«أكسل شبرينغر»: صناعة نقل الخبر... ثم الخبر نفسه

من صفقة الاستحواذ على «بوليتيكو» إلى «فضيحة» رايشلت

دوبفنر
دوبفنر
TT

«أكسل شبرينغر»: صناعة نقل الخبر... ثم الخبر نفسه

دوبفنر
دوبفنر

في مارس (آذار) الماضي، نشرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية المرموقة تقريراً مطولاً يفصل كيف يسيء يوليان رايشلت رئيس تحرير «بيلد»، أكبر صحيفة شعبية في ألمانيا، استخدام سلطته عبر «إغراء متدربات» وربط عملهن بإقامة علاقة خاصة معهن.
التقرير صدر باللغة الألمانية، ومع أنه أثار ضجة واسعة آنذاك داخل ألمانيا فهو لم يكن له صدى واسع في الخارج. وهكذا خمدت القصة خلال أسبوعين بعدما اكتفت مجموعة أكسل شبرينغر، وهي دار النشر العملاقة التي تُصدر «بيلد» و«دير شبيغل»، بتعليق عمل رايشلت (41 سنة) لمدة 12 يوماً... ثم إعادته إلى منصبه.
ما لا يقل إثارة، أن رايشلت رفع دعوى قضائية ضد «دير شبيغل» لنشرها التحقيق عنه. ومن ثم، لم تطل كثيراً عودته إلى المنصب. إذ إنه قبل نحو أسبوعين أقيل بسبب الاتهامات نفسها. ثم إن إقالة رايشلت تطلبت قصة في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تفصل الاتهامات التي تحوم منذ سنين حول رئيس التحرير المعزول.
وهكذا، خلال ساعات قليلة من نشر التقرير الاثنين قبل الماضي، كان رايشلت، الذي عين رئيس تحرير عام 2017 قد أصبح من الماضي. ودفع الأمر دار النشر العملاقة إلى إصدار تقرير يعلن إقالته «بعدما ظهرت تفاصيل جديدة في وسائل الإعلام» حول سلوكه. ومع أن تقرير «نيويورك تايمز» لم يقدم تفاصيل جديدة حول رايشلت نفسه، فإن وقعه على المستوى الدولي كان أكبر بكثير من الوقع المحلي للقصة التي نشرتها «دير شبيغل» قبل بضعة أشهر.
في الواقع قصة «نيويورك تايمز» ما كانت مرتبطة فقط بـ«فضيحة» رئيس تحرير صحيفة ألمانية، بل ازدادت أهمية بالنظر إلى توسع دار النشر الألمانية داخل السوق الإعلامية الأميركية ما استدعى أيضاً تدقيقاً مفصلاً في «الثقافة» المنتشرة داخل الصحيفة الأكثر انتشاراً والتي هي من أهم مطبوعات مجموعة أكسل شبرينغر.
دار نشر أكسل شبرينغر أسست عام 1952، واستحوذت على مجلة/موقع «بوليتيكو» الأميركية في أغسطس (آب) الماضي، في صفقة بلغت قيمتها مليار دولار أميركي. ووفق التقارير الإعلامية الأميركية، كانت أيضاً بصدد الاستحواذ أيضا على موقع «أكسيوس» الذي كانت قد أسسته جماعة من الصحافيين السابقين في «بوليتيكو» عام 2016، وعلى ما يبدو، فإن أسلوب «الخداع» في المفاوضات السرية التي أدارها ماتياس دوبفنر، رئيس مجلس إدارة أكسل شبرينغر، كانت السبب في فشل مجموعة النشر الألمانية بشراء موقع «أكسيوس».
من جهتها، نقلت «نيويورك تايمز» عن جيم فاندهاي، رئيس مجلس إدارة ومؤسس «أكسيوس» عام 2016 قوله إن دوبفنر عرض عليه أن يكون رئيساً لمجلس إدارة «أكسيوس – بوليتيكو» بعد شرائهما ودمجهما معا، إلا أن فاندهاي أبدى تحفظات عن هذه الخطوة، خاصة، أنه كان من مؤسسي «بوليتيكو» ورئيس مجلس إدارتها السابق، وبالتالي، قد تشكل عودته على رأسها توتراً مع زملائه السابقين في «بوليتيكو».
على هذا الرد من فاندهاي اقترح دوبفنر «التستر» على هذه الخطوة وتحاشي الإعلان عنها إلى ما بعد توقيع العقد مع «بوليتيكو»... لإجبارها على القبول بالخطوة المثيرة للجدل.
عندها أبلغ فاندهاي أعضاء مجلس إدارته في «أكسيوس» أن أسلوب دوبفنر «ملتوٍ»، وأنه «ليس هكذا ندير الأعمال هنا في الولايات المتحدة». وهكذا فشلت صفقة الاستحواذ على «أكسيوس»، وخطط مجموعة أكسل شبرينغر بدمج الموقع الناجح مع مجلة «بوليتيكو» العريقة، ومع هذه النكسة بدأت دار النشر الألمانية تدرك الفارق بين السوق الألمانية والسوق الأميركية التي دخلتها منذ عام 2015 عبر الاستحواذ على مجلة «بيزنس إنسايدر» وقررت التوسع فيه أكثر هذا العام.

