الأفلام الموسيقية وصلت... لا بد أنّها نهاية السنة

تحتشد طمعاً بأوسكار أو بسواه

«إن ذا هايتس»
«إن ذا هايتس»
TT

الأفلام الموسيقية وصلت... لا بد أنّها نهاية السنة

«إن ذا هايتس»
«إن ذا هايتس»

تحتشد هذه الأيام مجموعة من الأفلام الغنائية والموسيقية التي اصطلح على تسميتها بـ«ميوزيكالز». التسمية العربية التي اختيرت لهذا النوع من الأفلام سابقاً هي «الاستعراضية». هكذا وصفتها إعلانات أفلام موسيقية عربية (من صنع خمسينات القرن الماضي) على نحو «شركة أفلام... تقدّم الفيلم الاستعراضي الكبير». كمثال فقط كان هناك «الحب الكبير» بطولة فريد الأطرش (1968)، و«شارع الحب» بطولة عبد الحليم حافظ، و«أبي فوق الشجرة» مع عبد الحليم حافظ أيضاً (1969)، و«خلي بالك من زوزو» تمثيل سعاد حسني (1972)، من دون أن ننسى أفلاماً من بطولة صباح ومحرّم فؤاد ومحمد فوزي... إلخ.
الغناء في الأفلام العربية يتجاوز كثيراً عدد الأفلام الاستعراضية. في زمن مضى كان معظم ما يخرج من استوديوهات القاهرة وشركات السينما في لبنان يحتوي على أغنية واحدة ورقصتين على الأقل. لكن نتيجة كل ذلك، أنّ الأفلام الاستعراضية والموسيقية العربية اختفت. ولهذا الاختفاء علاقة متينة بحقيقة هبوط مستوى المطربين الحاليين وانتشار الأغاني على النت وشاشات التلفزيون وغياب الرغبة في استعادة أيام السينما الذهبية.
ثلاثية مختلفة
في الغرب، وفي هوليوود أكثر من سواها، أفلام الغناء والاستعراض ما تزال موجودة ومتوفرة من عام لآخر. لم تتوقف منذ أن فاز «برودواي ميلودي» بأوسكار أفضل فيلم سنة 1930. حينها كانت السينما تعلّمت النطق والنتيجة الأولى بعد ذلك كانت فورة من أفلام الميوزيكالز استمرت لمعظم الثلاثينات والأربعينات. بعضها نال أوسكارات. بعضها نال ترشيحات وبعضها لم ينل شيئاً.
هذا الوضع هو ذاته إلى اليوم، خصوصاً مع اقتراب ترشيحات الأوسكار، علماً بأن بعض الأفلام الموسيقية تُطرح للتوزيع في الأشهر السابقة كذلك.
هذا العام مثلاً تم توفير In the Hights لجون م. شو في الشهر الخامس من السنة، وفي منتصف شهر أغسطس (آب)، طُرح فيلم Respect لليسل تومي، تلاه عن كثب، نسخة جديدة من حكاية «سندريللا» لكاي كانون. وفي الفترة ذاتها شاهدنا Summer of Soul لأمير تومسون.
هذه ليست أفلاماً مجتمعة في بوتقة واحدة. «إن ذا هايتس» (و«ذا هايتس» هو حي في مدينة نيويورك اسمه واشنطن هايتس)، هو اقتباس عن مسرحية نالت جائزة توني سنة 2008 تدور حول حي تسكنه غالبية من اللاتينيين ينبري كثيرون منهم للرقص في شوارع الحي الضيقة.
«احترام» هو سيرة حياة المغنية أريثا فرانكلين، والعنوان مشتق من أحد أشهر أغانيها. أما «صيف الصول» فهو تسجيلي عن «وودستوك» في حي هارلم أقيم في الستينات لكن الإعلام، يؤكد الفيلم، لم يسعَ لتغطيته.
