، نهاية الأسرة، نهاية الخصوصية، نهاية السعادة. يتناول الفصل الخامس نهايات في المجال الاقتصادي: نهاية السوق، نهاية النقود، نهاية الوظيفة العمومية، نهاية أنظمة التقاعد، نهاية الطاقة الأحفورية، نهاية الاستهلاك المسؤول. يتناول المؤلف في الفصل الأخير نهايات في المجال السياسي: نهاية السياسة، نهاية القيادة، نهاية الديمقراطية، نهاية الحريات الفردية، نهاية الدولة الاجتماعية، نهاية المصلحة العامة. ثم ينهي المؤلف كتابه بخاتمة يقدمُ فيها معالم بداية دورة تأريخية جديدة.
لنبدأ أولاً بفضائل الكتاب:
أولاً: ينتمي الكتاب لفئة الدراسات المستقبلية Future Studies، تلك الفئة التي لا تلقى إلا أقل المقروئيات في عالمنا العربي. يحرك المؤلف الكثير من المياه الراكدة باتجاه استشراف الرؤى المستقبلية لصيرورة العالم. نحنُ في النهاية جزء من هذا العالم، ويهمنا ما يمكن أن يحصل له من نهايات وبدايات.
ثانياً: تأكيد فكرة أن الحياة لعبة صراعية على المستوى الفردي مثلما على المستوى الجماعي. هذا هو واقع الحال الذي لا نستطيع تلطيفه أو تزويقه بادعاءات فلسفية عن ضرورة الحياة التشاركية: «الحياة باختصار وفي كلمة واحدة لعبة، واللعبة صراع، وفي كل صراع يوجد لاعبون كبار وتابعون، ولكل لاعب مشاريعه واستراتيجياته في المواجهة، واللاعبون الكبار لا يكتفون في العادة بالهيمنة المادية وإنما يزاوجون بينها وبين الهيمنة الرمزية باستخدام ستراتيجيات العنف الرمزي...».
ثالثاً: الطرائق الممكنة في مقاربة فلسفة النهايات
1- فرضية الاستمرارية والتجديد: يرى هذا التوجه أن خطاب النهايات فيه الكثير من المبالغة، وأن كل ما في الأمر تغييرات وتحولات طبيعية ومألوفة ومتكررة عبر التاريخ في إطار التجديد.
2- فرضية الفوضى والأزمة والاندثار: يرى هذا التوجه أننا نعيش في فوضى عالمية متزايدة، وأننا نمضي صوب الكارثة، وأننا فقدنا القدرة على التكيف.
3- فرضية النهايات والبدايات: وهي فرضية ثالثة تعتقد بوجود نهايات حقيقية، وبأن ما يحدث ليس من جنس التغييرات والتحولات الطبيعية المألوفة في إطار التجديد للعبة ولقواعدها؛ وإنما تفجير لها من الداخل لكن من دون أن يعني ذلك أننا نتقدم نحو الكارثة، وإنما يعني أننا نتقدم نحو بدايات جديدة.
رابعاً: التفريق بين خطاب النهايات الفلسفي وخطاب النهايات العلمي
«... خطاب النهايات الفلسفي يتحدث عن نهايات مجردة: نهاية العلم، نهاية الفلسفة، نهاية التاريخ، نهاية الإنسان، نهاية الدولة... إلخ من مواقع فكرية مجردة وبمنهج تأملي مجرد ولهدف تصفية حسابات فكرية أو خدمة مصالح فئوية، أما خطاب النهايات العلمي فيستشرف مستقبل مؤسسات وقيم تمثل جزءا من واقع الناس ومعيشهم اليومي كالمدرسة والوظيفة والنقود والحريات الفردية، ويستهدف مساعدة الأفراد والمنظمات والحكومات على رؤية المستقبل بشكل أفضل، واتخاذ أفضل القرارات لبنائه».
خامساً: التوصيف الدقيق لسايكولوجيا النهايات
«...برأي المنزعجين والخائفين والمرعوبين فإن الوضع الراهن يدعو للصمت والترقب فقط، ولا حاجة لنا بالتحليلات والرؤى. اليوم لا شيء يبدو واضحا، لا عدو يبدو واضحا ولا صديق يبدو واضحا. نحن في فتنة، وبالتالي فحاجتنا الأولى والوحيدة هي الصمت ثم الصمت ثم الصمت. إنه زمن الصمت والهدوء والرجوع للذات ولملاذاتنا الآمنة، ولسنا خائفين من شيء، ولا راغبين في شيء...».
سادساً: بساطة عرض الموضوعات
يبدو أن المؤلف – وهو من المتمرسين في تقنيات التنمية الذاتية – يعرف أن القارئ العربي لا يطيق التحليلات الأكاديمية المطولة والدراسات الاستقصائية المسهبة؛ لذا نراه يعتمد مقاربة اختزالية صارمة تقوم على أساس كشف مظاهر كل نهاية مع بيان قائمة بمسبباتها؛ الأمر الذي يجعل من الكتاب مادة مناسبة للتداول في الفضاء العام.
سابعاً: التأكيد على النبرة التفاؤلية العقلانية في مقابل شيوع السوداوية السايكوباثية الراهنة
يؤكد المؤلف بهذا الشأن وفي الفصل الختامي من الكتاب: «... علينا - ونحن نستعرضُ النهايات - أن نزرع الأمل الإيجابي لا الأمل الكاذب، فجميع النهايات تقود إلى بدايات جديدة لا إلى الكارثة أو الهاوية. صحيحٌ هو القول بوجود نهايات، وأن لكل حقبة من التأريخ نهاية، لكن التأريخ لا نهاية له»، ثم يُتبِعُ المؤلف رؤيته العقلانية المتوازنة هذه باستراتيجيات عشر تمثل مفاتيح مركزية للتعامل مع النهايات المستجدة.
قدم الكتاب خريطة مسحية سريعة ومقتضبة لما يمكن أن تلاقيه البشرية في السنوات القادمة من نهايات لبنى هيكلية قديمة وولادة أخرى جديدة، وبرغم أن المؤلف اجتهد أن يكون عابراً على الآيديولوجيات لكني أرى بعضاً من الإسقاطات الآيديولوجية في ثنايا الكتاب. دعوني أقدم لكم مثالاً واحداً فحسب: ثمة أكثر من موضع واحد يصف فيه المؤلف الرأسمالية بـ«الرأسمالية المتغولة المتوحشة»، وواضحٌ من السياق الذي يجري الحديث عنه أنه يقصدُ الرأسمالية الجديدة التي نشأت عقب شيوع فلسفة النيوليبرالية. إن من الخطل المفاهيمي المساواة بين كل الرأسماليات، فهي ليست لوناً واحداً ولا صيغة واحدة. كيف لنا مثلاً أن نساوي رأسمالية دولة الرعاية الاجتماعية السائدة في المنطقة الاسكندنافية مع رأسمالية الأسواق الحرة المنفلتة المحكومة بالمشتقات المالية والاقتصاد الرمزي القائم على تداول أصول وهمية؟
إن قراءة كتاب مثل (الانفجار العظيم: عصر النهايات) تجربة جميلة مثلما هي ضرورة لازمة؛ فنحن في النهاية جزء من هذا العالم، ولا يمكننا غض الطرف عما يحصل فيه من تغييرات متسارعة ستعيد ترسيم تضاريسه في السنوات القليلة المقبلة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.