الأفلام الموسيقية وصلت... لا بد أنّها نهاية السنة

تحتشد طمعاً بأوسكار أو بسواه

«إن ذا هايتس»
«إن ذا هايتس»
TT

الأفلام الموسيقية وصلت... لا بد أنّها نهاية السنة

«إن ذا هايتس»
«إن ذا هايتس»

تحتشد هذه الأيام مجموعة من الأفلام الغنائية والموسيقية التي اصطلح على تسميتها بـ«ميوزيكالز». التسمية العربية التي اختيرت لهذا النوع من الأفلام سابقاً هي «الاستعراضية». هكذا وصفتها إعلانات أفلام موسيقية عربية (من صنع خمسينات القرن الماضي) على نحو «شركة أفلام... تقدّم الفيلم الاستعراضي الكبير». كمثال فقط كان هناك «الحب الكبير» بطولة فريد الأطرش (1968)، و«شارع الحب» بطولة عبد الحليم حافظ، و«أبي فوق الشجرة» مع عبد الحليم حافظ أيضاً (1969)، و«خلي بالك من زوزو» تمثيل سعاد حسني (1972)، من دون أن ننسى أفلاماً من بطولة صباح ومحرّم فؤاد ومحمد فوزي... إلخ.
الغناء في الأفلام العربية يتجاوز كثيراً عدد الأفلام الاستعراضية. في زمن مضى كان معظم ما يخرج من استوديوهات القاهرة وشركات السينما في لبنان يحتوي على أغنية واحدة ورقصتين على الأقل. لكن نتيجة كل ذلك، أنّ الأفلام الاستعراضية والموسيقية العربية اختفت. ولهذا الاختفاء علاقة متينة بحقيقة هبوط مستوى المطربين الحاليين وانتشار الأغاني على النت وشاشات التلفزيون وغياب الرغبة في استعادة أيام السينما الذهبية.
ثلاثية مختلفة
في الغرب، وفي هوليوود أكثر من سواها، أفلام الغناء والاستعراض ما تزال موجودة ومتوفرة من عام لآخر. لم تتوقف منذ أن فاز «برودواي ميلودي» بأوسكار أفضل فيلم سنة 1930. حينها كانت السينما تعلّمت النطق والنتيجة الأولى بعد ذلك كانت فورة من أفلام الميوزيكالز استمرت لمعظم الثلاثينات والأربعينات. بعضها نال أوسكارات. بعضها نال ترشيحات وبعضها لم ينل شيئاً.
هذا الوضع هو ذاته إلى اليوم، خصوصاً مع اقتراب ترشيحات الأوسكار، علماً بأن بعض الأفلام الموسيقية تُطرح للتوزيع في الأشهر السابقة كذلك.
هذا العام مثلاً تم توفير In the Hights لجون م. شو في الشهر الخامس من السنة، وفي منتصف شهر أغسطس (آب)، طُرح فيلم Respect لليسل تومي، تلاه عن كثب، نسخة جديدة من حكاية «سندريللا» لكاي كانون. وفي الفترة ذاتها شاهدنا Summer of Soul لأمير تومسون.
هذه ليست أفلاماً مجتمعة في بوتقة واحدة. «إن ذا هايتس» (و«ذا هايتس» هو حي في مدينة نيويورك اسمه واشنطن هايتس)، هو اقتباس عن مسرحية نالت جائزة توني سنة 2008 تدور حول حي تسكنه غالبية من اللاتينيين ينبري كثيرون منهم للرقص في شوارع الحي الضيقة.
«احترام» هو سيرة حياة المغنية أريثا فرانكلين، والعنوان مشتق من أحد أشهر أغانيها. أما «صيف الصول» فهو تسجيلي عن «وودستوك» في حي هارلم أقيم في الستينات لكن الإعلام، يؤكد الفيلم، لم يسعَ لتغطيته.
