إجراء الانتخابات في موعدها يضع الحكومة اللبنانية أمام مهمة صعبة

TT

إجراء الانتخابات في موعدها يضع الحكومة اللبنانية أمام مهمة صعبة

يقف لبنان الرسمي أمام مهمة صعبة تكمن في توفير الأجواء السياسية والنفسية لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، مارس (آذار) المقبل. وهذا يستدعي من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وضع خريطة طريق لتعطيل الألغام لإخراجها من مأزق تصريف الأعمال، بعدما أُضيف إلى هذه الألغام اللغم الذي زرعه وزير الإعلام جورج قرداحي في إساءته إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أن تدخّل رئيس الجمهورية ميشال عون لدى وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب، ما اضطره للانتظام في الصف الحكومي الهادف إلى إعادة تصحيح ما أدلى به لتزخيم الجهود الرامية إلى تصويب العلاقات اللبنانية - الخليجية.
وفي معلومات خاصة، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر رسمية أن استدعاء الوزير بوحبيب للقاء عون يأتي في سياق النأي به عن السجال الدائر حول الأسباب التي أملت على عدد من الدول الخليجية إلى استدعاء سفرائها لدى لبنان، على خلفية الإساءة التي تسبب بها الوزير قرداحي لمصلحة الانخراط في الجهود التي تتطلع إلى تدارك ما لحق لبنان من أضرار وكوارث غير مسبوقة على المستويات كافة، وهذا ما عكسه بوحبيب بدعوته فور انتهاء الاجتماع إلى تغليب المصلحة العربية المشتركة، وعدم صب الزيت على النار.
وبحسب المعلومات، فإن ما قاله بوحبيب ينم عن مبادرته إلى إجراء مراجعة نقدية للمواقف التي أدلى بها قبل استدعائه للقاء عون، الذي لا يجد من مصلحة له في تعطيل الحكومة وتعليق جلسات مجلس الوزراء، وهذا ما يصر عليه ويلتقي مع ميقاتي في هذا الخصوص، وإن كان الأخير يشترط تعطيل اللغم الذي زرعه قرداحي على طريق إقفال الأبواب أمام إعادة تفعيل العمل الحكومي، والذي لا يمكن نزعه إلا بمبادرته للاستقالة تقديراً منه للمصلحة الوطنية العليا.
وفي هذا السياق، يقول مصدر سياسي بارز إنه لا مجال للدخول مع دول الخليج العربي في مقايضة تقوم على استقالة قرداحي، في مقابل العودة بالعلاقات إلى ما كانت عليه، وإنما إلى توصل الحكومة إلى وضع مقاربة متكاملة يفترض أن تشكل الناظم لتصويبها وتصحيحها، وهذا ما أجمعت عليه القيادات التي التقاها ميقاتي على هامش مشاركته في القمة المناخية بإسداء نصيحة لكل من يعنيهم الأمر بأن عودة التعافي إلى هذه العلاقات تبدأ باستقالة قرداحي، ما يتيح لهم العمل من أجل تنقية العلاقات، مع أن الأزمة تتجاوز وزير الإعلام إلى «حزب الله».
لذلك، فإن خروج التيار السياسي المحسوب على عون من الاصطفاف السياسي الذي تسبب به قرداحي في إساءته للسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة يمكن أن يفتح الباب - كما يقول المصدر السياسي - أمام الفصل بين استقالته والألغام التي ما زالت تحاصر الحكومة، وأبرزها تطويق تداعيات الحوادث الدامية في الطيونة، وإصرار الثنائي الشيعي على تنحّي المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار، باعتبار أن الأولوية يجب أن تبقى محصورة في استيعاب التداعيات المترتبة على إساءة قرداحي لدول الخليج، خصوصاً أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية يبدي تفهّمه للمخاوف السعودية والخليجية حيال تمدد «حزب الله» إلى الإقليم ودول الجوار.
وعليه، فإن إنجاز الاستحقاق النيابي في موعده يشترط أولاً تعطيل الألغام السياسية التي تعطل العمل الحكومي لئلا تشكّل عائقاً (كما يقول المصدر نفسه) أمام رفع الضغوط على الناخبين كأساس لرفع نسبة الاقتراع لئلا تكون متدنية، وبالتالي يمكن أن يتراجع رهان المجتمع الدولي على أن الاستحقاق النيابي سيؤدي إلى إحداث تغيير في إعادة تكوين السلطة في لبنان.
