«الجدار»... أحدث أسلحة الحرب ضد «المهاجرين» حول العالم

ترصد تنامي الظاهرة من «سور ترمب» إلى أسوار تركيا وباكستان وبولندا... مروراً بـ«جدار الفصل» الإسرائيلي... و«بوابات بلفاست»

مهاجرون يتجمعون قرب سياج من أسلاك شائكة بمنطقة غرودنو في بيلاروسيا محاولين العبور إلى بولندا أمس (رويترز)
مهاجرون يتجمعون قرب سياج من أسلاك شائكة بمنطقة غرودنو في بيلاروسيا محاولين العبور إلى بولندا أمس (رويترز)
TT

«الجدار»... أحدث أسلحة الحرب ضد «المهاجرين» حول العالم

مهاجرون يتجمعون قرب سياج من أسلاك شائكة بمنطقة غرودنو في بيلاروسيا محاولين العبور إلى بولندا أمس (رويترز)
مهاجرون يتجمعون قرب سياج من أسلاك شائكة بمنطقة غرودنو في بيلاروسيا محاولين العبور إلى بولندا أمس (رويترز)

جدران. أسوار. سواتر. أسلاك شائكة. حواجز. بوابات... تعابير مختلفة، لكنها تصبّ في المعنى نفسه: «الفصل» بين شيئين. تاريخياً، كان الهدف منها التصدي للغزوات الأجنبية. في العصر الحديث تنوعت الأهداف. أحياناً كان هدفها فصل المتخاصمين عن بعضهم بعضاً. أحياناً أخرى، كان الهدف «سجن» المواطنين داخل بلدهم. أما اليوم فقد باتت «موضة» منتشرة حول العالم، بعدما حوّلتها دول عديدة إلى أحدث أسلحة التصدي لما يصفه بعضهم بـ«غزو خارجي» لا يتم على أيدي جيوش أجنبية، كما في الماضي، بل عبر جحافل من «المهاجرين».
هذا التقرير يسلّط الضوء على بعض «جدران الفصل» الكثيرة حول العالم، عارضاً نجاحاتها وإخفاقاتها...

