ماكرون حصل من بايدن على «جوائز ترضية» لقلب صفحة الخلاف مع واشنطن

اعتراف أميركي بالرئيس الفرنسي محاوراً وشريكاً رئيسياً

TT

ماكرون حصل من بايدن على «جوائز ترضية» لقلب صفحة الخلاف مع واشنطن

القمة التي جمعت الرئيسين الفرنسي والأميركي، في مقر السفارة الفرنسية لدى حاضرة الفاتيكان، مساء أول من أمس، حملت للجانب الفرنسي ما يكفي من الثمار لقلب صفحة الأزمة التي نشبت بين الجانبين منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد إعلان قيام تحالف ثلاثي (أوكوس) في منطقة المحيطين الهندي - الهادئ، ضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وترافق مع إعلان كانبيرا فسخ عقد شراء 12 غواصة فرنسية الصنع بقيمة 56 مليار يورو، واستبدال 8 غواصات أميركية تعمل بالطاقة النووية بها. وبعد لوثة الغضب التي اعترت باريس، تراجعت حدة الانتقادات الفرنسية عقب اتصال هاتفي أولي بين الرئيسين إيمانويل ماكرون وجو بايدن يوم 22 سبتمبر (أيلول)، وتكثفت الاجتماعات الثنائية التي هيأت الأرضية للقمة الأخيرة، وثبتت في نص البيان المطول المشترك «مكاسب» باريس، والثمن الذي قبلت واشنطن دفعه لاسترضاء ماكرون.
بداية، حصل ماكرون من بايدن على التزام بتكثيف الدعم الأميركي للقوة الفرنسية والقوة الأوروبية العاملتين في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصاً في مالي. وجاء في البيان المشترك أن الولايات المتحدة «التزمت بتوفير إمكانيات إضافية في منطقة الساحل لتعزيز جهود محاربة الإرهاب التي تقوم بها فرنسا ودول أوروبية أخرى»، إضافة إلى التزام الطرفين بـ«تعزيز التعاون بينهما». وحتى اليوم، كان الطرف الأميركي يوفر الدعم اللوجيستي للقوة الفرنسية المسماة «برخان»، إضافة إلى الدعم الاستخباري بفضل المسيّرات الأميركية المنطلقة من قاعدتها في شمال النيجر. وكان تخوّف باريس أن تعمد واشنطن إلى إغلاق هذه القاعدة، وتقليص انخراطها إلى جانب حلفائها في محاربة الإرهاب، في الوقت الذي قررت فيه فرنسا وضع حد لعملية «برخان»، وسحب نصف قواتها العاملة في الساحل، وتغيير استراتيجيتها بالتركيز فقط على محاربة التنظيمات الإرهابية. والحال أن قبول بايدن بتخصيص إمكانيات إضافية للجهود في منطقة الساحل من شأنه تخفيف الأعباء التي تتحملها باريس، وتحفيز الدول الأوروبية المترددة حتى اليوم في إرسال وحدات تنضم إلى قوة الكوماندوس الأوروبية «تاكوبا». كذلك التزم بايدن بزيادة المساعدات للقوة الخماسية الأفريقية المشتركة لتصبح فاعلة، إذ إنها بحاجة إلى مزيد من التمويل والتسليح والتدريب والمواكبة لتؤدي المهمات الموكلة لها.
ومنذ سنوات، يسعى ماكرون للترويج لمبدأ «الدفاع الأوروبي» الذي كان يلقى تحفظاً من جانب واشنطن، ومن جانب عدد وافر من الشركاء من وسط أوروبا وشرقها. لذا، فإن تطور الموقف الأميركي يعدّ أحد «جوائز الترضية» لماكرون. فقد نص البيان المشترك على أن الولايات المتحدة «تعترف بأهمية قيام دفاع أوروبي أكثر قوة وعملانية، إذ إنه سيساهم في المحافظة على الأمن في العالم وعلى ضفتي الأطلسي، وسيكون مكملاً لحلف الناتو». يضاف إلى ذلك أن واشنطن «تدعم الاستثمارات المتصاعدة لحلفائها وشركائها الأوروبيين لتوفير الإمكانيات العسكرية المفيدة للدفاع المشترك، وتعزيز القدرات العسكرية الأوروبية»، ذلك أن شيئاً كهذا «سيصب في مصلحة