جهود لتطويق تدهور العلاقات اللبنانية ـ الخليجية

TT

جهود لتطويق تدهور العلاقات اللبنانية ـ الخليجية

كشف مصدر سياسي لبناني بارز أنْ لا صحة لكل ما نُسب إلى الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي، بأنه اقترح في جولته على رؤساء الجمهورية ميشال عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نجيب ميقاتي، ووزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب، لاستيعاب تداعيات الأزمة التي تحاصر العلاقات اللبنانية - الخليجية والتي تسبب بها وزير الإعلام جورج قرداحي في إساءته إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، الطلب من قرداحي الاستقالة كإجراء لرأب الصدع بين لبنان ودول الخليج العربي، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أنه لم يسمح لنفسه بالتقدُّم بمثل هذا الاقتراح.
وعزا المصدر السياسي السبب إلى أن النظام الداخلي لجامعة الدول العربية لا يجيز لها التدخُّل في النظم الداخلية للدول العربية، وهذا ما حرص عليه زكي في جولته على الرؤساء الثلاثة، وقال إنه لم يحمل معه إلى بيروت أي مبادرة لتسوية الأزمة القائمة بين لبنان ودول الخليج، وأنه حضر إلى بيروت في مهمة استطلاعية واستكشافية استمع خلالها إلى وجهات نظر القيادات اللبنانية الرسمية للوقوف على ما لديها من أفكار يمكن أن توقف تدهور العلاقات اللبنانية - الخليجية وتفتح الباب أمام تحرُّك جامعة الدول العربية.
ولفت المصدر نفسه إلى أن الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أوفد مساعده إلى بيروت لأنه لا يمكن البقاء مكتوف اليدين حيال أزمة العلاقات التي أخذت تتصاعد بوتيرة عالية وبالتالي لا بد من أن تتحرك الجامعة في محاولة لاستيعابها لمنعها من أن تصل إلى مرحلة اللاعودة، وبالتالي هناك ضرورة لتطويقها.
ورأى أن الجامعة وإن كانت تسعى جاهدة لقطع الطريق على ارتفاع منسوب تصدُّع العلاقات اللبنانية - العربية، فإنها في المقابل تتصرف على أن الإساءة التي تسبب بها قرداحي لم تكن وراء تدهورها وإنما زادت في الطين بلّة وأدت إلى تعميق الجروح، وأضافت تراكمات جديدة إليها لأن الأزمة بدأت منذ سنوات من دون أن تتحرك الدولة لتنقيتها من الشوائب بدلاً من أن تطلق يد «حزب الله» في تعميق الجروح، ليس في استعصائه على سياسة النأي بالنفس فحسب، وإنما لتحويل لبنان إلى منصّة أراد منها استهداف دول الخليج وعلى رأسها السعودية.
ورأى أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة التي لم تحرّك ساكناً حيال الشكاوى المرفوعة إليها من دول الخليج وتبادر إلى ترسيم الحدود السياسية لـ«حزب الله» لدفعه للانكفاء إلى الداخل بدلاً من أن يتمدّد إلى الإقليم ويشكّل رأس حربة لزعزعة الاستقرار في دول الجوار لما يملكه من فائض قوّة يضعه بتصرف محور الممانعة بقيادة إيران.
وأكد أن زكي استعرض في لقاءاته الرئاسية ملف العلاقات اللبنانية - الخليجية والأسباب المزمنة التي كانت وراء تدهورها، وقال إن تصويبها وتصحيحها لا يقع أبداً على عاتق الرئيس ميقاتي بعد أن بادر إلى وضع خريطة الطريق التي يمكن أن تشكّل كوّة لفتح ثغرة في الحائط المسدود الذي وصلت إليه العلاقات للانطلاق منها لإعادتها إلى مجراها الطبيعي بعد أن وصلت إلى المربع الأول.
وأضاف المصدر نفسه أن ميقاتي يُدرك جيداً ماذا يريد، وهو تقدَّم بمقترحات لوقف تدهور العلاقات والتأسيس على خريطة الطريق لتنفيس الاحتقان وبدء حوار جدي ينطلق من التوافق على مقاربة لبنانية لطمأنة دول الخليج بتصحيح الاختلال الذي أصابها وكان وراء تدهورها.