كان المشهد في بلفاست صادماً حقاً، لا سيما للبناني عاش سنوات الحرب الأهلية على خطوط التماس التي فصلت بين شطري بيروت. فكما كان الانقسام اللبناني يحمل طابعاً طائفياً إلى حد كبير، بين شطر بيروت الشرقي، المسيحي في غالبه، وشطر بيروت الغربي، المسلم في غالبه، كذلك كان المشهد في عاصمة آيرلندا الشمالية في تسعينات القرن الماضي. هنا أيضاً كان الانقسام طائفياً، لكنه كان بين المسيحيين أنفسهم: البروتستانت الذين يريدون بقاء آيرلندا الشمالية جزءاً من المملكة المتحدة وبالتالي جزءاً من التاج البريطاني، وبين الكاثوليك الذين يريدون توحيد الجزء الشمالي من الجزيرة مع شطرها الجنوبي، جمهورية آيرلندا.
الانقسام في شطري بيروت عبّرت عنه «خطوط تماس» تكرّست خلال سنوات الحرب. كانت في الغالب عبارة عن شوارع محصّنة على جانبيها وعلى الطرقات المتفرعة منها بسواتر ترابية أو خرسانية مرتفعة أو بقايا حافلات نُصبت فوق بعضها بعضاً للفصل بين منطقتين متجاورتين، لكنهما مختلفتان طائفياً، كعين الرمانة المسيحية والشياح المسلمة. وفي الواقع، كرّست خطوط التماس تلك الفصل بين السكان الذين لم يكن بإمكانهم الوصول إلى مناطق «خصومهم» سوى عبر نقاط عبور قليلة «تخترق خطوط الفصل»، كمعبر المتحف الشهير بين البيروتيين.
«خطوط التماس» في بلفاست كانت مختلفة إلى حد ما. هنا، «جدار الفصل» كان جداراً بحق، يمتد على مدى كيلومترات عدة، بارتفاع يصل إلى أكثر من خمسة أمتار، مع بوابات تُغلق ليلاً لئلا يتسلل الكاثوليك إلى أحياء جيرانهم البروتستانت، أو بالعكس، ثم يُعاد فتحها مع طلوع صباح اليوم التالي. كان هذا هو الوضع منذ أغسطس (آب) 1969، عندما أقيم جدار أمني في بلفاست يفصل «القوميين» الكاثوليك في ضاحية «فولز رود» عن جيرانهم «الوحدويين» البروتستانت في ضاحية «شانكيل رود»، تماماً كما هو الحال بين «الجيران» اللبنانيين في الشياح وعين الرمانة مثلاً.
تمكّن «اتفاق الجمعة العظيمة» الذي أُبرم عام 1998 بهدف جلب السلام إلى آيرلندا الشمالية، من تهدئة العلاقات إلى حد كبير بين «الجيران – الخصوم»، لا سيما بعد تفكيك أسلحة «الجيش الجمهوري الآيرلندي» (الكاثوليكي) وتشكيل حكومة محلية تضم طرفي النزاع. إلا أن «جدران الفصل» بين مناطق الكاثوليك والبروتستانت ما زالت قائمة حتى اليوم؛ إذ تفيد استطلاعات رأي بأن غالبية من السكان ترى ضرورة بقائها لتفادي حصول احتكاكات بين الأطراف المتخاصمة. وكان العام 2019 قد شهد بادرة تدل على تكرّس التهدئة بين «الجيران» المختلفين دينياً في بلفاست، إذ تم نصب «بوابة» فصل جديدة في شارع «تاونساند ستريت»، وهو شارع فرعي يربط بين «فولز رود» (الكاثوليك) و«شانكيل رود» (البروتستانت). كانت البوابة الجديدة «شفافة» تسمح برؤية ما يقع وراءها، وتم بناؤها قرب «البوابة الصلبة» الفولاذية التي تفصل الضاحيتين، وهي تُفتح في السابعة صباحاً ثم تقفل مع حلول المساء، وتبقى مقفلة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وفي الواقع، يمثّل معبر «تاونساند ستريت» مثالاً واحداً على «جدران الفصل» بين المتخاصمين الآيرلنديين الذين يسمونها «خطوط السلام» كونها تمنع الحرب. وتشير تقديرات إلى أن هناك ما يقرب من 116 من «حواجز الفصل» حالياً بين الكاثوليك والبروتستانت في آيرلندا الشمالية، يتركز معظمها في بلفاست، لكنها تنتشر أيضاً في منطقتي ديري وكو آرماه.
عادت «بوابات الفصل» بين الآيرلنديين إلى الذاكرة مع عودة «خطوط التماس»، ولو لفترة وجيزة أخيراً، بين عين الرمانة والشياح في بيروت، ومع انتشار ظاهرة بناء الأسوار والجدران والحواجز بهدف «الفصل» بين منطقة وأخرى. وفي حين أن البوابات الآيرلندية والسواتر المحصنة اللبنانية كانت تهدف إلى «فصل» المتحاربين عن بعضهم بعضاً ومنع دخول طرف إلى منطقة طرف آخر، فإن «موضة» أسوار الفصل الحديثة هدفها إلى حد كبير هذه الأيام منع عبور «غرباء» من منطقة إلى أخرى. الغرباء في أوروبا وأميركا هم بالطبع المهاجرون. شيّد الرئيس السابق دونالد ترمب «جداراً» ضخماً بهدف صدهم على طول حدود الولايات المتحدة مع المكسيك. يبني البولنديون بدورهم جداراً على حدودهم مع بيلاروسيا بهدف صد المهاجرين الذي يحاولون طرق بوابات الاتحاد الأوروبي من حدوده الشرقية. وللهدف نفسه؛ تبني تركيا حالياً جداراً ضخماً على حدودها مع إيران. إسرائيل بدورها تشيّد جدراناً وأسواراً بهدف فصل الفلسطينيين عن مناطق سيطرتها، سواء في قلب الضفة الغربية أو حول قطاع غزة. إسبانيا، كذلك، شيّدت أسواراً حول جيبيها في شمال المغرب، سبتة ومليلية؛ في محاولة لصد موجات المهاجرين الحالمين بالوصول إلى أوروبا. وحتى باكستان المتهمة بالتعاطف مع حركة «طالبان» الأفغانية، تبني بدورها سورا على «خط دوراند» الذي يفصلها عن أفغانستان في قلب مناطق البشتون على جانبي الحدود.
هل تنفع هذه الأسوار والجدران والحواجز في تحقيق الغاية منها؟ «سور ترمب» نجح كما يبدو في خفض منسوب الهجرة عبر الحدود مع المكسيك. «سور الفصل العنصري» ساهم بدوره، كما يقول الإسرائيليون، في خفض العمليات التي كان يقوم بها الفلسطينيون داخل إسرائيل قبل بناء السور. سبتة ومليلية نجحتا في خفض محاولات الهجرة، بالتعاون بالطبع مع السلطات المغربية. أسوار بولندا وتركيا وباكستان لم ينته بعد تشييدها، وبالتالي ربما ما زال مبكراً الحكم عليها.