ردود فعل

اختلاف رد فعل دار النشر الألمانية على القصة نفسها التي نشرت في الصحافة الأميركية وقبلها في الصحافة الألمانية، أثار كذلك الكثير من التعليقات. وحتى كاتب التحقيق الصحافي الأميركي بن سميث قال في مقابلة مع صحيفة «دي تزايت» الألمانية إنه «مصدوم» من تصرفات دار النشر وإقدامها على طرد رايشلت لأنه لم ينشر أي معلومات لم تكن معروفة له سابقاً من التحقيق الداخلي الذي أدارته المؤسسة.
وتابع سميث أن محضر التحقيق الداخلي الذي كان قد حصل على نسخة منه، كان واضحاً حول «العلاقات المشبوهة» لرئيس التحرير، وأردف أن ما أثار استغرابه أكثر كانت السرعة التي انتهى فيها التحقيق الداخلي الذي أجري في «بيلد» وانتهى بإعادة رايشلت إلى منصبه. وبحسب سميث، فإن «مديراً أميركياً كان سيقال لارتكابه جزءاً صغيراً من التجاوزات التي تورط فيها رايشلت».
هذه القصة لم تكشف فقط عن «الثقافة» المنتشرة داخل «بيلد» والتي تسامحت معها دار النشر المالكة للصحيفة، بل طرحت أيضا تساؤلات حول مدى «الحرية» المقبولة عند الصحافة في ألمانيا وقدرة الصحف المنافسة على الكشف عن قصص كهذه. إذ إن وسيلة الإعلام الوحيدة التي نشرت عن التحقيق الداخلي الذي أجرته «بيلد» بحق رئيس تحريرها وتصرفاته غير اللائقة، كانت مجلة «دير شبيغل» التي واجهتها «بيلد» بعدها بدعوى قضائية لإجبارها على سحب القصة. وللعلم، تضمنت قصة «دير شبيغل» في مارس الماضي اتهامات لم تطل فقط رايشلت نفسه، بل طالت أيضا ثقافة الذكورية الطاغية في «بيلد» وتحييد النساء و«حصر الحكم على أهليتهم للعمل بالاستناد إلى مظهرهن». حتى أن المجلة تحدثت عن أن الصحافيات لا يدعون للمشاركة في اجتماع التحرير إلا «للزينة».
وعندما حاولت دار النشر إيبن، المنافسة لأكسل شبرينغر - وهي تمتلك بدورها عدداً من الصحف في ألمانيا - نشر القصة بعد تحقيق مطول أجرته، فإنها تراجعت في اللحظات الأخيرة. وبعث رئيس مجلس إدارة إيبن برسالة إلى الصحافيين يطلب الإحجام عن نشر القصة، وبرر ذلك بأنه قد ينظر إليها على أنها تهدف للإضرار بمؤسسة منافسة. ورغم انتشار الشائعات على أن إيبن تعرضت لضغوط من أكسل شبرينغر، نفى رئيس مجلس إدارة إيبن ذلك، وكذلك نفت دار أكسل شبرينغر نفسها تواصلها مع إيبن طالبة الامتناع عن نشر القصة.
على أي حال، فإن تبعات فصل رايشلت لم تنته بعد. ويسعى دوبفنر، رئيس مجلس إدارة أكسل شبرينغر، الآن لنفض السمعة السلبية حول «ثقافة» التمييز ضد المرأة واستغلال الرجال لسلطتهم، التي يُخشى الآن أن تؤثر سلباً على صفقة «بوليتيكو». وكان دوبفنر قد نشر أخيراً شريط فيديو على يوتيوب دعا فيه الصحافيات اللواتي تأثرن باستغلال رايشلت لمنصبه «إلى التكلم علناً من دون خوف» وأضاف «يجب أن نكون مثالاً يُقتدى به عندما يتعلق الأمر بسياسة عمل محترمة ومتنوعة وحديثة».
لكن الواقع أن على دوبفنر شخصياً بذل الكثير من الجهد لإبعاد نفسه عن رايشلت ودفاعه المستميت عنه طوال الأشهر الماضية من أجل إبقائه في منصبه. ذلك أنه كان قد حاول التقليل من شأن الاتهامات الموجهة لرايشلت في تقرير «دير شبيغل» المنشور في مارس الماضي، مقابل الترويج لدوره كصحافي. حتى أنه وصفه بأنه «الصحافي الوحيد في ألمانيا الذي يتمرد ضد الدولة التوتاليتارية الجديدة»، في إشارة إلى انتقاد رايشلت إجراءات تقييد التنقل والحرية التي اتخذتها حكومة أنجيلا ميركل للحد من انتشار فيروس (كوفيد - 19).
ما إذا كان دوبفنر نفسه سينجح في تغيير الصورة السيئة التي انتشرت حول الثقافة التي روج لها في غُرف تحرير «بيلد»، ليس مؤكداً بعد. أما ما هو مؤكد فهو أن «التسامح» مع مثل هذه تصرفات ليس وارداً في الولايات المتحدة، حيث وصلت حركة «مي تو» – المكافحة للتحرش – إلى داخل غرف التحرير، وأطاحت برؤوس كبيرة، بدءاً من قناة «فوكس نيوز» ورئيس مجلس إدارتها روجر إيلس... الذي دفعت قصته هوليوود إلى إنتاج فيلم عنه.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.