شهر بعد شهر، إثر هذه الأفلام، تزدحم أفلام هذا النوع أكثر فأكثر لعلها تبقى في الذاكرة مع اقتراب موعد موسم الجوائز. ليس أنّ منتجيها لن يوزّعوا آلاف الأسطوانات (سكرينرز) على كل عضو لجنة أو جمعية أو مؤسسة ستنتخب أفضل أفلام العام، بل زيادة في الحرص على الوجود وسط الموسم الساخن الذي يتضمن جوائز جمعيات النقاد المتعددة وجوائز جمعيات المهن السينمائية (الإخراج والتمثيل والإنتاج والكتابة والتصوير... إلخ) ومؤسسات الجوائز السنوية ذات التاريخ والحجم المدوّيين كـ«غولدن غلوبز» و«بافتا» - وبالطبع - «الأوسكار».
أفلام حاضرة
يبلغ عدد الأفلام الموسيقية التي عرضت خلال العام الحالي في صالات السينما 11 فيلماً. الثلاثة المذكورة أعلاه («إن ذا هايتس» و«احترام» و«صيف صول») تبدو الآن كما لو كانت توطئة لما سيلي. ومنذ سبتمبر (أيلول) وغالبية هذه الأفلام تتجمع تحت مظلة كبيرة مدركة أنّ فيلماً واحداً منها فقط (أو ربما فيلمين) سيصل إلى نهاية الشوط بنجاح. من بين هذه الأفلام:
Tick‪…‬ Tick‪…‬ Boom‪!‬‬‬‬
«تِك… تِك… بوم!» مع أندرو غارفيلد وفينيسيا هدجنز في البطولة ومن إخراج لين - مانويل ميراندا. هو في الأصل مسرحية مستوحاة من أوبرا وضعها جياكومو بوتشيني عنوانها «البوهيمي». استنساخ الفكرة من الأصل إلى المسرح ومنهما إلى السينما لم يقض على الحبكة: فنان موسيقي سيحتفي بعد ساعات قليلة بعيد ميلاده الثلاثين. مناسبة لمراجعة أحلامه وما حققه منها وما زال غير محقق.
Annette
هذا الفيلم الفرنسي شهد عرضه الأول في مهرجان «كان» في أغسطس الماضي. ملهاة غنائية عاطفية من إخراج ليوك كاراكس وبطولة ماريون كوتيار وآدم درايفر. الجميلة والوحش كما يمكن تسميتهما، نظراً لأنّ درايفر هو الاختيار السيء هنا كمغنٍ، وليس كثير موهبة كممثل أيضاً. حكاية عاشقين، هي مغنية وهو كوميدي مسارح. هي تصعد وهو ينزل (كما الحال في «مولد نجمة») يرزقان بفتاة تغني من يومها الثاني ويختار لها المخرج أن تكون دمية.
West Side Story
إعادة صنع للفيلم الكلاسيكي المعروف (1961)، الذي حققه روبرت وايز حول عصابتين من شباب الحي واحدة لاتينية، والأخرى بيضاء تتنافسان على السيادة من ثمّ تتواجهان بعدما وقعت نتالي وود في حب جورج شاكيرس. هذا في النسخة الكلاسيكية التي تتميّز بتصاميم راقصة رائعة إلى اليوم. النسخة الجديدة يديرها ستيفن سبيلبرغ ويمنحها لمعة العصر الحالي، لكنّ مشاهدة الفيلم وحدها هي التي ستقرر مدى جودته.
Sing 2
هذا فيلم أنيميشن عن مجموعة من الحيوانات الظريفة التي تتنافس في حلبات غناء. النقاد لم يكترثوا كثيراً له، لكن هذا لا يعني أنّ الباب مغلق الآن عليه لدخول حلبة الأوسكار (سجل كذلك أكثر من 600 مليون دولار عالمياً). ربما سيدخل الأوسكار لكن ليس كأفضل فيلم بل كأفضل فيلم أنيميشن وكأفضل أغاني.
أوسكارات غنائية