ويلفت إلى أنه ليس من باب الصدفة أن يتلازم وجود وفد نيابي يمثل البرلمان الأوروبي في لبنان مع ما سمعه ميقاتي في لقاءاته مع القادة الذين التقاهم على هامش انعقاد القمة المناخية لجهة تأكيدهم على وجوب إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها، وأن تبريرات تأجيلها تُعتبر ساقطة سلفاً، وقوبل تشدّدهم بتناغم لا لبس فيه مع ميقاتي الذي يبقى وحده الأقدر على الإمساك بملف العلاقات اللبنانية - الخليجية لتصويبها وتنقيتها من الإساءات التي أُلحقت بها وصولاً إلى تصحيحها.
ويكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن الوفد البرلماني الأوروبي تلقى من خلال جميع القيادات وكبار المسؤولين الذين التقاهم تأكيدات بضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، وأن لا نية لديهم بتأجيلها أو بترحيلها إلى موعد آخر، مع أنه آثر عدم التدخل في السجال الدائر حول تحديد موعد إنجازها، أو بكل ما يتعلق بالخلافات الدائرة حول التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخاب، بعد أن أكد عليها أكثرية النواب في الجلسة التي خُصّصت للنظر في ردها من قبل عون، وامتناعه عن التوقيع عليها.
كما أن الوفد البرلماني الأوروبي (بحسب المصدر السياسي) لم يتوقف أمام توقيع عون على المرسوم الخاص بدعوة الهيئات الناخبة للاشتراك في العملية الانتخابية أو امتناعه عن توقيعه، وما إذا كان «التيار الوطني الحر» سيتقدّم بمراجعة من المجلس الدستوري للطعن في هذه التعديلات، لأن ما يهمه أولاً وأخيراً بأن تجري الانتخابات في موعدها ونقطة على السطر. ويؤكد أن الوفد الأوروبي أبدى قلقه الشديد حيال تعطيل الحكومة وتعليق جلسات مجلس الوزراء، ويقول إنه نصح بإخراج لبنان من التأزّم بإعطاء فرصة للحكومة لمواصلة التفاوض مع «صندوق النقد الدولي»، للوصول به إلى مرحلة التعافي المالي، وأن لا مصلحة بأخذه إلى الفراغ، بدلاً من الحفاظ على الاستقرار وتوفير المناخات المطلوبة لإجراء الانتخابات النيابية.
ويضيف أن الوفد الأوروبي شدد على ضرورة إجراء الانتخابات بعيداً عن ممارسة الضغوط على الناخبين لتفادي ما يمكن أن يلحق بها من شوائب وتدخّلات غير مشروعة تسيء إلى نزاهة العملية الانتخابية، التي تفترض من الدولة من خلال إدارتها للانتخابات الوقوف على الحياد، وألا تناصر فريقاً على آخر، وهذا سيبقى الهم الأساسي للمراقبين الدوليين الذين ستتم الاستعانة بهم للإشراف على العملية الانتخابية بالتنسيق مع الهيئة المستقلة للإشراف على الانتخابات.
ويؤكد أن الوفد الأوروبي أبدى كل استعداد للمساهمة في توفير كل ما يلزم على الصعيدين اللوجيستي والإداري لإتمام العملية الانتخابية تقديراً منه للوضع المتدهور للخزينة اللبنانية الذي لا يسمح بتوفيرها.
ويبقى السؤال: هل يكفي لإجراء الانتخابات الركون لـ«التطمينات»، التي تبلغها الوفد الأوروبي من أركان الدولة ووزير الداخلية والبلديات القاضي بسام مولوي المعني مباشرة بالإشراف عليها؟ أم أن هذا الاستحقاق لا يزال يتأرجح مناصفة بين إتمامه أو تأجيله ما دامت الألغام السياسية تحاصر الحكومة، وتبقى عائقاً يهدد مصيرها ما لم تتضافر الجهود لوقف تعطيلها لئلا تتحول الحكومة إلى هيئة تتولى الإشراف على إدارة الأزمة؟
فهل ستنجح الاتصالات التي يتولاها الرئيس ميقاتي لإخراج حكومته من المأزق بعد أن تحوّلت قسرياً إلى حكومة لتصريف الأعمال، بدلاً من أن تنصرف لتحقيق برنامجها الاقتصادي لإنقاذ البلد من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي يرزح تحت وطأتها؟ إضافة إلى أن عودة الروح للحكومة تسهم في تبديد القلق الدولي حيال تعثر إجراء الانتخابات وترحيلها ما يضع المنظومة الحاكمة والطبقة السياسية أمام محاكمة أممية يترتب عليها إصدار رزمة جديدة من العقوبات.



مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)
TT

مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)

استمرت التصريحات الإثيوبية المناوئة لمصر على وقع أزمة «سد النهضة»، والتي اتسعت لتشمل الحقوق المائية، ووصلت إلى حد حث وزير إثيوبي سابق حكومة بلاده على طلب «تعويضات» من مصر مقابل استخدام مياه النيل، وذلك بعد حديث مصري متكرر عن «حق الدفاع الشرعي» حال التعرض لضرر مائي.

ويشير مسؤولون مصريون سابقون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التصريحات الإثيوبية بحاجة إلى ردود سياسية وإعلامية قوية، مع أهمية تجنب التصعيد بين الدولتين في ظل التوترات القائمة.

ويؤكد هؤلاء أن «الحديث عن تعويضات مقابل استخدامات مياه النيل، يخالف قواعد القانون الدولي، وقوانين الأنهار الدولية، والاتفاقيات الموقعة ما بين القاهرة وأديس أبابا بشأن نهر النيل».

مطالب جارسو

ودعا وزير المياه الإثيوبي السابق، شيفيراو جارسو، حكومة بلاده إلى «مطالبة القاهرة بتعويض أديس أبابا عن استخدامها مياه نهر النيل». وأكد في تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، الجمعة، «استمرار بلاده في بناء سدود على مجرى النيل».

وقال وزير المياه الإثيوبي السابق إن «التهديدات المصرية الأخيرة بشأن خطط أديس أبابا لبناء المزيد من السدود، ليست بالأمر الجديد، ولن تثني بلاده عن المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النهر»، مشيراً إلى أن إثيوبيا «تساهم بنحو 86 في المائة من تدفق مياه النيل لمصر».

وهناك خلاف بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً، بشأن مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

مخاوف مصرية من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

ويضاف حديث المسؤول الإثيوبي السابق إلى التصريحات المتبادلة بين مسؤولين بمصر وإثيوبيا أخيراً، بشأن نزاع «السد الإثيوبي»، ومساعي أديس أبابا السيطرة على تدفقات المياه لدولتي المصب مصر والسودان ببناء سدود جديدة.

مصر لن تسمح

وكان مصدر مصري مسؤول حذر من الخطط الإثيوبية لبناء سدود جديدة، وقال في تصريحات لـ«وكالة أنباء الشرق الأوسط» (الرسمية بمصر)، قبل أسبوع، إن «إثيوبيا تسعى لفرض الأمر الواقع، واحتكار مورد مائي دولي مشترك، وتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب بالمخالفة للقانون الدولي». وأكد أن «مصر لن تسمح بفرضه كأمر واقع».

وجاءت تصريحات المصدر المصري رداً على تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب، سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أن «أديس أبابا تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار ما أسماه (الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة)».

غير أن المصدر المصري المسؤول قال آنذاك إن «بلاده سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن أنها ستتخذ كل التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل». وأكد أن «أدوات الدولة المصرية متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل».

عبد العاطي: حق الدفاع

وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي الأمر ذاته خلال تصريحات لـ«شبكة سكاي نيوز»، مساء الثلاثاء، مشيراً إلى أنه «إذا حدث أي ضرر من شأنه أن يعوق تدفق المياه، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، وفقاً للقانون الدولي»، مستشهداً بالمادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، إلى أن «إثيوبيا تسعى للحصول على أكبر قدر من المكاسب بالمخالفة للقانون الدولي، وأن ممارسات أديس أبابا في حوض النيل الأزرق، وفي القرن الأفريقي، تخالف كافة المواثيق ونصوص القوانين الدولية، ورغم ذلك تواصل الإمعان في هذه الممارسات الأحادية، على حساب مصالح الدول الأخرى».

