حشود ضخمة تطالب بعودة الحكم المدني في السودان

مقتل اثنين من المحتجين بالرصاص في موكب أم درمان

جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)
TT

حشود ضخمة تطالب بعودة الحكم المدني في السودان

جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)

تدفقت حشود ضخمة من السودانيين، أمس، في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في أنحاء البلاد المختلفة، رفضاً لـ«الحكم العسكري» بعدما استولى الفريق عبد الفتاح البرهان على السلطة يوم الاثنين الماضي، وحلّ مجلسي السيادة والوزراء، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد.
وطالب المحتجون، الذين دعاهم تحالف «الحرية والتغيير» و«تجمع المهنيين» إلى الخروج للشوارع، بعودة الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، محذرين من أنهم سيواصلون عصيانهم المدني وتصعيد حملات احتجاجاتهم «المليونية» إلى أن يتراجع البرهان عن جميع القرارات الاستثنائية التي فرضها مؤخراً.
وخرجت الحشود، أمس، من كل الأصقاع للتنديد بالانقلاب العسكري الذي نفّذه قائد الجيش ضد الحكومة المدنية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، واعتقل وزراء وأعضاء في مجلس السيادة وقادة تنفيذيين وسياسيين. وغطت الحشود البشرية مساحات تعد بعشرات الكيلومترات، من السلاسل البشرية الممتدة طوال شوارع العاصمة الخرطوم، وهم يهتفون بمدنية الحكم وبرحيل العسكريين، واستعادة حكومة حمدوك، وإطلاق سراح القادة الدستوريين والسياسيين من المعتقلات، والعودة للحياة المدنية كاملة دون نقصان.

- رصاص في الشوارع
ولقي شخصان من المحتجين السلميين مصرعهما برصاص العسكر في الاحتجاجات المليونية التي شهدتها البلاد أمس، رغم أن وزراء حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير طلبوا من القوات النظامية عدم الاعتداء على المحتجين السلميين، وعدم المشاركة في مخططات «الانقلابيين» باستخدام القوة المفرطة والعنف في تفريق المتظاهرين.
وقالت لجنة الأطباء المركزية – جهة طبية معروفة – إن شخصين من المحتجين السلميين لقيا مصرعهما برصاص مَن أطلقت عليهم «ميليشيات المجلس العسكري الانقلابي»، بإصابات مباشرة في الرأس والبطن. وتابعت اللجنة، في بيان رسمي صادر عنها: «ارتقى شهيدان الآن إلى مراقي المجد في منطقة أم درمان، برصاص ميليشيات المجلس العسكري الانقلابي، بطلق ناري بالرأس وآخر بالبطن».
ووجّه وزراء الحكومة الانتقالية التابعون لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، رسالة للقوات المسلحة السودانية والأجهزة الأمنية، طالبتهم فيها بعدم الاستجابة لتعليمات وأوامر قيادات «تحمي مصالحها الشخصية، لا مصلحة الوطن الذي خرقوا شرعيته الدستورية»، وتابعت، في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»: «ندعوكم لعدم المشاركة في مخططات الانقلاب بالتعدي واستخدام القوة المفرطة والعنف في تفريق المتظاهرين السلميين».
وناشد الوزراء شباب الثورة بقولهم: «أثبتم وعيكم وجسارتكم وصمودكم، وحرصكم على السلمية شعاراً وفعلاً، رغم كثرة الاستفزازات والعنف الأقصى الذي مارسه النظام البائد لقمعكم، فأذهلتم العالم كله وتمسكتم بهذا الوعي وتلك السلمية، حتى مواكب الأسبوع الماضي في مواجهة السلطة الانقلابية وعنفها». وتابع البيان: «لا تسمحوا لمندس ولا مخططات تخريبية أن تجركم نحو العنف، احرصوا على السلمية، وتأمين صفوفكم من الاختراق».

- تمسك بالسلمية
ووجّه الوزراء رسالة لمن أطلقوا عليهم «كل مندس» بين صفوف الثوار، يسعى لجرف الثورة نحو العنف، ويخرب شعار السلمية، بأنه لا مكان له بين الثوار، وتابعوا: «انقسم السودان كما قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى فسطاطين، فسطاط الانقلابيين والشموليين، وفسطاط الديمقراطيين والسلميين، وإن محاولتكم لن تنجح، وسوف تتم محاسبتكم جنائياً ووطنياً».
والاثنين 25 أكتوبر الجاري، فاجأ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان السودانيين، بإعلانه الاستيلاء على السلطة، وإعلان حالة الطوارئ، وتعليق نصوص الشراكة في الوثيقة الدستورية، ونصوص لجنة التحقيق في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو (حزيران) 2019، التي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، وشهدت حالات عنف واغتصاب طالت المعتصمين السلميين الذين لجأوا للجيش من أجل الحماية.
ويتهم الثوار السودانيون الجيش وقوات الدعم السريع وفلول الإسلاميين، بارتكاب المجزرة البشعة بحق المحتجين السلميين، فيما اعترفت قيادات المجلس العسكري الانتقالي الذي كان يحكم وقتها بارتكاب الجريمة النكراء، حين قال عضو المجلس شمس الدين كباشي، في مؤتمر صحافي شهير: «فضينا الاعتصام وحدث ما حدث». بيد أن الأطراف السودانيين نصوا في الوثيقة الدستورية والمادة 16 منها على تكوين لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن تفاصيل الجريمة الكبيرة، وتقديم المتهمين للمحاكمات، لكن قائد الجيش ألغى تلك المادة ضمن الإجراءات التي أعلنها يوم الاثنين الماضي.