شهر بعد شهر، إثر هذه الأفلام، تزدحم أفلام هذا النوع أكثر فأكثر لعلها تبقى في الذاكرة مع اقتراب موعد موسم الجوائز. ليس أنّ منتجيها لن يوزّعوا آلاف الأسطوانات (سكرينرز) على كل عضو لجنة أو جمعية أو مؤسسة ستنتخب أفضل أفلام العام، بل زيادة في الحرص على الوجود وسط الموسم الساخن الذي يتضمن جوائز جمعيات النقاد المتعددة وجوائز جمعيات المهن السينمائية (الإخراج والتمثيل والإنتاج والكتابة والتصوير... إلخ) ومؤسسات الجوائز السنوية ذات التاريخ والحجم المدوّيين كـ«غولدن غلوبز» و«بافتا» - وبالطبع - «الأوسكار».
أفلام حاضرة
يبلغ عدد الأفلام الموسيقية التي عرضت خلال العام الحالي في صالات السينما 11 فيلماً. الثلاثة المذكورة أعلاه («إن ذا هايتس» و«احترام» و«صيف صول») تبدو الآن كما لو كانت توطئة لما سيلي. ومنذ سبتمبر (أيلول) وغالبية هذه الأفلام تتجمع تحت مظلة كبيرة مدركة أنّ فيلماً واحداً منها فقط (أو ربما فيلمين) سيصل إلى نهاية الشوط بنجاح. من بين هذه الأفلام:
Tick‪…‬ Tick‪…‬ Boom‪!‬‬‬‬
«تِك… تِك… بوم!» مع أندرو غارفيلد وفينيسيا هدجنز في البطولة ومن إخراج لين - مانويل ميراندا. هو في الأصل مسرحية مستوحاة من أوبرا وضعها جياكومو بوتشيني عنوانها «البوهيمي». استنساخ الفكرة من الأصل إلى المسرح ومنهما إلى السينما لم يقض على الحبكة: فنان موسيقي سيحتفي بعد ساعات قليلة بعيد ميلاده الثلاثين. مناسبة لمراجعة أحلامه وما حققه منها وما زال غير محقق.
Annette
هذا الفيلم الفرنسي شهد عرضه الأول في مهرجان «كان» في أغسطس الماضي. ملهاة غنائية عاطفية من إخراج ليوك كاراكس وبطولة ماريون كوتيار وآدم درايفر. الجميلة والوحش كما يمكن تسميتهما، نظراً لأنّ درايفر هو الاختيار السيء هنا كمغنٍ، وليس كثير موهبة كممثل أيضاً. حكاية عاشقين، هي مغنية وهو كوميدي مسارح. هي تصعد وهو ينزل (كما الحال في «مولد نجمة») يرزقان بفتاة تغني من يومها الثاني ويختار لها المخرج أن تكون دمية.
West Side Story
إعادة صنع للفيلم الكلاسيكي المعروف (1961)، الذي حققه روبرت وايز حول عصابتين من شباب الحي واحدة لاتينية، والأخرى بيضاء تتنافسان على السيادة من ثمّ تتواجهان بعدما وقعت نتالي وود في حب جورج شاكيرس. هذا في النسخة الكلاسيكية التي تتميّز بتصاميم راقصة رائعة إلى اليوم. النسخة الجديدة يديرها ستيفن سبيلبرغ ويمنحها لمعة العصر الحالي، لكنّ مشاهدة الفيلم وحدها هي التي ستقرر مدى جودته.
Sing 2
هذا فيلم أنيميشن عن مجموعة من الحيوانات الظريفة التي تتنافس في حلبات غناء. النقاد لم يكترثوا كثيراً له، لكن هذا لا يعني أنّ الباب مغلق الآن عليه لدخول حلبة الأوسكار (سجل كذلك أكثر من 600 مليون دولار عالمياً). ربما سيدخل الأوسكار لكن ليس كأفضل فيلم بل كأفضل فيلم أنيميشن وكأفضل أغاني.
أوسكارات غنائية