وأوضح أن لقاء زكي مع عون بقي تحت سقف النيات الحسنة التي أظهرها الأخير لتصويب العلاقات من دون أن يتقدّم بأفكار ملموسة لتصحيحها بخلاف ميقاتي الذي أبدى تمسّكه بخريطة الطريق التي أعلن عنها كأساس لوقف التدهور والشروع في حوار يكفل إعادتها إلى ما كانت عليه وتحديداً قبل سنوات من عمر الأزمة التي لا تعالَج بإصدار البيانات ولا بالمواقف الإعلامية وإنما بتدابير ملموسة لإعادة بناء الثقة المفقودة فيما يندفع «حزب الله»، كما يقول الفريق المعارض له، نحو عزل لبنان عن محيطه العربي وتحويله إلى جزيرة سياسية مناوئة له.
وأكد أن رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، هو أول مَن رفع الصوت عالياً لمنع عزل لبنان عن محيطه العربي، وكان السبّاق في التوجّه من «حزب الله» بموقف واضح بعد أن خرق، حسب الفريق المعارض، القواعد التي اتّبعها «التقدمي» لتنظيم الاختلاف معه على خلفية التزامه بسياسة ربط النزاع التي يلتزم بها تيار «المستقبل» في تعاطيه مع الحزب انسجاماً منه بالحوار الذي رعاه بري ولم يعد قائماً الآن.
وكشف أن زكي نصح مَن التقاهم في مهمته الاستطلاعية بأن يبادروا إلى وضع مقترحات على الطاولة يراد منها الدخول في مرحلة تصويب العلاقات اللبنانية - الخليجية، وقال إن بلورتها تتوقف على مدى استعداد عون لتطوير موقفه باتجاه التناغم مع ميقاتي لإدراجها على جدول أعمال تسوية الأزمة بما يسمح للجامعة العربية بالتدخُّل لرأب الصّدع، لأن من دونها ليست على استعداد لأن تبيع دول الخليج مواقف إعلامية وسياسية لا تُصرف لاستيعاب الأزمة ولا يمكن تسويقها.
وأكد أن لبنان يقف حالياً أمام مرحلة سياسية جديدة غير تلك التي كانت قائمة قبل إساءة قرداحي للسعودية ودولة الإمارات. وقال إن من معالمها اشتداد الصراع السياسي بين مشروعين، الأول يتصدى لعزل لبنان عن محيطه العربي، والآخر يتصدّره «حزب الله» باتّباعه سياسة الاستقواء على خصومه وصولاً إلى استثماره لفائض القوة التي يتمتع بها للإمساك بالورقة اللبنانية وتجييرها لصالح إيران لتحسين شروطها في ملف المفاوضات النووية.
لذلك فإن ميقاتي لن يتزحزح عن موقفه وسيبقى صامداً ولن يرضخ، كما يقول المصدر، لحملات الابتزاز والتهويل، وأن وجوده على رأس الحكومة بات أكثر من ضرورة ولن يسمح بإلغاء الانتخابات النيابية أو تعطيلها، وهو يصر على إنجازها قبل انتهاء ولاية البرلمان في 21 مايو (أيار) المقبل، خصوصاً أن المجتمع الدولي لن يتساهل حيال ترحيلها، وهو يستعد لتدعيم موقفه بإصدار دفعة من التحذيرات ذات النبرات العالية لسحب تعطيلها من التداول.
وعليه، فإن ميقاتي وإن كان ليس في وارد الاستقالة والثبات على موقفه فهو في المقابل يدعو من يتمسك ببقائها لإخراج حكومته من التعطيل، خصوصاً أنه لا مجال لمقايضة الدعوة لتنحي المحقق العدلي في جريمة مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار عن متابعته التحقيق في هذا الملف وإن كان يصر على تصويب مسار التحقيق بتخلّيه عن الاستنسابية والانتقائية في ادعاءاته على 3 نواب حاليين ووزير سابق.
كما أن عدم المقايضة بين استقالة قرداحي أو إقالته وبين ضرورة قيام الدولة بخطوات ملموسة لتصحيح العلاقات اللبنانية - الخليجية بذريعة أن إخراجه من الحكومة يكفي لإنهاء الأزمة، هو ما حاول أن يوحي به أحد الذين التقاهم زكي، الذي تجنّب الدخول فيه باعتبار أن الأزمة مزمنة وتتجاوز استقالة وزير وتستدعي اتخاذ إجراءات ملموسة تعبّد الطريق أمام قيام الجامعة العربية بدور لرأب الصدع.



خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.