رسالة جونسون لماكرون تفاقم الخلاف البريطاني ـ الفرنسي حول الهجرات

باريس متمسكة باستبعاد وزيرة الداخلية البريطانية من اجتماع أوروبي موسع غداً

غضب باريس يعود إلى طريقة تعامل جونسون مع ماكرون إذ أنه أذاع نص رسالة رسمية عبر تويتر قبل أن تصل إلى الرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)
غضب باريس يعود إلى طريقة تعامل جونسون مع ماكرون إذ أنه أذاع نص رسالة رسمية عبر تويتر قبل أن تصل إلى الرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)
TT

رسالة جونسون لماكرون تفاقم الخلاف البريطاني ـ الفرنسي حول الهجرات

غضب باريس يعود إلى طريقة تعامل جونسون مع ماكرون إذ أنه أذاع نص رسالة رسمية عبر تويتر قبل أن تصل إلى الرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)
غضب باريس يعود إلى طريقة تعامل جونسون مع ماكرون إذ أنه أذاع نص رسالة رسمية عبر تويتر قبل أن تصل إلى الرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

صبت الرسالة التي بعث بها رئيس الوزراء البريطاني إلى الرئيس الفرنسي مساء الخميس الزيت على النار وفاقمت الجدل الدائر بين لندن وباريس بصدد المسؤولية عن التزايد منقطع النظير لأعداد المهاجرين غير الشرعيين الراغبين بالوصول إلى الأراض البريطانية وعلى خلفية المأساة التي وقعت الأربعاء الماضي وغرق 27 شخصاً غالبيتهم من أكراد العراق وإيران في مياه بحر المانش، قبالة مدينة كاليه.
بوريس جونسون أثار حفيظة إيمانويل ماكرون ومعه كل الحكومة الفرنسية بسبب مضمون رسالته التي أهم ما جاء فيها طلبه من باريس قبول استرداد كافة المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى بريطانيا عبر المانش. كذلك، فإن غضب باريس يعود إلى طريقة تعامل جونسون مع ماكرون إذ أنه أذاع نص الرسالة عبر تويتر قبل أن تصل إلى الرئيس الفرنسي. ووفق أصول التعامل بين قادة الدول، لا يجوز الإفصاح عن المراسلات إلا بموافقة الطرفين الأمر الذي لم يحترمه جونسون. من هنا، رد ماكرون من روما حيث كان موجودا أمس في زيارة رسمية إذ قال للصحافة إن طريقة تعامل جونسون «لا تنم عن جدية» مضيفا أن «التواصل بين مسؤول وآخر بشأن هذه المسائل لا يتم عبر تويتر أو عبر الكشف عن مضامين المراسلات». وكانت نتيجة النقمة الفرنسية أن وزير الداخلية جيرالد دارمانان سارع إلى سحب الدعوة التي وجهها لنظيرته البريطانية بيتي باتل للمشاركة في اجتماع طارئ في مدينة كاليه، نقطة الارتكاز للهجرات باتجاه الشاطئ البريطاني، سيلتئم غدا الأحد بحضور الوزراء المسؤولين عن الهجرات في بلجيكا وألمانيا وهولندا والاتحاد الأوروبي. ورغم الدعوات التي صدرت عن لندن والتي طالبت باريس بالتراجع عن سحب الدعوة لتمكين المشاركة البريطانية، إلا أن باريس وحتى مساء أمس بقيت متمسكة بموقفها.
حقيقة الأمر أن الأزمة المستفحلة عبر شاطئي المانش المتقابلين لا تبدو متجهة إلى التهدئة. ورغم أن مأساة الأربعاء الماضي أعادت فرضها بقوة على أجندة الطرفين، إلا أنها قديمة ومتواصلة. وسبق لـماكرون أن دعا جونسون إلى الامتناع عن «تسييس» المسألة إذ أن باريس ترى أن توجيه سهام النقد إليها غرضه إشاحة أنظار البريطانيين عن فشل رئيس الوزراء في الوفاء بوعوده لجهة السيطرة على الحدود ووقف تيار الهجرات غير الشرعية. وما يزيد من تفاقم الأزمة الراهنة، وفق المصادر الفرنسية، أنها تأتي في سياق تراكم عدة خلافات بين باريس ولندن. فالجانب البريطاني لم يغفر لفرنسا وللرئيس ماكرون شخصيا تشدده في التعامل مع ملف البريكسيت وفرض شروط قاسية على بريطانيا علما بأن المفاوض الأوروبي كان ميشال بارنيه وزير الخارجية الفرنسي الأسبق والساعي راهنا للترشح للانتخابات الرئاسية. وثمة من يؤكد في الأوساط المقربة من جونسون وداخل حزب المحافظين أن باريس تسعى، من خلال «خفة تعاملها» في ملف الهجرات، إلى تأليب الرأي العام البريطاني على رئيس الوزراء وهو الذي جعل من إعادة السيطرة على الحدود حصانه الرابح في الدفع إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي. من هنا، قول جونسون إن باريس «لم تقم كفاية بما كان عليها أن تقوم به» لاحتواء تدفق المهاجرين من شواطئها علما بأن اتفاقية «لو توكيه» الموقعة بين الطرفين في العام 2004 تجعل، عمليا، الحدود البريطانية عند الشواطئ الفرنسية. ثم جاء فسخ عقد الغواصات الأسترالية مع فرنسا ليزيد من نقمة باريس التي تحمل جونسون شخصيا جانبا من المسؤولية لأنه عمل مع رئيس الوزراء الأسترالي «من وراء ظهر «ماكرون وأقنع الرئيس الأميركي جو بايدن بقبول بيع كانبيرا غواصات أميركية تعمل بالدفع النووي عوض الغواصات الفرنسية العاملة بالنظام الهجين «ديزل ــ كهرباء». ولاستكمال المشهد، جاءت «حرب الصيد البحري» لتزيد من توتر العلاقات إذ اتهمت لندن بأنها تسعى لمعاقبة باريس من خلال الصيادين الفرنسيين بحرمان العديد منهم، لأسباب مشكوك بصحتها، من التأشيرات الضرورية لممارسة أشغالهم، الأمر الذي عد تصرفا «عدائيا» ومخالفا لمضمون الاتفاقية الأوروبية ــ البريطانية. وأمس، نفذ الصيادون الفرنسيون إجراءات احتجاجية على تعاطي لندن معهم ولوحوا بالمزيد منها ما لم تسو قضيتهم.
تريد باريس من خلال الدعوة إلى اجتماع أوروبي البحث عن حلول جماعية وتأكيد أن مشكلة الهجرات عبر بحر المانش ليست فرنسية ــ بريطانية بل هي أوروبية ــ بريطانية. وقالت مصادر وزارة الداخلية الفرنسية إن باريس تريد تعزيز التعاون الأوروبي على المستويات الأمنية والقضائية والإنسانية وخصوصاً تعزيز العمل المشترك من أجل مكافحة عصابات المهربين التي تستغل الاتجار بالبشر لتحقيق أرباح مالية عالية وبالتالي فإن هناك حاجة لـ«رد أوروبي» جماعي ولدور لمنظمة «فرونتكس» الأوروبية المكلفة المساعدة في فرض الرقابة على الحدود الخارجية. وفي الوقت عينه، تدفع باريس المتجهة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية في الربيع القادم نحو تعديل «اتفاقية شنغن التي تتيح التنقل المفتوح بين الدول المنضمة إليها عبر تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد وإتاحة المجال على إعادتها داخل فضاء شنغن من أجل إعاقة تنقل المهاجرين غير الشرعيين. وأحد المطالب التي يريدها الفرنسيون، وفق تصريحات أمس للناطق باسم الحكومة، غبريال أتال، أن تقوم لندن بإرسال موظفين إلى الأراضي الفرنسية لتسجيل وفحص طلبات اللجوء إلى أراضيها وليس إرسال أفراد من الشرطة ما تعده باريس افتئاتا على سيادتها.
بانتظار هذه المطالب، وعدت وزارة الداخلية الفرنسية بتوفير الوسائل المادية والبشرية الإضافية للجم الهجرات قدر الإمكان وذلك من خلال زيادة عديد الدوريات المتنقلة في المنطقة الممتدة من مدينة دنكرك إلى مدينة بولوني سور مير وعلى كل الشاطئ المسمى «الشاطئ العقيقي» الذي يشمل أيضاً مدينة «لو توكيه» واستخدام الدراجات النارية رباعية العجلات القادرة على التنقل بسهولة بين الكثبان الرملية. ومما تخطط له أيضاً استخدام المسيرات لمراقبة الشاطئ ومياه المانش وتوفير مزيد من البواخر وتعزيز الشرطة البحرية... بيد أن هناك قناعة مترسخة في فرنسا قوامها أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لن تكون كافية طالما تبقى بريطانيا قطب جذب للمهاجرين بفضل المميزات التي تقدمها وسهولة الاستقرار فيها من اللحظة التي تطأ فيها قدما المهاجر التراب البريطاني. يضاف إلى ذلك أن العلاج الحقيقي الجذري يتعين أن يكون مزدوجا بهدف تجفيف تيار الهجرات: فمن جهة، يتعين تقديم المساعدات المكثفة المالية والاقتصادية والصحية لـ«بلدان المنشأ» حتى توفر فرص العمل والحياة الكريمة لمواطنيها ليبقوا في بلادهم. ومن جهة ثانية السعي إلى إطفاء النزاعات التي تدفع بالآلاف من الأشخاص إلى ترك مدنهم وقراهم والبحث عن مكان آمن تتوافر فيه فرص العمل. ودون ذلك، فإن الهجرات ستبقى متدفقة والمشاكل التي ترافقها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا حامية الوطيس.


