«منتدى أصيلة» يبحث مسألة العروبة وسؤال الآيديولوجيا السياسي

المشاركون لم يتفقوا على تعريفها وتساءلوا عن بدائلها

جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)
جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)
TT

«منتدى أصيلة» يبحث مسألة العروبة وسؤال الآيديولوجيا السياسي

جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)
جانب من ندوة «منتدى أصيلة» حول العروبة (الشرق الأوسط)

عدّ مشاركون في ندوة «منتدى أصيلة» الثالثة حول موضوع «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، التي تواصلت أشغالها، أول من أمس، بأصيلة، في جلسات يومها الثاني والأخير، أن تعريف العروبة قد لا يتم الاتفاق بشأنه، بيد أنهم تساءلوا: «هل اتفقنا على بدائل لها؟ وهل هذه البدائل أفضل وأسلم... الشيء الذي يجعل منها أفضل ما لدينا؟».
واستحضر المشاركون في معرض تناولهم لخلفيات ومآلات الهوية والانتماء القومي في الفكر العربي المعاصر، ومسارات واتجاهات النظام العربي والبيئة الدولية والإقليمية الشرق أوسطية، أوضاع العروبة باعتبارها لساناً وهوية وثقافة بعيداً عن الآيديولوجيا.
في سياق ذلك، قال الكاتب المغربي أحمد المديني في جلسة «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، إن العروبة ربما تكون هي هذا الحطام الكائن المنتهي، مشيراً إلى أن مواطنيها والمنتمين إليها وُلِدوا عروبيين بالفطرة، رغم اختلاف الأشكال والقوالب، إلا أنها تكبر وتترعرع فيهم.
وعدّ المديني العروبة بالنسبة إليه ولجيله معركة التحرير الوطني بعد الاستقلال، وكذا الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية كجزء من المشروع الوطني، الذي يمثل أيضاً مشروع الأحزاب الوطنية والديمقراطية.
وذكر المديني أن عروبة الأنظمة العربية التي تلتقي في مؤتمرات للقمة تختلف عن عروبة الشعوب، التي تبدو ثقافية متطلعة لإحداث تغييرات.
من جهته، انطلق راشد صالح العريمي، الأمين العام السابق لجائزة الشيخ زايد للكتاب ورئيس تحرير جريدة «الاتحاد» سابقاً، من القول بأن العربية هي لسان وهوية وثقافة بعيداً عن الآيديولوجيا، سواء كانت قومية أو إسلامية، متسائلاً عن سبب ظهور التمايز بين العربية والعروبة.
واستحضر العريمي بدايات النهضة العربية، وما تلاها من تحولات، متوقفاً عند الجدل الذي تناول سؤال العروبة في علاقة بالقومية والدين، ومشيراً إلى أنه إذا كانت فكرة المجال القومي العربي قد مزجت بين عروبة اللسان والثقافة والوحدة السياسية، فإن التيارات والأحزاب السياسية قد بلورت مشاريع للوحدة العربية جربت خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وزاد العريمي موضحاً أن هزيمة 1967 ضربت العروبة السياسية في الصميم، لأن الذين كانون يقودونها في مصر وسوريا هم من تلقى عبء الهزيمة بدرجة أساسية، مشيراً إلى أن اليسار العربي، ورموز القومية العربية، أخفق في حرب النكسة، الشيء الذي أعطى مساحة للتيار الإسلامي لكي يعود إلى تأكيد دور الدين الإسلامي كمقوّم من مقومات الوحدة العربية، لكنه ما لبث أن تمدد واتسع خارج البلاد العربية، وبدأت تنظيماته تطرح نفسها كتنظيمات عابرة للدول وللقوميات، قبل أن تأتي فترة ما سمي بـ«الربيع العربي» لتكشف حقيقة هذه التنظيمات.
ورأى العريمي أن كل الدول العربية اليوم هي دول وطنية مكتملة، فيما لم تعد العروبة السياسية مطروحة على أي صعيد، لكنها ظلت لساناً وهوية وانتماء. قبل أن يعود للتأكيد على أن العروبة السياسية انتهت منذ عقود، من دون أن يتخلى أي طرف عن عروبة اللسان والهوية والثقافة.
كما تطرق العريمي إلى حديث المآلات، قبل أن يختم قائلاً: «كما أننا أبناء التاريخ فنحن أبناء اليوم أيضاً، وبالتالي فإذا كنا نريد البقاء في هذا العالم، فينبغي أن نكون ونبقى مع اللسان والانتماء العربي والدولة العربية الوطنية المعاصرة».
من جهته، رأى حاتم أحمد الصريدي، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة البحرين، أن الهوية العربية تعيش أزمة عميقة تتأرجح بين التشويش المستمر على الهوية الثقافية العربية، والتراجع والاضمحلال للانتماء القومي العربي، بسبب ما تلعبه وسائل الإعلام والاتصال العالمية من دور مؤثر وخفي في تعميق هذه الأزمة.