قواعد القانون

ويرى عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخطط الإثيوبية الجديدة على مجرى نهر النيل، يجب أن تقابل بردود قوية سياسياً وإعلامياً، مع أهمية تجنب أي تصعيد بين الجانبين»، مشيراً إلى أن «قواعد القانون الدولي، بخصوص استخدامات الأنهار الدولية، تنص على مبدأين أساسيين، وهما عدم الضرر والإخطار المسبق»، مشيراً إلى أن «القاهرة تطالب الجانب الإثيوبي بالالتزام بهذه المبادئ دون جدوى».

اتفاقية 1902

وأشار وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، إلى أنه «لا يوجد أي نصوص قانونية أو اتفاقيات تتحدث عن تعويضات مقابل استخدامات مياه نهر دولي مثل النيل». وقال إن «هناك معاهدات موقعة بين القاهرة وأديس أبابا مثل (اتفاقية عام 1902)، التي تقضي بعدم قيام إثيوبيا بأي إجراءات من شأنها أن تعوق تصرفات النيل الأزرق لدولتي المصب، ورغم ذلك خالفتها إثيوبيا».

وأوضح علام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتفاقيات الموقعة بين إثيوبيا ومصر، بشأن إدارة مياه النيل، صدّق عليها البرلمان الإثيوبي، وبالتالي لا يمكن التشكيك في صحتها وسريانها»، مشيراً إلى أنه «لا يمكن فصل قضية مياه النيل عن التوترات الأخرى بالمنطقة، ومنها ما يحدث في منطقة القرن الأفريقي»، معتبراً أن «هناك ضغوطاً تمارس على القاهرة بملف المياه، بسبب مواقفها الإقليمية».

وكان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أشار في أغسطس (آب) العام الماضي، في مؤتمر صحافي مع نظيره الأوغندي، إلى أن «ملف المياه جزء من حملة الضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى».


«بنك مصر» بالإمارات في مرمى الإجراءات الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)
TT

«بنك مصر» بالإمارات في مرمى الإجراءات الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)

قلل مصدر مصرفي مصري وخبير اقتصادي من تداعيات الإجراء الأميركي ضد فرع بنك مصر في الإمارات على القطاع المصرفي المصري والاقتصاد المصري عموماً، مؤكداً أن «تأثيره يظل محدوداً، وينحصر في بعض معاملات الفرع الإماراتي، ولا يمتد إلى أعمال بنك مصر داخل مصر أو باقي فروعه الخارجية».

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة، إنها اتخذت إجراء لقطع تعاملات فروع ‌بنك مصر في الإمارات بالدولار بسبب تعاملاتها مع إيران.

وأضافت الوزارة، في بيان، أن «شبكة مكافحة الجرائم المالية» اقترحت قاعدة تلغي إمكانية وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى خدمات الحسابات المصرفية المراسلة لدى المؤسسات المالية الأميركية.

منع التحويلات الدولارية

وأكد مصدر مصرفي مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا القرار سيمنع فرع البنك من إجراء أي تحويلات بعملة الدولار إلى خارج الإمارات دون الخضوع للرقابة المالية في واشنطن، والحصول على موافقتها أولاً، للتأكد من عدم وصولها لشخصيات أو مؤسسات صادر ضدها عقوبات أو قرارات حظر أميركية.

وأشار إلى أن القرار معني فقط بعملة الدولار دون غيرها من العملات، حيث إن التحويلات الدولارية من بنك لآخر بين الدول تتم عبر بنك وسيط أميركي أو شركات تحويلات وسيطة أميركية تسمى المراسل لتتابع السلطات الأميركية خط سير عملتها.

تبدل الرقيب

وتابع: «كانت هذه التحويلات تتم من قبل بشكل روتيني تحت رقابة القطاع المصرفي الأميركي فقط، أما بعد هذا القرار فيخضع لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، وهو إدارة تابعة لوزارة الخزانة الأميركية، وهي المؤسسة الأميركية الرئيسية التي تراقب وتحظر التحويلات الدولارية للجهات والأفراد المدرجين على قوائم العقوبات».

المصدر ذاته شدد على أن فرع «بنك مصر» بالإمارات مؤسسة مستقلة عن القطاع المصرفي المصري وتدخل ضمن نطاق القطاع المصرفي الإماراتي وهو مملوك فقط لبنك مصر الحكومي المصري، مشيراً إلى أن «القرار الأميركي لن يؤثر من قريب أو بعيد على أي بنك داخل مصر، كما أنه إجراء يخضع للمراجعة ووارد جداً إلغاؤه بعد التنسيق مع الجانب الأميركي، وبعد التأكد من تبرئة ساحة بنك مصر بالإمارات من أي تعاملات مشبوهة».