- شعارات المحتجين
دعت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين وتحالف قوى الحرية والتغيير، وتنظيمات مهنية مستقلة، السودانيين لتنظيم موكب مضاد للانقلاب العسكري الذي نفذه البرهان، فاستجاب الملايين من مؤيدي الدولة المدنية والمطالبين بالديمقراطية وحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، استجابة فاقت كل التوقعات.
وتقدر أعداد الذين خرجوا تأييداً للمدنية بملايين السودانيين، في ومدن السودان المختلفة، ورفعوا شعارات مثل «لا تفاوض مع الانقلابيين»، و«العصيان المدني من أجل إفشال المخطط الانقلابي للبرهان وحميدتي»، و«الميليشيات والجيش إلى ثكناتهم»، و«العصيان المدني الشامل في كل مدن وأحياء السودان»، وردد المحتجون هتافات: «حكم العسكر ما بتشكر، قسما قسما لن ننهار طريق الثورة هدى الأحرار»، وغيرها من هتافات، بما في ذلك هتافهم الشهير «مدنيااااااااو»، ويعني المطالبة بحكومة مدنية.
وقال محمد حامد وهو شاب في العشرينات لـ«الشرق الأوسط»: «لن نسمح بحكم العسكر مهما كان الثمن»، وأضاف: «استشهد رفاقنا من أجل المدنية، ولن نتخلى عن دمائهم»، فيما قالت الشابة ندى إبراهيم: «صنعنا الثورة ولن نتركها للبرهان وحميدتي، نستشهد من أجل المدنية والانتقال الديمقراطي». كما قال عمر وهو صحافي: «بصدورنا العارية سنهزم العسكر، وقد قطعنا على أنفسنا عهداً أن السودان لن يحكمه العسكر أبداً»، وتابع: «مواكب اليوم تؤكد أن العسكر لن يحكموا السودان بعد الآن».

- الخرطوم ثكنة عسكرية
وتخللت المواكب زغاريد النساء، وأهازيج الثورة، وعاد الهتاف القديم «تسقط بس» إلى الأصداء، بعد أن كان شعار ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019 الأثير، الذي ردده المحتجون حتى حوّلوه إلى حقيقة، وأسقطوا حكم الرئيس المعزول عمر البشير ومؤيديه من الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، وميليشياته مما يعرف بـ«كتائب الظل»، ولم يكتفوا بذلك بل أسقطوا حكومة نائبه وقائد الجيش عوض بن عوف بعد يومين من استيلائه على السلطة. وفي الأثناء ظل وسط العاصمة الخرطوم الذي لم يتجه نحوه المحتجون خالياً من الناس والزحام، بل تحول إلى ثكنة عسكرية تسيطر عليها مئات السيارات العسكرية والعربات المدرعة، والجنود من الجيش والدعم السريع والشرطة.
وفي 17 أغسطس (آب) 2019، أفلحت وساطة أفريقية، في إقناع المدنيين في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير والعسكريين الممثلين في المجلس العسكري الانتقالي، على توقيع «الوثيقة الدستورية» الحاكمة للفترة الانتقالية، وبموجبها تم تكوين مجلس سيادة من ستة مدنيين وخمسة عسكريين، ومجلس وزراء يشكله المدنيون.
ونصت الوثيقة الدستورية على تقاسم رئاسة مجلس السيادة بين المدنيين والعسكريين، على أن يتولى العسكريون الذين اختاروا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الفترة الأولى من عمر الفترة الانتقالية المقدرة بـ39 شهراً، وأن يتولى المدنيون رئاسة الفترة الثانية ابتداءً من منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وبحلول موعد انتقال السلطة للمدنيين، سارع البرهان إلى تنفيذ انقلابه على الحكومة المدنية، بيد أنه لم يفلح في تشكيل حكومة حتى الآن، وظل يحكم منذ الاثنين الماضي باسم قائد الجيش، دون شرعية دستورية بعد أن ألغى كل النصوص التي تتحدث عن شركاء الانتقال، لكن السودانيين سارعوا إلى الشوارع بالملايين لقطع الطريق على الانقلاب، وتصدت لهم القوات العسكرية بعنف مفرط، وقتلت منهم بدم بارد حتى الآن 13 شهيداً، ووقع عشرات الجرحى والمصابين، واعتقلت المئات من القادة السياسيين والميدانيين.

- عودة «الإخوان» إلى المشهد
في غضون ذلك، حذّر قياديون في المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» في السودان من أن أنصار نظام البشير من تنظيم «الإخوان المسلمين» بدأوا يظهرون على سطح المشهد السياسي داعمين لـ«انقلاب» الفريق عبد الفتاح البرهان. وقالوا إن عدداً من عناصر تنظيمات البشير من «الإسلاميين» كانوا قد تواروا عن المشهد منذ الإطاحة بالبشير في أبريل (نيسان) 2019، خرجوا الآن إلى العلن مساندين تولي الجيش السلطة، خصوصاً قراره بإلغاء لجنة «تفكيك التمكين» التي كانت الحكومة المدنية قد أنشأتها لتصفية نظام البشير وأنصاره وتجريدهم من الثروات التي حصلوا عليها بطرق غير قانونية، إبان الثلاثين عاماً من حكم البشير، وكذلك سيطرتهم على غالبية المناصب الحيوية في الخدمة المدنية ومواقع أخرى.
واتهم القياديون في «الحرية والتغيير»، الذين طلبوا عدم كشف أسمائهم لأسباب أمنية، البرهان باللجوء إلى «جماعة البشير» لحاجته إلى حاضنة مدنية تسير له مؤسسات الدولة، في ظل تخلي غالبية الأحزاب السياسية عن دعم تسلمه للسلطة وفضه للشراكة مع تحالف «الحرية والتغيير» الذي تنضوي تحت لوائه هذه الأحزاب.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.