- «سور ترمب»
كان بناء سور على الحدود المكسيكية أحد المحاور الأساسية لحملة دونالد ترمب الانتخابية عام 2016. التزم ترمب تنفيذ وعده بعد وصوله إلى البيت الأبيض، عام 2017، ودفع باتجاه بناء جدار يمتد عبر حدود ولايات كاليفورنيا، أريزونا، نيو مكسيكو وتكساس، متعهداً أن يجعل المكسيك تدفع ثمن تكاليف تشييده، وهو أمر رفضته هذه الدولة. وفي الواقع، كان هناك قرابة 1000 كلم من الحدود الأميركية مع المكسيك بها أنواع مختلفة من الحواجز العازلة قبل وصول ترمب إلى سدة الحكم. لكن في عهده تم مد جدار بطول 727 كلم ليحل إلى حد كبير محل الحواجز الحدودية التي كانت موجودة أصلاً والتي وصفها ترمب بأنها «قديمة وبلا قيمة».
نجح الجدار في السنة الأخيرة من حكم ترمب في خفض تدفق اللاجئين عبر الحدود مع المكسيك. إلا أن الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن وعد بأنه لن يبني «خطوة واحدة» إضافية في الجدار، معارضاً استخدام أموال رصدها الرئيس السابق من موازنة وزارة الدفاع لتمويل تشييده. وليس واضحاً اليوم ماذا سيحل بالجدار الذي تتراوح تقديرات تكاليف بنائه بين 15 مليار دولار و40 مليار دولار.

- الجدار التركي مع إيران
تعزز تركيا حالياً حدودها مع إيران بجدار ضخم يضم قطعاً خرسانية بعلو ثلاثة أمتار؛ بهدف التصدي لتدفق اللاجئين، خصوصاً الأفغان في الفترة الأخيرة التي تلت سقوط النظام في كابل في أيدي حركة «طالبان». وأنجزت تركيا حتى الآن بناء 155 كلم من الجدار العازل المفترض أن يمتد بطول 241 كلم مقابل حدودها الشرقية مع إيران. ويقول الرئيس رجب طيب إردوغان، إن بلاده لن تكون «مخزن اللاجئين» نيابة عن أوروبا، علماً بأن بلاده تؤوي أعداداً ضخمة من اللاجئين السوريين، وهو يحصل على مليارات الدولارات من الاتحاد الأوروبي لقاء إيوائهم ومنع تدفقهم نحو أوروبا، كما حصل قبل سنوات.

- جدار باكستاني مع أفغانستان
تقول باكستان اليوم، إنها أنجزت تشييد 90 في المائة من ساتر على حدودها مع أفغانستان. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الكولونيل رضوان نذير، المسؤول العسكري الباكستاني الذي كان يتحدث لصحافيين أجانب في طورخام (منطقة خيبر الحدودية)، في أغسطس الماضي، أن الجيش الباكستاني انتهى بالفعل من إقامة 90 في المائة من سياج مقرر على الحدود مع أفغانستان، متعهداً الانتهاء من عملية تشييد الـ10 في المائة المتبقية بحلول نهاية السنة. وهدف باكستان من بناء السياج هو منع هجمات المتشددين التي تتم عبر الحدود. وعملية بناء السياج الحدودي بدأت في الواقع منذ عام 2017 على طول الحدود مع أفغانستان والتي تمتد 2611 كلم وهي الحدود المعروفة بـ«خط دوراند».
والسور الحدودي بين البلدين يتألف من مجموعتين من السلاسل المترابطة من الأسوار تفصل بينهما مسافة تبلغ مترين مملوئين بلفائف من الأسلاك الشائكة. ويبلغ علو كل سور قرابة 4 أمتار. وبالإضافة إلى ذلك، ينصب الجيش الباكستاني كاميرات مراقبة لرصد أي محاولة لاختراق الحدود. ولا تعترف أفغانستان بالحدود مع باكستان كونها تفصل مناطق البشتون عن بعضها بعضاً. وليس واضحاً بعد كيف ستتعامل حركة «طالبان» بعد وصولها إلى السلطة في كابل، مع هذه الحدود مع باكستان.