تقليل مصري من تداعيات القيود الأميركية على فرع بنك مصر في الإمارات (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، كشف في وقت سابق عن خطط غايتها «خنق إيران اقتصادياً» بعد 6 أشهر من بدء الحرب عليها، وقال بيسنت، الجمعة: «لقد حذرنا من أن من يسهّل التعاملات لصالح إيران لن يتمكن من الاستمرار في الاستفادة من الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي».

وأضاف في بيان نقلته صحيفة «فايننشيال تايمز»: أولاً «قرر بنك مصر - الإمارات أن يختار الطريق الصعب، واليوم نتخذ أول قرار لمحاسبته على دعمه المستمر للنظام الإيراني».

ولن يدخل الإجراء الذي اتخذته وزارة الخزانة الأميركية حيّز التنفيذ إلا بعد انتهاء فترة تمتد شهراً لتلقي التعليقات والملاحظات العامة.

خدمة «المراسل»

من جانبه قال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، إن هذا القرار لن يؤثر على تصنيف بنك مصر أو القطاع المصرفي المصري، فالقرار لم يكن ضد بنك مصر أو فرعه في الإمارات بشكل مباشر بل ضد خدمة «المراسل» التي تقدمها شركات أو بنوك غالباً أميركية لبنك مصر، خصوصاً في الدول التي ليس للبنك دخول مباشر لنظامها المصرفي.

وشدد عبد النبي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على «أن المنع أيضاً لم يشمل كل العملات بل الدولار فقط، وحتى الدولار لا يمكن منع تحويله بشكل كامل لأن هناك تحويلات تتم مثلاً بالدرهم الإماراتي وتسلم في الطرف الآخر بالدولار، كما أن هناك تحويلات تتم بعملات كثيرة وتسلم في دول أخرى بالدولار باعتباره العملة العالمية الأوسع والأكثر توفراً لدى كل دول العالم».

إجراءات احترازية

وتابع: «كثيراً ما تتخذ السلطات الأميركية إجراءات احترازية موسعة وتضم إليها مؤسسات على سبيل الاحتياط، ثم تثبت المراجعة والتدقيق أن هناك مؤسسات شملتها الإجراءات دون وجه حق، ويتم إلغاء القرار بشأنها».

بيان بنك مصر

وقال بنك مصر، في بيان صدر السبت، ​إنه بصدد مراجعة إشعار صادر عن وزارة الخزانة الأميركية يتعلّق بتقييد خدمات المراسلة المصرفية بالدولار التي تقدمها المؤسسات المالية الأميركية لفرعه في ‌الإمارات.

أحد فروع بنك مصر في القاهرة (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

وأكد بنك ‌مصر «احترامه الكامل ​للأطر ‌التنظيمية ⁠والقانونية ​ذات الصلة، والتزامه ⁠بكل القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها، وتعاونه الكامل والبنّاء مع الجهات المعنية»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف بيان البنك أن فرعه في ⁠دولة الإمارات يواصل ‌تقديم ‌خدماته المصرفية لعملائه وفقاً ​للقواعد والإجراءات ‌السارية.

وأكد البنك أن ‌الإجراء التنظيمي يقتصر على فرع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى أعماله ‌في مصر أو أي دولة أخرى له ⁠وجود بها.

اتصالات «المركزي»

كان البنك المركزي المصري أكد في بيان ليل الجمعة أن المسؤولين بـ«المركزي» وفي وزارة الخارجية المصرية «على اتصال بالجانب الأميركي فيما يخص تلك الإجراءات».

وأضاف أن الإجراء الأميركي «يقتصر على معاملات فرع بنك مصر بالإمارات العربية المتحدة مع المراسلين بعملة الدولار الأميركي فقط، ولا يمتد أثر أي من تلك الإجراءات إلى أي من بنوك القطاع المصرفي المصري، بما فيها بنك مصر بجمهورية مصر العربية، أو أي من فروعه الخارجية الأخرى».