وتساءل الصريدي عن مدى استفادة العرب من وسائل الإعلام والاتصال، ومدى توظيفها في الدفاع عن الهوية العربية وترسيخ الانتماء القومي.
وخلص الصريدي إلى القول: «إننا نعيش اليوم حرباً ثقافية وحضارية جديدة أكثر ضراوة من أي وقت مضى، تسعى إلى تهميش الهوية وزعزعة الانتماء الوطني، فيما الأسلحة المستخدمة فيها هي أسلحة ذكية غير مرئية تجعل من الفوضى أبرز آلياتها».
من جهته، لاحظ الكاتب والباحث الموريتاني عبد الله ولد أباه، أن المشروع القومي العربي يعاني اليوم من مصاعب كثيرة، نتيجة لأن هذا الأفق السياسي لم يعد فقط يضيق، بل يتفكك ويتلاشى داخل البنية الاجتماعية.
وفي ثاني جلسات الندوة، ركزت إلهام كلاب، رئيسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في لبنان، على شخصية بطرس البستاني، على اعتبار أنه عمل على العروبة الثقافية والعروبة اللغوية، كما لم تغب عن فكره يوماً فكرة الوطنية والقومية، فتميز بالشمولية في الرؤية والمصداقية في القول والعمل، مؤكدة أهمية التعلُّم والمعرفة واللغة والمدارس في برنامج تنموي ونهضوي متواصل. وخلصت إلى القول إن البستاني انتقد أبناء العرب الذين يتفاخرون بما أنتجه الأجداد، دون النظر إلى ما يحققونه هم.
أما محمد المعزوز، الأستاذ الجامعي المغربي وعضو الهيئة العليا للاتصال المسموع والمرئي، فانطلق من حديث تعطيل الهوية الثقافية من أجل تعطيل الإحساس بالانتماء الذي تؤطره فكرة العروبة. وأشار إلى القطائع التي حدثت في الوعي النهضوي العربي، قبل أن يتساءل إن كانت الدعوة إلى الديمقراطية من أجل الحفاظ على العروبة، وتحقيق القومية هي دعوة سليمة من الناحية العلمية.
وأعطى المعزوز أمثلة عن القطعية التي حدثت في الفكر الإصلاحي النهضوي بفعل تغييب البعد العلمي. وبعد أن استحضر تنبيه المفكر المغربي عبد الله العروي إلى تضخم المقاربة السياسية لدى القوميين العرب، تساءل المعزوز: «هل نحن بحاجة اليوم إلى السؤال الآيديولوجي السياسي الذي أصابنا كالفيروس لمدة طويلة أم إلى السؤال الإبستيمي المعرفي، وكيف نكون عرباً أمام تحدي الثورة الصناعية الرابعة ووسائل التكنولوجيا بتعددها؟».
بدوره، تحدث الإعلامي المصري حسام السكري، المدير السابق لقناة «بي بي سي - عربي»، عن صعوبة الإجابة عن سؤال «العروبة إلى أين؟»، إذا لم نكن نعرف ما هذه العروبة، ومن هم العرب وأين هم وكيف هم؟ ثم تساءل عن «ما الذي تحققه هذه العروبة للمواطن البسيط؟»، قبل أن يشير إلى أننا صرنا أمام هوية متجددة، ربما تتطور في المستقبل إلى شيء آخر، ربما هوية إنسانية.
من جانبه، أشار كايد هاشم، نائب الأمين العام للشؤون الثقافية لمنتدى الفكر العربي، في معرض مداخلته خلال الجلسة المسائية الثالثة، إلى أن المشكلات التي نشأت عن ضعف الانتماء واضطراب الهوية «ما زالت تعمق التبعية والتجزئة والتخلف، مما يجعل صورة المستقبل ضبابية، خاصة مع فقدان التواصل بين مكونات الشخصية الحضارية، وقصور الإعلام عن تقديم رؤية وخطاب متفاعل مع المجتمعات وقضاياها، يؤكد هوية هذه المجتمعات ومرجعياتها الفكرية وقيمها الثقافية».
من جهته، انطلق الكاتب الصحافي اللبناني إياد أبو شقرا من الإقرار بأنه «ما عاد لنا ما يمكن وصفه بنظام عربي»، ملاحظاً أن كياناتنا العربية حين لا تتمزق من الداخل يثير مغامرون أزمات حدود ونزاعات مطامع مع الأهل والجيران، بل حتى هذه الأزمات والنزاعات تقزمت كثيراً أمام أطماع القوى الإقليمية غير العربية التي ألفت فينا، حسب قوله، ضعفاً مقيماً، فتجرأت علينا.
ورأى أبو شقرا أن مواصلة الهروب إلى الأمام، والبناء على رمال متحركة، لن تعطي النتيجة المتوخاة، قبل أن يخلص إلى القول: «إننا قد لا نتفق على تعريف قاطع للعروبة، لكن هل اتفقنا على بدائل لها؟ وهل هذه البدائل أفضل وأسلم، الشيء الذي يجعل من العروبة أفضل ما لدينا، ولذلك تستحق الإنقاذ؟».
أما الكاتب والباحث العراقي رشيد الخيون، فركز على مكانة غير العرب، من أكراد وتركمان وغيرهم داخل المنطقة العربية، حين يتم التعاطي مع العروبة كآيديولوجيا وسلطة. قبل أن يختم بالتمييز بين الإسلام السياسي العابر للجغرافيا وللوطنية، والوطنية العابرة للهويات.



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.