- سور بولندي على حدود بيلاروسيا
بدورها، تقوم بولندا ببناء جدار مثير للجدل على حدودها الشرقية مع بيلاروسيا، في رد على تدفق موجة غير مسبوقة من المهاجرين، ومعظمهم من الشرق الأوسط وأفغانستان.
وتقدّر تكاليف السور بنحو 353 مليون يورو، ومن المخطط أن يمتد على مسافة تزيد على 100 كلم على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي. ومنذ أغسطس الماضي، يتدفق آلاف المهاجرين عبر حدود بيلاروسيا نحو بولندا العضو في الاتحاد الأوروبي. ويتهم الاتحاد حكومة الرئيس الكسندر لوكاشينكو في مينسك بترتيب تدفق المهاجرين رداً على العقوبات الأوروبية التي فُرضت ضد نظامه في أعقاب الانتخابات المثيرة للجدل التي فاز فيها بولاية جديدة وأيضاً رداً على قمع نظامه للمعارضة.
وأرسلت بولندا جيشها إلى الحدود مع بيلاروسيا في محاولة لوقف موجات المهاجرين، وبدأت نصب سور من الأسلاك الشائكة. لكن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين رفضت طلباً قدمته بولندا و11 دولة أخرى في الاتحاد لتمويل تشييد «حواجز» حدودية بهدف وقف دخول اللاجئين، وقالت «لن يكون هناك تمويل لأسلاك شائكة وجدران».

- إسرائيل وجدار الضفة
أقرَّت إسرائيل خلال حكومة إيهود باراك عام 2000 بناء الجدار بالضفة الغربية، عقب سنوات شهدت موجة ضخمة من عمليات التفجير التي قام بها فلسطينيون ضد أهداف إسرائيلية. ويبلغ طول الجدار 810 كلم، وقد بدأ العمل فيه قرب جنين عام 2002، وهو، كما يقول منتقدون، لا يلتف حول الضفة بل يمر عبرها، متسبباً في تقسيمها إلى مناطق متفرقة. إذ إن مسار الجدار سيسمح للإسرائيليين بالضم الفعلي لقرابة 46 في المائة من الضفة الغربية، وسيتسبب في تقسيم بقية الضفة إلى «غيتوهات، بانتوستانات ومناطق عسكرية»، بحسب ما يقول موقع منظمة «أوقفوا الجدار» المناهضة لعملية تشييده. وتوضح هذه المنظمة، أن 20 في المائة من طول الجدار يشيّد بكتل خرسانية، وتحديداً في بيت لحم وبعض أجزاء رام الله، وقلقيلية، وأجزاء من طولكرم، وعبر غلاف مدينة القدس. ويبلغ ارتفاع الجدار 8 أمتار – أي ما يوازي بمرتين علو جدار برلين – مع أبراج للمراقبة و«مناطق عازلة» بعرض يتراوح بين 30 متراً و100 متر لنصب أسوار مكهربة، خنادق، كاميرات، أجهزة استشعار حساسة، إضافة إلى دوريات عسكرية. وفي مناطق أخرى، يتألف الجدار من طبقات من أسيجة وأسلاك شائكة، وطرقات مخصصة للدوريات العسكرية، وممرات رملية لرصد آثار الأقدام، وأقنية وخنادق، وكاميرات مراقبة.
في العام 2019، خصصت إسرائيل 74 بوابة و5 نقاط تفتيش عبر فتحات في الجدار مخصصة لمرور المزارعين. وتقول منظمة «أوقفوا الجدار»، إن 11 فقط من هذه المعابر والبوابات كانت تفتح يومياً، بينما فتحت 10 لبعض الوقت خلال أيام الأسبوع وخلال موسم قطاف الزيتون، لكن الغالبية العظمى منها (53) لم تفتح سوى خلال موسم حصاد الزيتون.

- الجدار حول غزة
يعيش في قطاع غزة قرابة مليونَي شخص في مساحة تقدر بـ365 كلم مربع؛ ما يجعل المنطقة من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالسكان. وتبني إسرائيل حول القطاع جداراً تحيط به منطقة عازلة (بافر زون) تمتد بين 300 و600 متر. وفي العام 2019، بدأت وزارة الدفاع الإسرائيلية المرحلة النهائية من تشييد سور فولاذي بعلو 20 قدماً سيحيط بقطاع غزة. وسيمتد السور بطول 65 كلم حول القطاع – جزء منه من الإسمنت وجزء من الفولاذ، وهو يمتد تحت الأرض وفوقها.