ويأتي هذا القرار في وقت شددت واشنطن حزمة العقوبات المفروضة على إيران، ورغم أن طهران أكدت أن هذه السياسات الأميركية لن تُحقق نتائجها، فإن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أقرّ بأن بلاده تواجه صعوبات اقتصادية عديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)
الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)
TT

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)
الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)

لم تعد المواجهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والجماعة الحوثية المدعومة من إيران تدور وفق المعادلة العسكرية التي استقرت عليها خطوط التماس منذ 2022، إذ أظهر التصعيد الأخير الذي بدأته الجماعة تحولاً لافتاً في أداء القوات الحكومية، التي بدأت نسج قواعد اشتباك جديدة أربكت الميليشيات، وتنتقل من موقع الدفاع والاحتواء إلى مرحلة الضربات الاستباقية، مستفيدة من سلاح المسيّرات وتطوير قدرات الاستهداف الدقيق.

تكشف وتيرة الهجمات خلال الأسابيع الستة الماضية عن مسار تصعيدي، تتزامن فيه الضربات مع استخدام الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت وممرات بحرية.

حسب المعطيات الواردة من مصادر عسكرية ومراكز رصد، نفّذ الحوثيون خلال هذه الفترة أكثر من 75 هجوماً بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المفخخة، شملت موجات صاروخية على ميناء المخا ومدينة الخوخة، بالإضافة إلى هجمات على معسكرات في مأرب والعبر، وأخرى استهدفت سفناً تجارية وأدت إلى مقتل أربعة بحارة على الأقل.

جنديان من الجيش اليمني يشغلان طائرة مسيّرة لاستهداف الحوثيين (إعلام عسكري)

في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات المسلحة اليمنية وتشكيلات المقاومة الوطنية و«قوات العمالقة» نفّذت أكثر من 500 عملية قتالية ودفاعية وهجومية، تركزت على تجمعات ومراكز قيادة وسيطرة حوثية في محاور الحديدة ومأرب وتعز والضالع والبيضاء.

ولا يكمن التطور الحالي في حجم الضربات وحده، وإنما في طبيعة الوسائل التي بدأت القوات الحكومية استخدامها، إذ يفتح دخول الطائرات المسيّرة إلى العمليات الهجومية مجالاً جديداً أمام القوات المناهضة للحوثيين لضرب أهداف عالية القيمة، دون الاضطرار إلى خوض عمليات برية واسعة.

وتشير مصادر يمنية مطلعة إلى تشكيل لواءين متخصصين بالطيران المسيّر تابعَين للقوات المسلحة اليمنية، في تحول ينقل هذه الطائرات من مهمة الاستطلاع والرصد إلى الاستخدام القتالي المباشر.

وخلال الأيام الأخيرة، استُخدمت المسيّرات في ضرب ثكنات وتجمعات وعربات إمداد وخنادق حوثية، وهي عمليات وثّقتها عدسات الطائرات المسيّرة في مختلف الجبهات، لا سيما في مأرب والجوف والبيضاء والساحل الغربي والضالع، وفي المناطق المحررة من محافظة حجة شمال غربي البلاد.

ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر على الساحل الغربي، حيث تتقاطع المواجهة البرية مع التهديد البحري. فإسقاط طائرات استطلاع حوثية كانت، وفق المعطيات، تمهّد لهجمات بحرية بالزوارق المفخخة، يعكس محاولة حكومية لحرمان الجماعة من إحدى أهم أدواتها في مراقبة المياه وتهيئة الهجمات على الملاحة.

وهنا تتجاوز المسيّرات وظيفتها العسكرية التقليدية، لتصبح جزءاً من منظومة ردع أوسع، هدفها منع الحوثيين من فرض واقع جديد على السواحل اليمنية وباب المندب.

اختبار توحيد القوة

لكن امتلاك أدوات عسكرية أكثر تطوراً لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على خوض حرب شاملة، فالتحدي الأكثر تعقيداً أمام الحكومة اليمنية لا يزال مرتبطاً بتعدد مراكز القوة العسكرية وتفاوت هياكل القيادة والسيطرة.

وخلال العامَين الماضيَين، عمل مجلس القيادة الرئاسي اليمني على معالجة جانب من هذا التشتت، مع بروز ملامح هيكل عسكري أكثر ترابطاً، وإن ظل متعدد المكونات.