الأمن» للطرفين. لكن اللافت أن البيان المشترك لم يشر أبداً لمبدأ كان يدافع عنه ماكرون، وهو «الاستقلالية الاستراتيجية»، وكان يخيف عدداً من الأوروبيين الذين رفضوا استبدال المظلة الأميركية - الأطلسية بمظلة أوروبية غير موجودة حتى اليوم. ومن هنا، يبدو واضحاً أن الدفاع الأوروبي لن يحل محل الحلف الأطلسي، بل هو «مكمل له». واستكمالاً لما سبق، وتأكيداً لرغبة الطرفين في «تعزيز التعاون الثنائي والأطلسي لخدمة السلام والأمن والازدهار»، فقد تم الاتفاق على الدفع باتجاه قيام قاعدة مشتركة قوية للصناعات الدفاعية التي تتيح تحسين القدرات العسكرية للحلف الأطلسي، بالتوازي مع قيام «حوار استراتيجي» للتوصل إلى مقاربة مشتركة لسياسة المبيعات الدفاعية.
وعند الإعلان عن قيام تحالف «أوكوس»، شعرت باريس، ومعها العواصم الأوروبية المعنية، بأنها استبعدت من منطقة تتسم بأهمية استراتيجية أساسية لها. ومن هنا، يمكن فهم أهمية اعتراف الجانب الأميركي بالدور الفرنسي. فقد جاء في البيان المشترك أن الولايات المتحدة «تعبّر عن ارتياحها للدور القديم الذي تقوم به فرنسا، بصفتها شريكاً في منطقة الهندي - الهادئ، آخذة بعين الاعتبار التزامها وجغرافيتها وإمكانياتها العسكرية المنتشرة في المنطقة، وهو ما يجعل منها لاعباً محورياً لضمان أمن المنطقة، بحيث تبقى حرة مفتوحة». وبما أن باريس تريد اعترافاً أميركياً بالدور الأوروبي، فإن واشنطن «رحبت» بالاستراتيجية الأوروبية الداعية للتعاون المشترك، وهي عازمة على القيام بمشاورات بشأن استراتيجيتها الخاصة. وبالنظر لزيادة الحضور الجوي والبحري الأوروبي في المنطقة، فإن واشنطن أعربت عن «استعدادها لتوفير الدعم والمساهمة المادية في ذلك». وعوض الجهود الفردية أو الثلاثية التي استبعدت باريس والأوروبيين، فإن الموقف الأميركي الجديد يقوم على اعتبار أنه «من المهم توحيد الجهود (الأميركية والأوروبية) من أجل تدعيم النظام الدولي القائم على قواعد قانونية، والتوصل إلى مقاربة مشتركة» بشأن المسائل الناشئة.
ما سبق غيض من فيض مما توافق عليه ماكرون وبايدن. والواضح أن الرئيس الأميركي جاء إلى روما مع رغبة في الاستجابة لمطالب الرئيس الفرنسي في «تظهير» الدور المهم لبلاده عالمياً، وجعلها شريكاً مميزاً للولايات المتحدة. ومما جاء في البيان المشترك أن الطرفين «يعيان (أهمية) الدور الرائد الذي يتحملانه للبحث عن حلول دولية للمشكلات الجماعية، والعمل على (تعميق) التعاون الثابت بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتعزيز النظام العالمي القائم على قواعد قانونية».
ويبدو واضحاً أن بايدن جعل من ماكرون محاوره الأول على المستوى الأوروبي، فيما تتأهب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لترك المسرح السياسي في بلادها. كذلك فإن بايدن جعل من فرنسا شريكاً أساسياً لبلاده، وقدم التزامات تفصيلية للتعاون معها على الصعد الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وبالتالي فإنه قد أعاد «تأهيلها» بعد الصدمة التي تلقتها منتصف الشهر الماضي، والتي وصفها وزير خارجيتها جان إيف لودريان بأنها «طعنة في الظهر».
يبقى أن ما سبق بالغ الأهمية، لكن الأهم هو وضع ما تم الاتفاق عليه موضع التنفيذ. غير أن هذه قصة أخرى ستتضح في المقبل من الأيام.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».