في الواقع الأوسكار ليس غريباً عن أفلام الميوزيكالز والعكس صحيح. بعد «برودواي ميلودي» (الذي كان يستحق أوسكار أسوأ فيلم وليس أفضله)، منحت الأكاديمية أوسكارها سنة 1937، إلى فيلم آخر لم يكن بدوره أفضل الأعمال المتنافسة وهو «زيغيلد العظيم» لروبرت ليونارد.
بعد ذلك، في سنة 1944، ذهبت سبعة أوسكارات لفيلم من ساعتين عنوانه «ذاهب في طريقي» (Going My Way) للمخرج ليو مكّاري. فيلم جيّد حينها، والآن يبدو مترهلاً من بطولة بينغ كروسبي وباري فيتزجيرالد.
في سنة 1951 حصد «أميركي في باريس» لفنسنت مينيللي أيضاً، سبعة أوسكارات كأفضل فيلم وأفضل تصوير وأفضل تصميم وديكور لفيلم ملوّن، وأفضل تصميم ملابس، وأفضل موسيقى، وأفضل توليف، ثمّ أفضل مؤثرات خاصة، لكن مخرجه أخفق في نيل الأوسكار هذه المرّة.
حظ مينيللي كان أفضل سنة 1959. عندما نال أوسكار أفضل إخراج عن فيلمه «جيجي»، الذي أنجز كذلك أوسكار أفضل فيلم. قصّة فتاة شابة (لسلي كارون) على وشك قبول دخول بيت للمومسات قبل أن ينبري شاب (لويس جوردان) بإنقاذها بعدما وقع في حبها.
تكاثرت الأفلام الموسيقية في الستينات إذ تلا ذلك، في عام 1962 (أي بعد عام من إنتاجه)، «وست سايد ستوري» الذي استوحى من مسرحية ويليام شكسبير مادته حول العاشقين، الذي ينتمي كل منهما لعائلة تسودها الكراهية صوب العائلة الأخرى. هذا الفيلم نال عشرة أوسكارات في كل خانة نافس فيها باستثناء خانة أفضل سيناريو.
عام 1965. كان عام My Fair Lady الذي خرج بثمانية أوسكارات بينها أوسكار أفضل فيلم وأفضل تمثيل (ركس هاريسون) وأفضل ممثلة (جولي أندروز).
تلاه بعد سنة واحدة «صوت الموسيقى»، فيلم صادح آخر بمادة هشّة قاد بطولتها جولي أندروز وكريستوفر بلامر.
والمخرج - الممثل كارول ريد أنجز «أوليفر» عن رواية تشارلز ديكنز بعدما حوّلها إلى مغناة من بطولة رون مودي وشاني ووليس وأوليفر ريد حصدت خمسة أوسكارات سنة 1969.
في عام 2003 عادت أفلام الميوزيكالز لدخول المسابقات وموسم الجوائز، فتقدّم الفيلم الناجح نقدياً وتجارياً، «شيكاغو» لروب مارشال، قاطفاً ستة أوسكارات من أصل 13 ترشيحاً.
بطبيعة الحال فإنّ عدد الأفلام الموسيقية - الاستعراضية التي لم تفز بجوائز الأوسكار الأساسية على الأقل، أكبر من تلك التي فازت. في سنة 2003 تقدّم Charlie and the Chocolate Factory لتيم بيرتون منافساً، لكنه خرج بخفي حنين. Sing، الجزء الأول من Sing 2 الحالي، أخفق في سباق الأوسكار سنة 2017. وقبله في الستينات الصادحة لم يفز Chitty Chitty Bang Bang بما تمناه وأخفق في دخول أوسكار أفضل فيلم أو في دخول جوائز بافتا البريطانية المماثلة والـ«غولدن غلوبز» كذلك.
وأشهر الأفلام الحديثة التي دخلت الترشيحات فعلاً لكنها لم تحصد أفضل أوسكار، هو La La Land لداميان شازيل. هذا نافس فعلاً في 14 مجالاً وخرج بستة أوسكارات لكن لم يكن من بينها أوسكار أفضل فيلم.



«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.