ويضم هذا الهيكل القوات النظامية بقيادة الفريق صغير بن عزيز، والقوات المنتشرة في الساحل الغربي والمخا بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، إلى جانب تشكيلات «قوات الطوارئ» و«درع الوطن» التي يقودها مباشرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، والقوات العاملة في محاور تعز التابعة للمنطقة العسكرية الرابعة التي مقرها عدن، بالإضافة إلى «ألوية العمالقة» والتشكيلات الجنوبية الأخرى المنتشرة على جبهات لحج والضالع وشبوة بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

ووفق تقديرات عسكرية، تمنح هذه التشكيلات الحكومة اليمنية قدرة على توزيع الضغط العسكري بين أكثر من جبهة، لكنها في الوقت نفسه تضع غرفة العمليات المشتركة أمام اختبار صعب، فهل تستطيع تحويل هذه القدرات المتعددة إلى خطة قتالية موحّدة في حال تحولت المواجهة المحدودة إلى حرب مفتوحة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال مع ارتفاع مستوى التصعيد الحوثي، لأن الانتقال من الضربات الموضعية إلى العمليات البرية الواسعة يتطلّب مستوى أعلى من التنسيق والقرارَين السياسي والعسكري، فضلاً عن قدرة لوجستية واقتصادية كبيرة.

أولوية الردع المحسوب

في الحسابات الحالية للشرعية اليمنية، تبدو الحرب البرية الشاملة أقل ترجيحاً من استمرار التصعيد المحسوب، إذ لا تبدي الحكومة رغبة في الانجرار إلى المعركة التي قد يسعى الحوثيون إلى فرضها.

ومن هنا يبرز سيناريو التصعيد المدروس الذي أشار إليه العليمي مراراً، والقائم على استهداف مصادر التهديد بالصواريخ والمدفعية والمسيّرات، وعدم ترك الهجمات الحوثية من دون رد، مع تجنّب عمليات برية واسعة للسيطرة على مناطق جديدة.

القوات المسلحة اليمنية ترد على هجمات الحوثيين في جبهات تعز (إعلام عسكري)

وتتيح هذه الاستراتيجية للحكومة اليمنية رفع تكلفة الهجمات الحوثية، دون فتح جبهة قد يصعب احتواؤها لاحقاً، كما تمنحها مساحة للتحرك بين الرد العسكري والخيارات السياسية والدبلوماسية.

لكن استمرار الحوثيين في استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية قد يؤدي إلى تغيير الحسابات. فإذا تحول الضغط البحري إلى تهديد دائم لحركة السفن في جنوب البحر الأحمر، واستمرت الهجمات على الموانئ والمنشآت، فقد يصبح الساحل الغربي، خصوصاً الحديدة، محوراً لمعركة أكبر، وهو ما فُهم من تصريحات طارق صالح الأخيرة.

وقد تجد الحكومة عندها نفسها أمام خيار الانتقال إلى عملية عسكرية تستهدف إنهاء قدرة الجماعة على استخدام الساحل منصةً للتهديد البحري، وهو خيار ستكون له تبعات عسكرية وإنسانية واقتصادية كبيرة.

وتكشف الهجمات الأخيرة على ميناء المخا عن حجم المخاطر الاقتصادية التي يحملها هذا المسار، فقد أدى القصف، وفق المعطيات، إلى توقف النشاط الاستراتيجي للميناء وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية، مع تقديرات أولية للخسائر بمليارات الريالات اليمنية.

ولا تقف التداعيات عند حدود المنشآت المدنية، فاليمن، الذي يواجه أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، لا يملك هامشاً واسعاً، بالنظر إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لا تزال تعاني فجوة تمويل تتجاوز 80 في المائة، فيما أدى التصعيد المحدود خلال الأسابيع الماضية إلى موجات نزوح جديدة في مأرب والساحل الغربي.

وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، فإن إغلاق الطرق والممرات الحيوية وتضرر الموانئ والمنشآت التجارية قد يضاعف تكلفة الحرب على السكان، ويضع الاقتصاد الهشّ في المحافظات المحررة أمام ضغوط إضافية.

وبين التصعيد الحوثي والردع الحكومي المحسوب، ستحدد الأيام والأسابيع المقبلة ما إذا كانت المسيّرات والضربات الدقيقة التي تستخدمها القوات الحكومية اليمنية ستنجح في تثبيت توازن جديد مع الحوثيين، أم أنها ستكون مقدمة لجولة عسكرية هي الأوسع منذ هدنة 2022 وما تلاها من تهدئة هشة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended