ذات الشاعر أمام أسئلة الراهن العربي

«منتدى أصيلة» يبحث في لغة الشعر

جانب من ندوة منتدى أصيلة
جانب من ندوة منتدى أصيلة
TT

ذات الشاعر أمام أسئلة الراهن العربي

جانب من ندوة منتدى أصيلة
جانب من ندوة منتدى أصيلة

بأي لغة يكتب الشعر العربي اليوم؟ سؤال مركزي كان في صلب النقاش الذي شهده اللقاء الشعري الثاني، المنظم، على مدى يومين، ضمن فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي الـ42، الذي أسدل الستار على فعالياته قبل يومين، بمشاركة مجموعة من النقاد والشعراء العرب.
انطلق اللقاء بجلسة افتتاحية أدارها الناقد المغربي شرف الدين ماجدولين، تخللتها مداخلات لكل من محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، والشاعر البحريني قاسم حداد، والشاعر الأردني زهير أبو شايب، والشاعر والروائي المغربي ياسين عدنان، تلتها جلسة مسائية، خصصت للقراءات الشعرية، أدراها قاسم حداد، بمشاركة الشاعر الفلسطيني غسان زقطان، وزهير أبو شايب، والشاعر المغربي المهدي أخريف، والشاعرة المصرية نجاة علي، والشاعرة المغربية إكرام عبدي، والشاعر المغربي حسن الوزاني. فيما تواصل اللقاء في يومه الثاني بجلسة نقدية ثانية ترأسها ياسين عدنان، بمشاركة الشاعر والباحث المغربي محمد حجو، والشاعرة والصحافية اللبنانية ليندا نصار، والشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري.
خلال جلسة الافتتاح، قدم ماجدولين للقاء بحديثه عن لحظة تأمل واحتفاء بفن طالما اعتبر فناً أول في الثقافة العربة الإسلامية. وبعد أن استحضر موضوع اللقاء الأول الذي تمحور حول المشهد الشعري العربي في مشهد ثقافي متحول، واصل تقديمه للقاء «لغة الشعر العربي اليوم»، طرح أسئلة تشكل المحاور الرئيسية للندوة: عن أي لغة نتحدث، إن كانت لغة واحدة، ولماذا اختار عدد كبير من الشعراء أن يكتبوا ضمن محلية ضيقة، ضمن لغات تخص مجتمعاهم، ولماذا اختاروا الانتماء إلى مجتمعات ثقافية عبر لغات أخرى، ثم انتمى كل هذا المنتج إلى ما يسمى بالشعر العربي اليوم، بشكل يمثل روافد تغني مشهداً واحداً؟
من جهته، استحضر بن عيسى عدداً من كبار الشعراء الذين شاركوا في فعاليات سابقة من موسم أصيلة، مشيراً إلى أن «الشعر سيظل ملاذ الإنسانية، وأن هذا اللقاء الشعري، كفسحة زمنية في برنامج الموسم، لا يغطي الخريطة الشعرية في العالم العربي والمهاجر، وأنه ليس تمثيلاً لكل الأصوات الشعرية والتجارب واللغات، بل إنه حلقة استثنائية يراد لها أن تكون أشمل وأكبر، بحيث تصبح تقليداً بالموسم على غرار ورشات الفنون التشكيلية».
وتحدث بن عيسى أيضاً عن عدد من المشاريع والاقتراحات التي ترمي إلى تأكيد مكانة الشعر ضمن فعاليات موسم أصيلة، مشيراً إلى فكرة «مشيخة الشعر»، التي قال إنها يمكن أن تكون ملتقى يتحدث فيه الشعراء ويقوده و«يُشيخ» عليه أحد كبار الشعراء.
أما قاسم حداد، فقال إن الشعر هو أصدق تاريخ للعرب، إذا نظرنا إليه كتراث تحت المعالجة النقدية، وليس تراثاً مقدساً، وأن اللغة نظام مؤلف من عدة مستويات، صوتية ونحوية ودلالية، وغيرها.
ورأى أن القصيدة هي متوالية لفظية تتكرر من خلالها العلاقات بين تلك المستويات المختلفة. فاللغة، هنا، هي مصدر الشعر وأفقه ومداه، «فأنت لا تصل إلى الشعر إلا بلغتك، بخصوصيتك اللغوية، لذا يتوجب عليك أن تتصرف شعرياً، كما لو أن اللغة هي ملكيتك الخاصة».
وأشار المحاض أن اللغة هي للعشق وليست للقداسة، وأن الإخلاص للغة لا يتمثل في تقديسها، لكن في حبها حد الاحترام دون تصعيدها حد التبجيل.
وختم حداد ورقته بملاحظتين تتخلص أولاهما في قوله إنه لا ينفي الموسيقى في الشعر والكتابة. فالموسيقى تتجاوز التفعيلة والوزن والبحور. أما الثانية فتتمثل في إشارته إلى أن الكلام لم يعد الآن عن الشاعر الوحيد الأوحد بوصفه مقياساً لغيره، بعد أن صارت اللغة الشعرية شخصية جداً، بحيث لا تجوز المقارنة بين الشعراء، من منطلق أن على كل شاعر، بلغته الخاصة، أن يقنع القارئ بأن ما يكتبه هو شعر بالفعل.
أما زهير أبو شايب، فأشار في بداية مداخلته إلى أن القصيدة تشبه كاتبها دائماً، وأن اللغة التي تكتب بها القصيدة العربية الراهنة هي ابنة الواقع الذي يعيشه شاعرها بكل ما فيه من أحلام وكوابيس وتشرخات وهموم وتشوهات وتشوفات.
ورأى أبو شايب أن الشعر العربي يقف اليوم في بؤرة الزلزال الجمعي ويرسم بجسده ولغته المضطربة صورة للفوضى والانهيارات التي تحدث، مشدداً على أنه «يبقى علينا أن نعترف بأن هذا الشعر، كما يكتب الآن، ليس بخير، وأن انهياراته وهدياناته ليست دليل عافية على الإطلاق، ولذلك علينا أن نعترف بأن عزوف المتلقي العربي عن هذا الشعر هو في أحد وجوهه موقف نقدي لا واع من هذا الشعر، وليس مجرد تعبير عن الخراب الثقافي العام الذي تعاني منه الأمة العربية».
وأضاف: «علينا أن ندرك بأن خطاب القصيدة هو مجرد تفصيل صغير من تفاصيل الخراب العام، وأن ظواهر التحلل والفساد وبلبلة اللسان التي تعتري الكتابة الشعرية العربية الآن، ليست من صنع الشاعر وحده، بل هي من صنع الذات الجمعية العربية برمتها».
وذهب أبو شايب إلى أن «تشريح الخراب يقتضي منا أن نقرأه بأناة وسعة صدر، وأن نكف عن الاكتفاء بإدانته والترفع عنه، وكأننا لا نتحمل مسؤولية وقوعه». لكنه استدرك بقوله إن هذا الشعر هو الشعر الوحيد الذي يشبهنا في اللحظة الراهنة، وبالتالي يبقى علينا أن نعيد قراءته بوصفه شاهداً على الخراب لا مشهداً من الخراب.
وشبه أبو شايب الشاعر العربي الحديث بالشاعر الجاهلي، «فهو شاعر طللي، يتحدث عن خرائبه اللغوية التي يقف عليها ويتهم بأنه صنعها، مع أن الزمن هو الذي صنعها، وأنه يهذي لا لكي يتم تقديس هذيانه، بل ليخبرنا عن الحمى التي تفتك بجسده الجمعي وتحول رؤاه إلى كوابيس؛ وأن ما يكتب اليوم من شعر طللي هو تعبير عن الخراب، لكنه مقدمة حتمية للعمران».
من جهته، انطلق ياسين عدنان من الأرضية التي تؤطر للقاء الشعري، مشدداً على وضعية السؤال، ومن ذلك هل يمكن الحديث اليوم عن شعرية عربية متعددة اللغات واللهجات، أم أن اللغة أصل كل شعرية؟ وهل تتطلب خصائص شعرية ما من خارج اللغة، أم تتحقق بعيداً عن معجمها، وبالتالي هل يمكننا اعتبار ما يكتبه اليوم الشعراء المغاربة، على سبيل المثال، جزءاً لا يتجزأ من الشعر العربي المعاصر، أم أن الإنتاج الشعري المغربي تتوزعه شعريات متعددة؟ ثم ماذا عن القصيدة الزجلية المعاصرة، وماذا عن الشعر المكتوب بالأمازيغية؟ وماذا نقول حين نسمع شاعراً بقيمة محمود درويش، يقول: «من لغتي ولدتُ/.../ من أنا؟ /.../ أنا لغتي أنا». وتساءل عدنان عن الذي يقصده درويش... هل يقصد اللغة العربية التي كتب بها دواوينه، أم لغته الشاعرة الفردية الخاصة التي يبدعها الشاعر من داخل اللغة الإطار؟
ورأى عدنان أن الشاعر لا يعثر على لغته «لقْـيَة في الطريق ولا يجدها خارج ذاته ولا خارج اللغة ذاتها»، فلغة الشاعر تدرك بالمكابدة وعبرها.
خلال الجلسة الثانية، ياسين عدنان، الذي أدار الجلسة، عن محاولة تلمس خصوصية الشاعر «في ذهابه الحر، الفردي والمرهف باتجاه لغة تحسب له أكثر مما تحسب باللغة، وتتشكل في قصيدته وعبر كلماته أكثر مما تتشكل عبر العام والمشترك الذي يغرف منه الشعراء».
من جهته، طرح د. محمد حجو في مداخلته قضية الغموض في الشعر، مشيراً إلى أنها مشكلة عند البعض ومعضلة عند البعض الآخر، كما أنها ظاهرة فنية وقيمة جمالية عند البعض الآخر، مشيراً إلى أنها طامة ليست بالصغرى حينما تركبها أصوات تعتمد الضجيج اللغوي والرنين النشاز بكلمات، تتوسل ترصيف وتركيب الكلام وحشوه، الخالي من أي حرارة دلالية تربط مكوناته وأطرافه.
وهو يرى بأن الغموض يمثل قيمة فنية يمكن أن يصيبها الشاعر في ارتباط بصدق تجربته، منتقداً ترصيف الكلام كما ترصف الأحجار، حيث يوهم الشاعر الناس أنه يبدع الشعر أو ينظمه.
من جهتها، تناولت الشاعر اللبنانية ليندا نصار اللغة الشعرية من زاوية بناء المجهول الجمالي، مستحضرة قولاً لمحمود درويش يرى فيه أننا نجد حلولنا في اللغة التي نصالح فيها ما لا يتصالح.
وقالت نصار إن الشاعر يفكر بوساطة اللغة «بوصفها إمكانية لفهم الذات وتعالقاتها بهوامش الواقع، وذلك بحثاً عن المجهول الجمالي الذي لا يدرك إلا بالرؤيات الحالمة، وأن الشاعر يترك علامات التشوير في قصائده التي تحتاج إلى قارئ بليغ قادر على فك الرموز، وما يتضمنه من خطابات ثقافية مدسوسة بخفة يد الساحر، في الحضور كما الغياب»، ومن هنا فإن اللغة، كما أضافت، «ترمم التاريخ المنسي فينا ومن حولنا».
من جهته، تناول الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري، اللغة بوصفها قضية جوهرية في الشعر اليوم. لكنه يرى أن هناك «بعض المخاطر التي تتهدد مستقبل الشعر، وأن أخطر واقعة جمالية، وبالنتيجة سياسية وثقافية، واجهت الشاعر العربي بعد ميلاد حركة الشعر الحر، تتمثل فيما سمي بجدار اللغة. وتهدد ثلاثة مخاطر، رأى أنها تتهدد لغة الشعر ومشروعها الجمالي، وهي الرقمنة والنمطية السائدة والشعر المترجم كيفما اتفق».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».