في الواقع الأوسكار ليس غريباً عن أفلام الميوزيكالز والعكس صحيح. بعد «برودواي ميلودي» (الذي كان يستحق أوسكار أسوأ فيلم وليس أفضله)، منحت الأكاديمية أوسكارها سنة 1937، إلى فيلم آخر لم يكن بدوره أفضل الأعمال المتنافسة وهو «زيغيلد العظيم» لروبرت ليونارد.
بعد ذلك، في سنة 1944، ذهبت سبعة أوسكارات لفيلم من ساعتين عنوانه «ذاهب في طريقي» (Going My Way) للمخرج ليو مكّاري. فيلم جيّد حينها، والآن يبدو مترهلاً من بطولة بينغ كروسبي وباري فيتزجيرالد.
في سنة 1951 حصد «أميركي في باريس» لفنسنت مينيللي أيضاً، سبعة أوسكارات كأفضل فيلم وأفضل تصوير وأفضل تصميم وديكور لفيلم ملوّن، وأفضل تصميم ملابس، وأفضل موسيقى، وأفضل توليف، ثمّ أفضل مؤثرات خاصة، لكن مخرجه أخفق في نيل الأوسكار هذه المرّة.
حظ مينيللي كان أفضل سنة 1959. عندما نال أوسكار أفضل إخراج عن فيلمه «جيجي»، الذي أنجز كذلك أوسكار أفضل فيلم. قصّة فتاة شابة (لسلي كارون) على وشك قبول دخول بيت للمومسات قبل أن ينبري شاب (لويس جوردان) بإنقاذها بعدما وقع في حبها.
تكاثرت الأفلام الموسيقية في الستينات إذ تلا ذلك، في عام 1962 (أي بعد عام من إنتاجه)، «وست سايد ستوري» الذي استوحى من مسرحية ويليام شكسبير مادته حول العاشقين، الذي ينتمي كل منهما لعائلة تسودها الكراهية صوب العائلة الأخرى. هذا الفيلم نال عشرة أوسكارات في كل خانة نافس فيها باستثناء خانة أفضل سيناريو.
عام 1965. كان عام My Fair Lady الذي خرج بثمانية أوسكارات بينها أوسكار أفضل فيلم وأفضل تمثيل (ركس هاريسون) وأفضل ممثلة (جولي أندروز).
تلاه بعد سنة واحدة «صوت الموسيقى»، فيلم صادح آخر بمادة هشّة قاد بطولتها جولي أندروز وكريستوفر بلامر.
والمخرج - الممثل كارول ريد أنجز «أوليفر» عن رواية تشارلز ديكنز بعدما حوّلها إلى مغناة من بطولة رون مودي وشاني ووليس وأوليفر ريد حصدت خمسة أوسكارات سنة 1969.
في عام 2003 عادت أفلام الميوزيكالز لدخول المسابقات وموسم الجوائز، فتقدّم الفيلم الناجح نقدياً وتجارياً، «شيكاغو» لروب مارشال، قاطفاً ستة أوسكارات من أصل 13 ترشيحاً.
بطبيعة الحال فإنّ عدد الأفلام الموسيقية - الاستعراضية التي لم تفز بجوائز الأوسكار الأساسية على الأقل، أكبر من تلك التي فازت. في سنة 2003 تقدّم Charlie and the Chocolate Factory لتيم بيرتون منافساً، لكنه خرج بخفي حنين. Sing، الجزء الأول من Sing 2 الحالي، أخفق في سباق الأوسكار سنة 2017. وقبله في الستينات الصادحة لم يفز Chitty Chitty Bang Bang بما تمناه وأخفق في دخول أوسكار أفضل فيلم أو في دخول جوائز بافتا البريطانية المماثلة والـ«غولدن غلوبز» كذلك.
وأشهر الأفلام الحديثة التي دخلت الترشيحات فعلاً لكنها لم تحصد أفضل أوسكار، هو La La Land لداميان شازيل. هذا نافس فعلاً في 14 مجالاً وخرج بستة أوسكارات لكن لم يكن من بينها أوسكار أفضل فيلم.



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.