- أسوار سبتة ومليلية
أقامت إسبانيا في تسعينات القرن الماضي أسواراً حول الجيبين اللذين يخضعان لسيطرتها في شمال المغرب: سبتة ومليلية. كان الهدف منها وقف عمليات التهريب غير الشرعية ومنع دخول المهاجرين الطامعين بالوصول إلى أوروبا. فالجيبان في النهاية هما «الحدود» الوحيدة للاتحاد الأوروبي على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط. يتألف السور من سورين متوازيين تعلوهما أسلاك شائكة تفصل بينهما مسافة تسمح بمرور سيارات إسعاف ودوريات للشرطة. وفد بدأت عمليات تشييد هذا السور في سبتة عام 1993، وكان في البداية بعلو مترين ونصف المتر وبطول 8.4 كلم. في العام 1995، تمت زيادة علو السور إلى ثلاثة أمتار، ولاحقا إلى علو يصل إلى ستة أمتار. وأقام الإسبان أيضاً سوراً مماثلاً بعلو ثلاثة أمتار حول مليلية بطول 11 كلم.
وعلى رغم تسجيل محاولات سنوية يقوم بها مئات من الأفارقة لاقتحام السياجات والوصول إلى «الجنة الأوروبية»، يبدو أن الأسوار الإسبانية نجحت، كما يبدو، بالتعاون مع السلطات المغربية، في وقف تدفق موجات المهاجرين.

- سور الصين العظيم
يعود بناء الجزء الأساسي من سور الصين إلى حقبة أسرة مينغ، بين العامين 1358 و1644، وتقول الصين، إنه يمتد على مسافة 13 ألف ميل (21 ألف كلم) – علماً بأن تقديرات أخرى تقول، إن طوله يتراوح بين 1500 ميل و5000 ميل. ولا يطلق الصينيون على السور في الواقع اسم «العظيم». يسمونه فقط «جدار المدينة» ويضيفون للاسم صفة «الطويل».
وبحسب موقع مجلة التاريخ في «بي بي سي»، كان الهدف من بناء السور - المصنوع من طوب يحوي الرز المطحون اللزج - منع الغزو الأجنبي، لكن جنكيز خان أظهر كيف يمكن استغلال «عيب» في سور عظيم كسور الصين؛ إذ قاد جحافل المغول عام 1449 عبر أحد جوانبه ودخل الصين (نجحت أسرة مينغ لاحقاً في طرد المغول من أراضيها).

- سور هيدريان في شمال إنجلترا
شكّل «سور هيدريان» الشهير، بين شمال إنجلترا واسكوتلندا، الحدود الشمالية الغربية للإمبراطورية الرومانية على مدى 300 سنة. بناه الجيش الروماني بناءً على أوامر الإمبراطور هيدريان بعد زيارته بريطانيا عام 122 ميلادية، علماً بأن الغزو الروماني لبريطانيا بدأ في العام 43 قبل الميلاد. يمتد السور على مسافة 73 ميلاً (80 ميلاً بحسب مقاييس الرومان) من شرق إنجلترا إلى غربها (من وولزأند على نهر تاين إلى باونس - أون - سولواي). يُعدّ السور من أشهر أسوار الرومان وقد بُني خلال ست سنوات. كانت خطة بناء السور تقضي ببناء جدار من الصخور أو الطبقات العشبية، على أن تكون هناك بوابة عبور محروسة كل ميل، وبرجا مراقبة كل ميلين. ولتحصين السور أكثر بنى الرومان 14 حصناً على مساره، وحفروا حوله خندقاً عميقاً وواسعاً.
وفي الواقع، لا يختلف هدف بناء هذا السور الروماني عن الأسوار التي تُشيّد في العالم اليوم. فإذا كانت الأسوار الحالية تُشيّد لفصل سكان البلد عن «جحافل المهاجرين»، كان هدف هيدريان من بناء السور «فصل البرابرة عن الرومان». برابرة ذلك الزمان كانوا، كما يبدو، قبائل اسكوتلندا التي فشل الرومان في إخضاعها!

- جدار برلين
كان الهدف الأساسي من بناء «الجدار» في برلين هو وقف «الهجرة»، ولكن ليس بمفهومها الحالي. «الجدران» التي يتم نصبها في العالم اليوم هدفها الأساسي منع دخول الغرباء إلى بلد لا يريدهم. جدار برلين كان هدفه معاكساً. منع دولة ألمانيا الشرقية مواطنيها من «الهجرة» منها والفرار إلى الخارج.
كانت برلين مقسّمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 إلى أربعة أقسام. القسم الشرقي تحت سيطرة السوفيات والحكومة الشيوعية في ألمانيا الشرقية. وقسم غربي تتقاسمه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
وبما أن برلين نفسها كانت تقع كلياً في الجزء الذي يسيطر عليه الاتحاد السوفياتي في ألمانيا الشرقية (المدينة تبعد أكثر من 100 ميل عن الحدود مع ألمانيا الغربية) فقد كانت القيادة السوفياتية تعتبر أن الوجود الغربي «الرأسمالي» في قلب منطقة نفوذها بمثابة «شوكة في الحلق»، بحسب تعبير رئيس الوزراء السوفياتي آنذاك نيكيتا خروتشوف. فرض الروس حصاراً على القسم الغربي من برلين، عام 1958؛ لدفع الأميركيين وحلفائهم إلى المغادرة. لكن هؤلاء لم يخضعوا وردوا بإقامة جسر جوي نقل المؤن إلى برلين الغربية المحاصرة. والأنكى من ذلك بالنسبة إلى السوفيات، أنهم كانوا يشاهدون آلاف الألمان يتفقدون سنوياً عبر برلين الشرقية إلى غربها.
في يونيو (حزيران) 1961، غادر 19 ألف ألماني شرقي إلى ألمانيا الغربية عبر برلين. في الشهر التالي، وصل العدد إلى 30 ألفاً. في الأيام الـ11 الأولى من أغسطس، فرّ 16 ألفاً. وهكذا كرّت سبحة المهاجرين الفارين من «نعيم» الحكم الشيوعي في ألمانيا الشرقية للإقامة في «جحيم» الحكم «الرأسمالي» في جارتها الغربية. كان رد السوفيات سريعاً. أعطوا حكومة ألمانيا الشرقية الإذن بإقفال الحدود.
وخلال أسبوعين فقط، كان جيش ألمانيا الشرقية وشرطتها ومتطوعون قد نصبوا جداراً معززاً بأسلاك شائكة بين شطري برلين؛ ما أدى إلى قطع التواصل بين السكان الذين كانوا في السابق يتنقلون بحرية في الأقسام الأربعة لبرلين، ولم يعد ذلك متاحاً سوى عبر إجراءات أمنية مشددة من خلال ثلاث بوابات: «حاجز ألفا» و«حاجز برافو» و«حاجز تشارلي». أقامت ألمانيا الشرقية لاحقاً 12 نقطة مرور عبر الجدار الذي نجح إلى حد كبير في «غلق» الباب أمام «المهاجرين» من داخل البلاد إلى خارجها. من بين الذين حاولوا العبور خلسة من تحت الجدار أو من فوقه، قُتل 171 شخصاً بين العامين 1961 و1989، في حين نجح خمسة آلاف في العبور. في العام 1989 سقط «الجدار» بعد انهيار الحكم الشيوعي في برلين الشرقية عقب ثورة شعبية.


مقالات ذات صلة

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا خفر السواحل اليوناني في ميناء بجزيرة خيوس بعد اصطدام قارب سريع لنقل المهاجرين بدورية تابعة لخفر السواحل (ا.ب)

مقتل 14 مهاجراً في اصطدام قاربهم بزورق لخفر السواحل اليوناني

قضى 14 مهاجراً مساء الثلاثاء إثر اصطدام بين زورق لخفر السواحل اليوناني وقارب كان يقلّهم قبالة جزيرة خيوس في بحر إيجه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
شمال افريقيا  مهاجرون بعد توقيفهم في سبها الليبية 3 فبراير (مديرية أمن سبها)

«تطهير» وهدم مساكن... حملة أمنية استهدفت «مهاجرين مخالفين» بسبها الليبية

أوقفت أجهزة أمنية في الجنوب الليبي قرابة ألفي مهاجر غير نظامي بحوزتهم «أوراق مزورة»، وأقدمت على هدم مساكن كانوا يقيمون فيها، وسط انتقادات حقوقية واسعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
أميركا اللاتينية عناصر فيدرالية يعتقلون متظاهراً خلال احتجاج ضد سياسات إدارة الهجرة في مدينة مينيابوليس الأميركية (أ.ف.ب)

قاض أميركي يأمر بالإفراج عن طفل عمره 5 سنوات احتجزته إدارة الهجرة

أظهرت وثائق قضائية يوم السبت أنه سيجري إطلاق سراح طفل يبلغ من العمر 5 سنوات كانت قد احتجزته عناصر اتحادية من من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية إلى جانب والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.