مقالات ذات صلة

ترحيل مهاجرين بموجب خطة بريطانية - فرنسية تم دون توفير مترجمين

أوروبا نزول مهاجرين من زورق عند ميناء دوفر البريطاني بعد إنقاذهم في أثناء محاولتهم عبور بحر المانش (أرشيفية - أ.ف.ب)

ترحيل مهاجرين بموجب خطة بريطانية - فرنسية تم دون توفير مترجمين

قال مفتشون في تقرير نشر اليوم الاثنين إن مهاجرين جرى ترحيلهم من بريطانيا إلى فرنسا بموجب خطة «واحد مقابل واحد» الجديدة لم يتوفر لهم ما يكفي من المترجمين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

قال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن 53 مهاجراً بينهم رضيعان لقوا حتفهم أو فُقدوا إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا مشاة يسيرون في أحد شوارع البلدة القديمة في استوكهولم عاصمة السويد يوم 17 أكتوبر 2024 (رويترز)

وسط مساعٍ لخفض الهجرة... السويد تشدد قواعد الحصول على الجنسية

قالت حكومة يمين الوسط في السويد، اليوم (الاثنين)، إن البلاد تعتزم تشديد قواعد الحصول على الجنسية.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
المشرق العربي مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة في حين يقوم أفراد طاقم سفينة بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا 16 يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

53 مهاجراً في عداد القتلى أو المفقودين إثر غرق قارب قبالة ليبيا

أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن 53 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقد أثرهم إثر غرق قارب في المتوسط قبالة السواحل الليبية، في حين لم ينجُ سوى شخصين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